في حديثنا في هذا الباب الأسبوع الماضي تساءلنا عما إذا كانت الساحة السودانية مهيأة حقيقة لحوار جاد وذي جدوى لحل الأزمة السودانية الشاملة مع حالة انعدام الثقة ومعطيات التجارب السابقة، وأشرنا إلى أننا قد نكون في حاجة (لحوار حول الحوار) حتى لو نجحنا في تبديد الشكوك حتى نتفق على أهداف الحوار ومراميه وآلياته ووسائل تنفيذ مخرجاته وضمانات ذلك التنفيذ. لكن الأحداث التي تسارعت خلال الأسبوع الماضي أثبتت أن كل التصريحات الرسمية التي صدرت للتبشير بالحوار لم تجد تجاوبا يذكر من أجهزة الدولة الأخرى، وظل النهج القابض وحصار الرأي الآخر هو سيد الموقف وكأنما كل دعاوى الحوار التي أطلقتها الحكومة لم تكن تهدف حقيقة إلى فتح الأبواب لمثل ذلك الحوار بل لإغلاقها بالضبة والمفتاح. حصار الإعلام ازداد حدة، مصادرة الصحف بعد طباعتها تزايدت وإجراءات الرقابة القبلية غير المعلنة تواصلت ومنع نشر الأخبار والتعلقيات ظل على ما هو عليه، وزاد الأمر صعوبة عندما أعطت السلطات نفسها الحق في فصل رؤساء التحرير بأمر منها ودون تشاور حتى مع أجهزة السلطة المسؤولة عن الإعلام، ما حدا بمجلس الصحافة أن يسجل احتجاجه الشديد عبر بيان رسمي ولكنه لم يجد حظه من النشر أيضا!! وكأنما الحكومة لم تكتف بحصار الرأي الآخر الذي صدر عن جماعات معارضة لها ولذلك سارعت بحصار الرأي الآخر حتى داخل صفوف حزبها عندما رأت أن تعفي رئيس كتلة الحزب في البرلمان والقيادي في صفوف الحزب الدكتور غازي عتباني من موقعه في رئاسة الكتلة البرلمانية عقابا على تصريحات اعتبرتها الحكومة تغريدا خارج السرب، والحزب الذي لا يستطيع أن يتحمل رأيا آخر من كبار قادته لا يمكن أن يكون جادا في دعاوى الحوار مع مخالفيه في الرأي لدرجة أن يتخذ قرارا بإعفاء الرجل من منصبه دون التشاور مع أعضاء الهيئة الذين انتخبوه وأولوه ثقتهم، وقد عبر الكثيرون عن هذا الرأي ولكننا لا نعتقد أن حركتهم الاحتجاجية ستصمد أمام ضغوط القيادة المصرة على فرض هذا الأمر الواقع. كل هذه الممارسات ترسل إشارة إلى القوى السياسية بألا تأخذ دعاوى الحوار مأخذ الجد؛ لأن الحزب الحاكم لو كان جادا في إدارة حوار راشد لفتح الأبواب وأزال القيود ورفع حالة الحصار المضروبة على الأحزاب وأتاح حرية التعبير في الإعلام، وما دامت كل تصرفاته منذ إعلان الدعوة للحوار قد سارت في الطريق المعاكس فلا بد أن يكون قد أراد أن يقول بالوضوح كله إنه لا يريد حوارا مجديا وإنما يريد ركابا في قطار السلطة التي لا يعرفون إلى أين تسير بهم، وقد فهم الكثيرون هذه الإشارة وباتوا على قناعة بأن الحوار تحت هذه الظروف لن يجدي نفعا. ولذلك لم أستغرب وأنا أشهد لقاءً تشاورياً دعا له حزب الأمة في داره هذا الأسبوع أن يكون الصوت الغالب لدى المتحدثين هو التشكيك في جدوى الحوار تحت هذه الظروف غير المواتية، وحتى الذين كانوا يؤملون في تحول في المواقف تجاه الحل الحواري بدأ الشك يتسرب إلى نفوسهم؛ لأن الواقع يشير إلى أن مفهوم الحزب الحاكم للحوار فيما يبدو لا يتجاوز البحث عن مؤيدين!! لا أتوقع تغييرا في المواقف إذا لم يحدث تغيير في موازين القوى على الأرض، والمعارضة مطالبة بأن تدرك هذه الحقيقة وأن تعي أنها ما لم تثبت وجودها في الساحة وتقوي اتصالاتها مع قواعدها وتمارس حراكها السياسي في كل المساحات المتاحة -على قلتها- فإنها لن تستطيع أن تكون عنصرا فاعلا في المعادلة السياسية، وأن الأمر يتطلب إعادة النظر في مناهجها وتبني قضايا الناس والاقتراب منهم وهم يعانون في حياتهم اليومية وفي معاشهم وتحت ظروف اقتصادية ضاغطة وهي القضايا التي لا تجد حتى الآن الاهتمام الذي تستحقه من قادة المعارضة. إن العمل السياسي الفوقي والتصريحات والبيانات الإنشائية التي لا تتعرض للقضايا الحياتية لن تجد تجاوبا من القواعد وهي تعيش أزمات الحياة اليومية، والسياسة ما عادت مجرد شعارات وخطب إنما هي التصاق بحياة الناس في القواعد والوقوف إلى جانبهم وهذا هو ما يخلق الوعي الذي يدفع باتجاه التغيير وعندما يتصاعد ذلك الوعي فهو الذي سيفرض الحوار وهو الذي سيفرض التغيير!!