ماذا يمكن أن يصنع صديقي الروائي الجالس طوال الوقت خلف «كيبورده» مقارنة مع زملائه النجوم التلفزيونيين؟ لن أتأنى كي أعرف الجواب، النجوم نجوم، تتلألأ بكل وضوح في الليل مهما كانت في حقيقتها مظلمة، وصديقي سيبقى مجرد حالة سردية ينتظر وصول تقارير دور النشر بأن روايته بيع منها كذا نسخة. مقدمة البرامج الفلانية أقدر على توجيه الناس منه. الإعلامي النجم في الواجهة، إن استخدم تقنيات «البروبوغاندا» وأساليبها.. إنها الشاشة، حيث الوصول القسري إلى كل بيت وإلى كل فرد. وسيظل صديقي أسيرا لكرم القراء وأحيانا كثيرة للعبة الحظ، حتى وإن استخدم ما أتيح له من تلك التقنيات. من سوء طالع الثقافة العربية غير التراثية أنها تولد في عصر الإعلام، لم تشارك في إنتاجه ولا في صناعته، بل ظهرت بالتزامن معه. عكس الثقافة الغربية بكل تاريخها المتواصل، ولدت بالتزامن مع الثورة الصناعية لتشاركها في خلق كل المستقبل بما في ذلك إيجاد وسائل الاتصال الحديثة وما قبلها. لذلك فإن الإعلام العربي لا يملك قاعدة فكرية ثقافية خاصة، ولكنه جاء من فراغ ثقافي رهيب، خلقته السياسة واستحقاقات «الهيافة». ومن الصعب في مثل هذه الحالة أن يقدم واقعا أفضل، بل سيبقى مجرد إناء يقدم نفسه من دون خلفيات ثقافية. من الخطأ القول إن هناك إعلاما عربيا واحدا، لدينا إعلام خليجي يقوم بمهمة توجيه الرأي العام خارج الخليج العربي، وإعلام مصري محلي صرف، دخل مرحلة المواجهة السياسية المباشرة لاعبا دورا جوهريا كعنصر ضغط على السلطة، ويوجد إعلام لبناني انكفأ للداخل لينقسم بحسب الأحزاب، وإعلام عراقي خرج للتو من سيطرة الدكتاتورية ليأخذ شكل المشهد العراقي الفوضوي. وما عدا عن هذا يوجد، كما في كل زمن عربي، وسائل إعلام حكومية تعمل باشتراطات الإعلام الحكومي المعهودة. وخلال السنوات الماضية ظهر إعلاميون مميزون، لكنها في كل التجارب مجرد جهود فردية، تشبه حاكما عادلا يأتي بالصدفة أو تفرضه ظروف ما، وبموته أو رحيله يتحسّر عليه الجميع. هذا حال الحراك الإعلامي، تخدمه الصدفة أو الجهود الفردية، وأحيانا تخلقه حماقات خصومات السلطات السياسية. سيقال هذا هو الموجود، فضاء الثقافة محدود والإعلام مفتوح. بالفعل، الثقافة محدودة، التأثير عكس الإعلام المرئي. الشاشة تتجاوز جدران المنازل، والكتب حبيسة الباعة. في المقابل، نحن نعيش لحظة ردات فعل، الشاشة تخلق ردة الفعل، هي بنت الحدث، حبيسة التطور الراهن، لا يطلب منها أكثر من ذلك. ويبقى الفعل الثقافي أكثر رصانة، فاعلية، قصدية، تنظيرا وبعد نظر. على المدى القريب سيطاح بأنظمة وتولد أخرى، الشاشة تسهم في ذلك، إلا أنها تخلق حالة الانفعال المجرّدة من دون أن تمنع ظهور ذات الأخطاء السياسية والاجتماعية المستقبلية. الإعلام هو السلطة الرابعة هناك في أوروبا والولايات المتحدة، حيث تاريخ من الأفكار وما تخلقه من واقع ملحّ يحيط بكل نجم. هنا في الشرق سيخلق النجوم خياراتهم، السلطة الرابعة فيه تنتظر الجهود الفردية. كي نكون بقدمين، نحتاج إلى الفاعلية الثقافية الخالقة لجدل الحياة الى جانب سلطة الإعلام. الشاشة تضغط على كل أشكال السلطات، والفعل الثقافي النقدي في أحد أدواره، يضغط على تلك السلطات بما في ذلك «السلطة الرابعة» الواقعة ضحية للانفعال أو الأجندات السياسية. عمار السواد