عزل النائب العام في مصر وتبعاتهاخطأ كثيرون داخل مصر وخارجها، في تقييم شخصية الرئيس المصري محمد مرسي، وقدراته الشخصية في التعاطي مع الازمات، حتى ان البعض اغرق في السخرية، واطلاق النعوت المهينة عليه لانه لم يكن الخيار الاول لحركة الاخوان المسلمين لخوض الانتخابات الرئاسية، وها هو يؤكد هذا الخطأ المرة تلو الاخرى ويفاجئ خصومه قبل مؤيديه باتخاذ مواقف تكشف عن قوة وصلابة في اتخاذ القرارات الصعبة. بالامس مارس الرئيس مرسي صلاحياته، واصدر مرسوما دستوريا جديدا يتضمن سبع مواد شملت اقالة النائب العام واعادة محاكمات رموز النظام السابق والمتهمين بقتل المتظاهرين تأييدا للثورة من جانب كل من تولى منصبا خلال حكم النظام السابق برئاسة حسني مبارك، وان تكون قرارات رئيس الجمهورية منذ توليه السلطة نهائية ونافذة ومحصنة ولا يجوز الطعن فيها بأي شكل وامام اي جهة. من المؤكد ان هذه الاعلانات والمراسيم الجمهورية ستخلق حالة من الجدل في اوساط النخبة السياسية المصرية حول مدى دستوريتها، خاصة تلك المتعلقة باقالة النائب العام الذي تحدى قرارا سابقا باقالته لعدم دستوريته وحظي موقفه هذا بدعم المجلس الاعلى للقضاء. الدكتور محمد البرادعي الرئيس السابق لهيئة الطاقة الذرية وزعيم حزب الدستور المصري اعتبر مراسيم الرئيس مرسي الجديدة بانها غير دستورية، وديكتاتورية النزعة، ووصفه اي الرئيس مرسي، بانه فرعون مصر الجديد. ولا بد ان بعض قادة الاحزاب الليبرالية والعلمانية الى جانب مؤيدي النظام السابق يحملون آراء مشابهة لتلك التي يحملها الدكتور البرادعي نفسه، ويتضح ذلك من دعمهم للنائب العام المتمرد وتحديه لقرار الرئيس بعزله من منصبه. في المقابل لا نستغرب اذا ما حظيت بعض هذه المراسيم، وخاصة الشق المتعلق منها باعادة محاكمة قادة الشرطة في زمن الرئيس مبارك الذين تورطوا في قتل المتظاهرين وبرأهم النائب العام المقال لنقص الادلة، بتأييد شعبي واسع. فتبرئة هؤلاء الضباط اثارت حالة من الغضب الشديد في اوساط الرأي العام المصري، الذي يعتقد ان قرار التبرئة هذا يؤكد فساد القضاء، واستمرار حكم النظام السابق واجهزته الامنية والقضائية في مرحلة ما بعد الثورة. الرئيس مرسي مهد لصدور هذه المراسيم بالقول على حسابه على موقع 'تويتر' مساء امس ان كل ما يتخذه من قرارات يأتي انتصارا لثورة 25 يناير، وانحيازا لاهدافها. وما زال من غير المعروف ما اذا كان المدعي العام الجديد المستشار طلعت ابراهيم محمد في حال تنفيذ قرار تعيينه سيطلب اعادة محاكمة الرئيس مبارك وابنائه وبعض الحيتان الكبار في نظامه، ام ان اعادة المحاكمة ستقتصر فقط على ضباط الشرطة الكبار الذين برأتهم المحكمة؟ الدكتور سيف عبد الفتاح احد مستشاري الرئيس مرسي لمح الى احتمال اعادة محاكمة الرئيس مبارك عندما قال 'سوف يعلن عن قانون شامل لتحقيق مطالب الثورة، وان احد افرع هذا القانون سيتعلق بمحاكمات ثورية لقتلة الشهداء ولرموز نظام مبارك'. الرئيس مرسي، ومثلما اثبتت اشهره المعدودة في قمة السلطة، ينحني امام العاصفة، ويبلع الاهانة، ولكنه لا ينسى، ويضرب ضربته في الوقت المناسب، فقد اقال المجلس العسكري في خطوة اعتقد الكثيرون انه اقوى منه، ولا يجرؤ على اقالته وعزل رئيسه المشير طنطاوي الذي حل البرلمان واستولى على سلطاته التشريعية وكان ينظر اليه على انه الرجل الاقوى في مصر. وها هو وبعد اشهر من اهانته من قبل مجلس القضاء، وتراجعه عن قرار اقالة المدعي العام، يعيد اصدار قرار عزله، باستخدام صلاحياته الدستورية كرئيس للدولة. ولن يتوقف الامر عند هذا فقد يقيل جميع القضاة الكبار الذين وقفوا في وجهه وايدوا النائب العام المتمرد. خطوة ذكية محسوبة بعناية اقدم عليها الرئيس مرسي، ولكنها محفوفة بالمخاطر، لان حجم معارضة النخبة السياسية العلمانية والليبرالية يتزايد. ما يطمئن الرئيس مرسي في المقابل مساندة الحركتين الاخوانية والسلفية له، وقطاع عريض من الشعب الذي شعر بالاهانة لعدم الثأر من قتلة شهدائه، وما نزول الآلاف الى الشوارع ابتهاجا لقرار اقالة النائب العام الا احد اوجه التعبير عن هذا التأييد.