نورا محمد (القاهرة) - ذنبي الوحيد في هذه الدنيا أنني كنت أكبر إخوتي وأخواتي السبع، فتحملت ما لا تطيق الجبال لا إحساس من الآخرين أو من أفنيت عمري وضحيت بكل حياتي من أجلهم، فقد خرجت إلى العمل مبكراً وأنا ما زلت تلميذاً بالمرحلة الإعدادية كي أساعد في تحمل أعباء الأسرة الثقيلة وأشقائي كلهم صغار ومطالبهم كثيرة وإمكانات أبي محدودة أو معدومة، فهو موظف بدرجة عامل في الحكومة وراتبه لا يكفي الخبز الجاف لكل هذه الأفواه واستمرت أحوالي على هذا المنوال عاماً بعد عام ورغم قسوة الظروف إلا أن أبي كان مصراً على أن نكمل جميعاً تعليمنا وكان يسميه «السلاح» الذي يجب أن نتسلح به في المستقبل وعلى حد تعبيره، فإنه كان يردد دائماً بأنه لا يملك ما يورثه لنا ويجب أن تكون الشهادات العلمية عدتنا وعتادنا. دخلنا مرحلة كفاح ضد الفقر ومصروفات التعليم والاحتياجات العامة التي كانت تتزايد كلما انتقلنا من عام دراسي إلى آخر ومن مرحلة إلى أخرى، تكبر معنا النفقات ولم يكن هناك من يتحمل ذلك إلا أنا وأبي حتى أضطررت إلى التوقف عن التعليم عند الثانوية العامة وعملت موظفاً في زمن كانت كل الشهادات لها قيمة وحينها لم يكن صعباً أن أحصل على وظيفة بتلك الشهادة وهذا ما شجعني على التوقف عند هذا الحد، بالإضافة إلى إمكانية استكمال التعليم لاحقاً أو أثناء العمل. الأمور تسير بنا يوماً بعد يوم بين شظف كثير ورخاء قليل غير أن ميزتنا أننا لا نتصرف إلا في حدود إمكاناتنا وهذا كان منبعه الرضا بما نحن فيه، لكن عرفت أنا وأبي طريق القروض والاستدانة واللجوء إلى أصحاب الشركات الذين يبيعون بالأجل بعدما تمت خطبة أختي أكبر واحدة من البنات وتبعتها الثانية ثم الثالثة في أوقات متلاحقة لا نكاد نلتقط أنفاسنا من الديون التي قبلها وتتداخل المديونيات في بعضها، لكن ما يجعلنا مضطرين، لذلك أن المتقدمين لأخواتي مناسبون جداً وكلهم من الشباب المتميزين وكنا حريصين على تزويج البنات في الوقت المناسب مهما كلفنا ذلك من أعباء ولا نجعل المال سبباً في عرقلة هذا الأمر. لم يبق من البنات إلا صغراهن وما زلت طالبة في الثانوية العامة وأمامها أربع سنوات في الجامعة حتى تتزوج، لذا أمامنا فرصة لأن أتزوج أنا فقد بلغت التاسعة والعشرين ويلحقني أخواي في العمر قبل أن يفوتنا قطار الزواج استأجرت شقة بجوار شقة أبي لا يفصل بينهما إلا أمتار معدودة وقد كانت سعادتي كبيرة بهذه الميزة وأنني ما زلت قريباً من عائلتي ولن أبتعد عنها وسنظل قريبين ولا نتفرق. تزوجت فتاة من أسرة طيبة ساهمت معي في تكاليف العرس والأثاث ولحسن الحظ أنها كانت موظفة وساعدتني على أعباء الحياة الزوجية فيتبقى من راتبي ومن عملي مبلغ لا بأس به أساعد به عائلتي، وخاصة في سداد الديون، لكن ما حدث كان أكبر مني فقد توفي أبي بعد أسبوع واحد من المرض وانتقل إلى جوار ربه وشعرت بأنني انكشف عني الغطاء وباليتم مع هذه السن فمهما كانت متاعبي فقد كان هو الذي يتحمل المسؤولية ولم يجعلني يوما أشعر بضيق ويحاول أن يخفف عني وأصبحت الآن وحيداً في المواجهة وأمامي مهام ثقال. لم يكن أمامي اختيار وتحملت مسؤولية الجميع من الألف إلى الياء وتزوج أخي الذي يليني ثم أختي ثم الأخ الأصغر، ولكن ذلك بالقروض والديون فلو أننا انتظرنا إلى أن ندخر المبالغ المطلوبة للزواج ما تزوج أي منا ونحن في تلك الظروف ولا نملك عقاراً ولا أرضاً كي نبيعها كنت حريصاً على أن يظل بيت أبي مفتوحاً وبيت العائلة للجميع وأن تكون لأمي كلمتها وأقضي معها معظم الوقت، وكثيراً ما نبيت أنا وزوجتي عندها كي لا نتركها وحدها، ويسعدني هذا الكنز من سيل الدعوات التي تدعوها لي باستمرار ليل نهار خاصة في الفجر ودبر كل صلاة، وقد كان لذلك أثره فبرغم الديون التي تكبلني والأعباء التي تثقل كاهلي كنت أشعر بالرضا ولا يصيبني الهم والغم مثل الكثير من الناس. ... المزيد