رحل عن دنيانا هذا الأسبوع (العم طلعت) أقدم مشغل آلات عرض سينمائي بقطر وربما العالم العربي في نفس اليوم تقريبا الذي أعلنت فيه شركة قطر للسينما عن رحيل آخر ماكينة عرض (35 مم) تعمل بنظام البكرات، وكأنه يرفض أن ينصاع لمنطق ثورة «الديجتال» المخيف والسينما الرقمية التي تصفعك من اليمين ومن اليسار والنظارات الملونة التي أجهزت على مهن الفن السينمائي بعد 120 عاما من العمل الخلاق وعدد لا يحصى من الأفلام التي شكلت تاريخ السينما المجيد، وبعد سنوات قليلة ستمر هذه الأفلام عبر الأقمار الصناعية وربما ننسى وقتها تلك العيون الساهرة لعدد من الرجال وهم يقفون في سكون تام لساعات طويلة في تلك الغرفة الضيقة ويثيرون فينا الدهشة ويستحوذون على وجداننا. مات العم طلعت مثله مثل ألفريدو أو توتو ذلك الصقلي العنيد الذي كان يدير السينما الوحيدة في تلك البلدة الصقلية في (سينما باراديسو) وغاب بعد أن احترقت الصالة وافتقد رائحة آلات العرض، والضوء الذي يخترق قاعة السينما، وذلك الارتباط العاطفي لشريط السللولويد. إنه الحنين الذي لا يقاوم. شكرا عم طلعت على الذكريات الجميلة، إنها بالفعل نهاية حقبة غيرت وجه العالم حينما سجل جورج إيستمان براءة اختراعه معلنا هيمنة السينما لصناعة الترفيه، في الوقت نفسه تقريبا الذي اعتلت فيه الملكة فيكتوريا عرش إنجلترا، وافتتح فيه برج إيفل في باريس، وتأسست فيه شركة الكوكا كولا في أتلانتا. اسمه: طلعت محمد يوسف (1940–2013) من مواليد أسيوط، وسيرته الذاتية الغنية انحصرت كلها في تلك الغرفة المستقلة: ميكانيكي سينمائي بالهيئة العامة للسينما والمسرح– 4 شارع محمد عبدالجواد، ثم مشغل آلات عرض بشركة مصر للتوزيع وشركة قطر للسينما، ألقيت عليه نظرة أخيرة وهو يتحرك خلف آلات العرض القديمة وكأنه شاب يافع في فيلم (عبق الظلال) الذي حققه المخرج حافظ علي ويحتفي فيه بصالات السينما في قطر. وربما كان (العم طلعت) يحتاج لأن يلقي نظرة من تلك النافذة الصغيرة وعمود من الضوء الساطع يخترق القاعة وكأنه غبار، ولكن داهمه المرض القاتل، رحمه الله.