لا يمكنك أن تطرح فرضيات خارج السياقات التاريخية، لكن سؤالا يلح علي دائما كلما زاد الإحباط مما يجري في عالمنا العربي، ماذا لو أن الزعيم جمال عبدالناصر اتجه نحو الديمقراطية أثناء حكمه، ولنقل بعد أن تمكن من الحكم وحظي بأكبر جماهيرية يمكن أن يحصل عليها زعيم، ما حال مصر وعالمنا العربي اليوم لو أن خطوة كهذه تمت في تلك الحقبة، ربما لا نستطيع التنبؤ بما سيكون الأمر عليه، لكن الأحوال قطعا ستكون أفضل بكثير، ولن تدفع الأمة كل تلك الأثمان الباهظة من اقتصادها وتعليمها وثقافتها وجغرافيتها وحياة أبنائها، والأكيد أننا لن نكون هنا اليوم، وعلى هذه الحال! لا أحتاج من يبرر لي عدم قيام عبدالناصر بتلك الخطوة، أستطيع أن أقوم بهذه المهمة وحدي، وبشكل أفضل ربما، تستطيع أن تتحدث عن لحظات بناء وتأسيس الدولة، السياق التاريخي للديمقراطية كحالة ونموذج في العالم وعدم سيادته في تلك الأيام، التحديات التي واجهها داخليا وخارجيا، وغير ذلك من المبررات الكثيرة والمنطقية في جانب منها، لكنك تتذكر أيضا كيف كانت مصر قبل ناصر، وحالة التعددية التي يمكن التعويل عليها في بناء مناخ ديمقراطي، ويمكن لك أن تلتفت لما جرى في أماكن أخرى في هذا العالم، وقد كان ناصر فاعلا ومؤثرا ومدركا لكل ما يحدث من حوله، ويرى أساسات التحول الديمقراطي تشيد في أكثر من بلد، ويعرف جيدا أن لا حق له ولا للعسكر في اختطاف مصر، مهما كانت الأوهام المرتبطة بإدارتها. لم يحدث هذا الأمر، لم يتجه ناصر ورفاقه للتسوية التاريخية، والتي يرى عزمي بشارة أنها الطريق الوحيد لنجاح الثورة في التأسيس لنظام ديمقراطي، صحيح أن ما جرى في يوليو كان انقلابا عسكريا، لكنه ارتكز على الوجدان الوطني وسار في طريق التحرر من تبعات الاستعمار، والصفقة التاريخية التي يشير لها الدكتور بشارة، تقوم على أساس الشراكة الوطنية بين النخب والأحزاب السياسية، والاتفاق على مبادئ الديمقراطية والعمل على تثبيتها دستوريا وممارسة، وهذا ما لم يفعله إخوان مصر، بعد ستة عقود من فشل ناصر والعسكر في القيام بأمر مماثل، وإن اختلفت الظروف والأهداف، وكما فعلنا مع عبدالناصر يمكن أن نفعل مع الإخوان، نفتح الباب الآن لمسلسل المبررات الذي لا يتوقف لحظة واحدة. ماذا نفعل وقد كسبنا الانتخابات؟ دعوناهم ولم يستجيبوا! التدخل الخارجي لا يتوقف وسنقطع كل الأصابع التي تمتد لنا، هناك من يريد إفشال الديمقراطية وإجهاض الثورة المصرية، الإعلام ضدنا، ويمكن لك أن تكمل في هذا الطريق من العبارات التي يستند عليها جمهور الإخوان في مصر، وبعضها صحيحة دون أدنى شك، لكن كل ما يفعله الإخوان هو إنجاح محاولات الخصم، والحديث عن خصومات كثيرة هنا، أعداء الديمقراطية والراغبون بإجهاض الثورة وإشعال نار الفوضى في البلد، نتيجة ما لحق بهم من خسائر بعد سقوط النظام، والخصوم الثوريون الذين رأوا أنهم خارج اللعبة وعليهم القبول بكل ما يفعله الإخوان؛ لأنهم حصلوا على عدد أكبر من الأصوات، ليس بعد تأسيس النظام الديمقراطي، بل عدد الأصوات الأكبر في الاتفاق على مبادئ وثوابت هذا النظام الديمقراطي المنشود! حسنا، لا أحد يستطيع أن يتحدث مع الإخوان، في الكواليس تزدهر الأمنيات بالسيطرة والتمكين، والنخبة التي تقود الجماعة تتعامل بشكل «إيماني» مع ما يجري، الوقت كفيل بإنهاء الأزمات ووقف الاضطرابات، حالة دروشة لا نهائية ترهن مستقبل مصر لأوهامها، والمعارضة مستعدة للتعاون مع الشيطان لإسقاط الإخوان، هكذا يكتب التاريخ في بلادنا، التعنت وشهوة السلطة والانحياز للحاضر وتجاهل الغد، ونحن نتجه لا محالة للديمقراطية، لكن البعض لديه القدرة على تأخير الوصول، في منافسة لمن سبقه على فعل ذلك!