غدا، يكون قد مر على العراق عقد من الزمن وهو يرزح تحت أسوأ احتلال في التاريخ، وأقول احتلال، وقد يتهمني البعض بضعف الذاكرة لأن المحتل قد غادر قبل أكثر من عام، فأقول لهم، لست أنا المصاب بضعف الذاكرة ولكنكم أنتم من أصبتم بعمى الألوان والوحشية التي لم تعد ترى سوى ماديات الأشياء وغاب عن بصيرتها أن من خلّفهم الاحتلال ما هم سوى أدوات ينفذون ما يطلب منهم، ليكونوا امتدادا للاحتلال الأميركي، بل وأكثر نكاية ببني جلدتهم بعد أن جمعوا بين ولائهم لأرباب نعمتهم الأميركان، وعمالتهم المفرطة لإيران. قبل أعوام عشرة، كانت بغداد ساحة للحرب، دخلتها دبابات الاحتلال الأميركي من أكثر من جانب، إثر معركة ظلت أغلب تفاصيلها غائبة بل ومغيبة عن الإعلام، ألا وهي معركة المطار التي جرت في السابع من أبريل عام 2003، وهي المعركة الثانية التي كانت الفيصل في التمهيد لدخول القوات الأميركية لعاصمة الخلافة، بغداد الرشيد. تغيب التفاصيل عن كثيرين، ويتساءل مثلهم وأكثر عن سبب الانهيار المروع للقوات العراقية بمواجهة القوات الأميركية، ويتناسى هذا الكثير قراءة الحرب بصورتها المجملة وليس بما وقع في أبريل من ذاك العام 2003. عقب حرب تحرير الكويت، فرض المجتمع الدولي حصارا خانقا على العراق، وعندما أقول حصار، فإني أعني وأعي تماما ما أقول، كان حصارا بالفعل، ولم يكن مجرد عقوبات كما تفرض حاليا على إيران، حصارا منعنا ونحن طلاب، من أقلام الرصاص لأنها ذات استخدام مزدوج، وصار العراقي الذي يعشق الشاي، لا يشربه سوى مرة واحدة في اليوم، وحتى حلويات الأطفال، تحولت بقدرة قادر إلى تمرة ملفوفة بورقة سليفون. ذاك جزء من صورة الحصار، أما الجزء الأعم والأشمل، فيمكن رؤيته في الاستعراض العسكري الأخير الذي نظمه الجيش العراقي في السادس من يناير، ذكرى تأسيسه، وحضره يوم ذاك الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. يحدثني ضابط كبير ممن أشرفوا على الاستعراض، أن ما شاهده العالم من دبابات كان أغلبها يعطل بعد نهاية المنصة التي يقف عليها الرئيس، لأن أغلبها كان يعاني من غياب أية مواد بديلة، وهكذا كان حال أغلب صنوف الجيش العراقي الأخرى. مطار بغداد شهد معركتين، الأولى فشلت فيها القوات الأميركية في الدخول واختراق التحصينات البدائية للجيش العراقي وقوات الحرس الجمهوري، والثانية التي وقعت في السابع من أبريل، شهدت استخدام سلاح متطور، حيث نقل لي أحد الضباط، وهو حي يرزق، أنه تم قصف المطار بمادة بنفسجية الشكل، أذابت كل شيء رطب، فاختفى أثر الآلاف من أفراد الجيش العراقي، ليفر من بقي حيا يروي ما شهد. القوات الأميركية أبقت مطار بغداد مغلقا لمدة ستة أشهر عقب الاحتلال، حيث نقل بعض ممن تمكن من دخوله، أن أرضه اكتست اللون الأسود، دون أن يعرف أحد سببا لذلك. وأهم من يعتقد أن حرب احتلال العراق بدأت في مارس عام 2003، وانتهت في التاسع من أبريل باحتلال البلاد، فهذه الحرب بدأت منذ أن فعلت العقوبات الدولية بطريقة بشعة، أدت إلى أن تسحق كرامة شعب كامل تحت سوط الجوع، بعد ذلك جاءت القوات العسكرية لتكمل ما بدأته عقوبات الساسة، فكان أن احتل العراق، وللأسف فما زال يرزح تحت هذا الاحتلال، رغم ما يشاع عن انسحاب القوات العسكرية الأميركية.. وللحديث بقية..