منذ بداية الأزمة المالية والاقتصادية العالمية من قبل أكثر من أربع سنوات، ودول الاتحاد الأوروبي تتساقط واحدة تلو الأخرى في أزمات سيولة حادة، فبعد أن شغلتنا اليونان وقبلها إيطاليا وإسبانيا، ها هي الآن قبرص تنضم للركب بأزمة سيولة فاقت كل سابقاتها، مما حدا بالبنك الأوروبي للتدخل لوضع حلول لم ترض الشارع القبرصي. ولا أدري هل هي لعنة اليورو على الدول الأوروبية؟ فبدل أن يكون وسيلة للتكامل والنمو بما يخدم التنمية وخلق الوظائف، أصبح الآن هو العائق الذي يزيد من عمق المشاكل بما يرفع من نسب البطالة ويهوي بتصنيف اقتصاد هذه الدول إلى مراتب متدنية. عموماً، لا تهمنا كثيراً مشاكل القارة العجوز فهم أدرى بمشاكلهم وهم بطبيعة الحال الأقدر على حلها بخطط الإصلاح المستمرة لديهم، وما نراه اليوم من مشاكل ما هو إلا بمثابة الكشف المبكر لانحراف قطار التنمية لديهم، ومهما كانت مقاومة الشارع لعملية الإصلاح فإنها ستؤدي في نهاية المطاف بطريقة أو بأخرى إلى عودة القطار إلى سكته. ولعلنا نتجرأ قليلاً ونقارن وضعنا كدول عربية بأوروبا، لماذا تكثر عندهم المشاكل المالية رغم تقدمهم الاقتصادي والسياسي، بينما نحن كدول عربية لا نعاني من أي مشاكل مالية رغم تخلفنا الاقتصادي والسياسي؟ فبنوكنا تعمل كأن شيئاً لم يحدث، هل إلى هذا الحد وصل بنا التطور حتى أصبحت لدينا مناعة مالية فلا نتأثر بأي أزمة مالية أو اقتصادية؟ فخلال الأعوام المنصرمة ومع انهيارات الكثير من البنوك عالمياً لم يفلس بنك عربي واحد. لا أدري، لعلنا فعلا نسير في الطريق السليم، فلعل قطار التنمية العربي يمضي على سكته بكل اطمئنان! أو يكون القطار قد ترك سكته ليمضي حراً يسير أينما شاء، وبذلك نكون حققنا نظريتنا الخاصة في الاقتصاد. أما الذي أخشاه أننا استوردنا القطار ونسينا أن نستورد سكته معه! ويبقى السؤال الأهم: هل ما زال القطار موجودا أصلاً أم ذهب للسياحة في جزر الجنات الضريبية، ذهب حاملاً الأموال المنهوبة ولم يعد؟ وما حاجتنا أصلاً للاعتماد على ثقافة الغير؟ فالأوروبيون ينطلقون نحو التنمية بالقطارات، أما نحن العرب فلنا تاريخنا وثقافتنا الخاصة والتي لا نستبدلها بأي ثقافة غربية، فالتنمية عندنا مستمرة ولم تتوقف، الفرق بيننا وبين الأوروبيين، أننا حافظنا على تقاليدنا وانطلقنا نحو التنمية بقوافل الجمال، لذلك لا يهمنا أن ننحرف قليلا أو حتى كثيراً عن المسار، فالصحراء كلها مسالك.