الأفق المبين عن الكاتب الاسم: أمين أحمد بهبهاني حركة الحداثيين أطلقت انتقاداتها سعياً لإيجاد «المدينة الفاضلة»، ولكن حالة الغضب شوّهت التجربة، لأن الغضب يحد من قدرة العقل على الرؤية من جميع الأبعاد. شاع مصطلح «الحداثة» modernity في مرحلة الصراع بين رجال الكنيسة والفلاسفة الراديكاليين ابتداء من القرن الخامس عشر الميلادي، ونظراً لقسوة مرحلة رجال الكنيسة على البشر، فإن سطوة الحداثيين المضادة كانت لا تقل عنها قسوة في عالم الفكر والعقائد، فطالب العديد منهم ببيئات جديدة للبشر، وتدمير القديم دون الالتفات إلى خطورة هذا التدمير العشوائي، وهو أمر خطر أفقد الحداثيين صفة حرية الفكر وعدم التحيُّز، ومن ثم تم تكبيل العقل بآفة جديدة هي معاداة الدين ومناصبة العداء لكل قديم. ونظراًَ لهذا المسار «الأعور»، الذي عمّر الدنيا وخرّب الآخرة، فإن العصور اللاحقة أصبحت حاضنة للاتجاهات «الفوضوية» anarchism و«اللاسلطوية» anti-authoritarian، وأشكال جديدة من الطغاة الذين حلوا محل طغاة الكنيسة، وبناء على هذه النتائج غير المتوقعة، تم لاحقاً مراجعة مفهوم الحداثة والبحث في اتجاه جديد أُطلق عليه «ما بعد الحداثة» modernism post، علماًَ بأن هذا المصطلح جاء ليعبر عن حالة الإحباط في المجتمعات الغربية التي هامت في عالم الحداثة بشكل مفرط، ومن ثم اتجه أهل الرأي نحو انتقاد وتقييم تجربة الحداثة في إطار المصطلح الجديد «ما بعد الحداثة». ومما يجدر ذكره أن قصور رجال الكنيسة عن فهم المقاصد النهائية للشرائع وتأويلات النص الديني، هو الذي دفع المجتمعات الأوروبية نحو أنفاق مظلمة ومسارات مغلقة تعكس مدى خطورة الالتزام الديني السطحي. ومهما يكن من أمر، فإن الدين في جوهره جاء لقيادة الحداثة في المجتمعات البشرية بشكل مرحلي وآمن، من خلال مجموعة من الآليات والأحكام الحركية، وفي مقدمتها أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا صدرت من عالم رباني، يقول الإمام جعفر الصادق عليه السلام، في شأن هذه الآلية: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء ومنهاج الصلحاء، فريضة عظيمة بها تُقام الفرائض وتأمن المذاهب وتحل المكاسب وتُرد المظالم وتعمر الأرض ويُنتصف من الأعداء ويستقيم الأمر». وعلى الرغم من أهمية أداة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تحقيق الحداثة والتطور طبقاً للآلية القرآنية التالية: «لَتَركَبُنّ طبقاً عن طبق» (الانشقاق 19)، فإن الاستخدام الجاهلي لأداة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من جانب الفئات المتدينة القاصرة تؤدي عادة إلى نتائج عكسية، فتتوقف ساعة الزمن، ويبدأ الصراع ويُتَّهم الدين. فهؤلاء القاصرون قد يرون المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، فيشرعون في دفن الدين حياً وهم لا يشعرون. أمين أحمد بهبهاني [email protected]