عاشت مارغريت تاتشر الأعوام الأخيرة من حياتها في الظل. فقد سيطر مرض الخرف الذي يصيب بعض الطاعنين في السن على تفكيرها الآخاذ وذاكرتها الرائعة، واضطرت بسبب ذلك إلى الانسحاب من الحياة العامة. كيف كان شكل الأعوام الأخيرة من حياة هذه المرأة التي غيّرت التاريخ الحديث لبريطانيا؟ صحة رئيسة الوزراء السابقة بدأت تتدهور نهاية التسعينات تقريباً، وبدأ زوجها دينيس يهتم بها فور ظهور العوارض الأولى التي تدل على خبو تفكيرها. ابنتها كارول لم تعترف إلا في عام 2008 في مذكراتها بأن والدتها تكافح مرض ألزهايمر، وبأن ذاكرتها لا تخدمها كما يجب. تتصارع مع الكلمات ومع ذاكرتها «كدتُ أقع عن مقعدي عندما رأيت كيف كانت تتصارع مع الكلمات ومع ذاكرتها، لم أتمكن من تصديق ذلك» كما كتبت كارول. «كانت في الخامسة والسبعين، ولكنني كنتُ أتعامل معها دائماً كامرأة غير طاعنة في السن، امرأة ستبقى هنا إلى الأبد، وشخص لا يمكن التسبب له بأذى»، كما وصفت كارول صدمتها. الصدمة كانت مضاعفة لأنها كانت تدرك جيداً أن والدتها كانت تتمتع بذاكرة آخاذة، ولكن الخرف سيطر عليها كلياً. وتضيف في مذكراتها التي نشرت مقتطفات منها الغارديان، أخيراً «كنا نقول أي شيء مرّة واحدة فقط لأنها كانت تحتفظ به فوراً في بنك ذاكرتها المثيرة للإعجاب، ولكنها، حالياً، تسأل الأسئلة نفسها بشكل متكرر ولا تدرك ذلك أبداً». الجلطات الدماغية كانت تنسى بشكل مستمر أن زوجها قد توفي. عام 2002، أصدرت تاتشر الجزء الثاني من مذكراتها، ولكن مباشرة بعد ذلك تعرضت لسلسلة من الجلطات الدماغية الخفيفة، فنصحها الأطباء بالتوقف عن الظهور في الحياة العامة. وألغت بالفعل جميع اجتماعاتها المحضرة مسبقاً، وأعلنت أنها ستنسحب من الحياة العامة. تدهور وضعها النفسي خلال 2003، عندما توفي زوجها بعد معاناة مع السرطان. تتذكر كارول أن الأمر كان رهيباً بالنسبة لوالدتها، لأنها كانت تنسى دائماً أنه قد توفي. «كنا نضطر إلى أن نقول لها ذلك الخبر السيئ بشكل مستمر، في نهاية الأمر أدركت تماماً أنها فقدت الزوج الذي عاشت معه أكثر من 50 عاماً، بعد ذلك نظرت إليّ، همست بشكل خافت، فاضطررت للإمساك بنفسي كي لا أنهار»، كما تذكّرت كارول. عودة متقطعة للذاكرة المرض المتقدم أصاب الذاكرة قصيرة الأمد بشكل خاص. خلال الأيام السيئة تحديداً لم تتمكن تاتشر من تذكّر حتى بداية الجملة التي كانت تستعد لإنهائها، ولكن عندما كانت صحتها تتحسن، كانت تعود إلى سابق عهدها كتلك السياسية الصلبة، وتتحدث عن الأعوام التي قضتها في مقر رئاسة الوزراء في شارع داونينغ رقم 10. فيلم «السيدة الحديدية» سيرة حياتها كانت مادة أساسية لفيلم «السيدة الحديدية» الذي صدر في 2011، ومثّلت دور البطولة فيه ميريل ستريب التي حصلت على مجموعة من الجوائز القيمة. «لقد تشرفت بإظهار الأعوام الأخيرة فقط من حياتها، عندما كانت قد انسحبت من الحياة السياسية، لدي صورة عامة فقط عن النضال الذي اضطرت لخوضه، أود أن أعبر عن تعازي الحارة والصادقة لعائلتها»، كما قالت ميريل ستريب، أخيراً. الاستماع إلى الموسيقى وزيارة فندق خلال الأعوام الأخيرة، عاشت تاتشر في منزل مكون من أربعة طوابق في حي بيلغرافيا، مع ممرضة وخادم ومجموعة من المساعدين. كانت تجلس غالباً في مقعدها وتستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية، وتشاهد في التلفاز برنامجها المفضل عن الأغاني المسيحية «سونغز أوف بريز»، وتتصفح الجرائد. أحياناً، كانت تزور فندقاً مجاوراً لتناول طعام الغداء، كما يزورها في مقرها بعض الأصدقاء المقربين جداً، مزيّنتها السابقة سينثيا كروفورد أو الناطق الصحافي باسم حكومتها السابقة سير بيرنارد إينغهام. في مارس 2012، نشرت صحيفة ميرور صوراً لتاتشر وهي تتنزه في إحدى الحدائق العامة في لندن، وكانت تلك على الأرجح آخر صور لها خارج المنزل. كانت تبدو في الصور أنيقة جداً، وكانت تراقب المحيط بشكل إيجابي، وتسير بمساعدة الممرضة. هنا كانت تعيش مع زوجها خلال العام الحالي، نشرت وسائل الإعلام خبراً أفادت فيه أن تاتشر خضعت لعملية في المثانة. بعد ذلك لجأت إلى فندق ريتز اللندني الفاخر، حيث كانت في السابق قد احتفلت مع زوجها دينيس بذكرى زواجهما الخمسين. وعاشت هنا في جو من الفخامة حتى يوم الإثنين، عندما تولّت جلطة دماغية إنهاء حياة هذه السياسية الكبيرة إلى الأبد.