مازالت العين هدف الباحثين عن أسرارها، وما تحمله من تعابير ورسائل عبر بريدها القلبي، الذي جعل حلاوتها أيضا في ألوانها. قلت : «عيناك بحري وغاية أُنسي عيناك حلمي وأمنية أمسي عيناك لحني وحديث نفسي عيناك يومي وأيام عرسي» خلق الله العين روعة في أدائها، فهي تعبّر عن أحاسيس الإنسان بجلاء عبر إنسانها، وجفونها، وأهدابها، فلا عجب أن أصبحت ساحة يتنافس الأدباء من الناثرين والنُّظّام في إظهار جمالها، وروعة أحاسيسها في الحب، والعشق، والهيام. والعين بريد القلب كما تصفها الأمثال العربية، فما يحمله الإنسان من مشاعر وأحاسيس نجده على العين جلياً، فالفرح إذا ما اشتد يجعلها تذرف دمعة الشوق والسعادة، وهي أغلى دمعة، لأنها تعبّر عن أجمل إحساس بالقرب. أما إذا لم يكن الفرح مقروناً بالشوق، كانت العين فرحة تنفرج لها الأسارير، ويعبّر عنها الوجه بتقاطيعه الباسمة دون دمعة. وأختها العين الحالمة التي تغشاها الحب والوله، وأوردها الخيال موارد الشرود، فلا انتباه، إلا إذا اقترن السمع بالمناداة، فتستنهض الهمة في فزع يخف صداه، كلما كانت المناداة رقيقة، ويشتد صداه، إذا ما كانت المناداة مرتفعة الوقع. وعين خائفة، فزعة، تشتد نظراتها، وتتقلب بياضاً في سواد، لتهاتف بحاجتها الأمان الذي افتقدته للتو، أو الأمان الذي افتقدته في سالف الأزمان، فهي لاتزال تبديه لكل طارق وطارئ. وعين راصدة، مراقبة، تتعمّق في تفاصيل الأشياء، حتى لا تدع للغفلة مكاناً، وتتفحّص بحيث لا تستفهم عن شيء إلا بيَّنَتْ عواره وتكراره، وأوضحت جماله وخلاله. وعين حزينة، أضناها السهاد، وغشاها الوكف، وأجهدها التعب، بعدما غادرها الرقاد، وأضحى ليلها كنهارها يقظة وانتباهاً، لا تدع لها الأفكار سكنة ولا راحة، أقلقها البال، وأسهرها الحال، حتى أركبها المحال، تذرف الدمع حيناً حسرة، وهادراً إذا ما تذكرت سبب حزنها، ومواطن كمدها، تواقة لكل غفلة بال، وأنّى لها ذلك. وعين ساخطة، غاضبة، حاقدة، لا يهدأ لها بال، ولا يطيب لها خاطر، إلا في الانتقام، تبتكر الشرور، وتعشق نكبات الغريم، وتسعى جاهدة لانزال صنوف التشهير والتحقير والتقريع، غلفها الحسد، فهو دثارها. د. سعود محمد العصفور (جامعة الكويت - قسم التاريخ) [email protected]