شهدت تونس مؤتمرا لتحقيق المصالحة الوطنية بين العلمانيين والإسلاميين من خلال مناقشة المرجعيات في الفكر الإسلامي. فعلي مدي ثلاثة أيام اجتمع باحثون من مصر وتونس والجزائر والمغرب والسعودية بجامعة القيروان لمناقشة الفكر الإسلامي المعاصر في ظل التحولات والتباينات المذهبية والإيديولوجية التي يموج بها العالم اليوم, وفي هذا الإطار ناقشوا مسألة إقصاء التراث واستحضار التأويل وكيفية التحول من أيديولوجيا الثنائيات إلي الوعي التاريخي والإصلاحي. وقد عقدت في اليوم الختامي جلستان علميتان خصصتا لدراسة محور جدل المرجعيات تم خلالهما طرح موضوع تحرير المرجعية العقلانية من العلمانية ومناقشة رسائل محمد بن عبد الوهاب وردود علماء تونس عليها ومسألة جدل التعارض بين مرجعية العقل والنقل والانتقال إلي التأسيس الإيماني للعقل بحثا عن حداثة إسلامية ومتصلة. وحول ما دار في هذا المؤتمر الذي تزامن مع تصاعد المطالبات بتطبيق الشريعة وظهور أكثر من تفسير وتعريف للحلال والحرام وما يتفق مع الإسلام وما يعد خروجا عليه ومطالبة بعض التيارات بتأكيد أنماط التعايش القائم علي التعددية والتنوع في إطار من المساواة والعدالة وحق المواطنة للمصريين كافة كان هذا الحوار مع المفكر د. محمد عثمان الخشت أستاذ الأديان بكلية الآداب- جامعة القاهرة والباحث في الإسلام السياسي. في كلمته أمام المؤتمر أشار د. الخشت إلي ضرورة حل الصراع بين الفرقاء موضحا أن الإسلام دين مقاصد ومصالح, مؤكدا ضرورة التفرقة بين المصادر والمرجعيات وبين الثابت والمتغير وبين ما هو الهي وما هو بشري نسبي, وأن الصراع الفكري والسياسي صراع مرجعيات. في البداية طلبت منه توضيح ما جاء بالكلمة والفرق بين المصادر والمرجعيات فقال تختلف المرجعية عن المصدر. ففي الفكر الإسلامي المصادر الأساسية هي القرآن والسنة وهما مقدسان, لكن المرجعية تتشكل بحسب التأويل والفصل والمذهب وتتأثر بالأوضاع الاجتماعية والتاريخية وبالتالي فهي نسبية وليست مطلقة وعلوية مثل المصادر فالمرجعية متحركة وقابلة للإضافة باعتبار الزمان والمكان وبالتالي لابد وأن يتم التفريق بين النص وفهمنا له.. ثم استشهد د. الخشت بما جاء علي لسان كل من د. عبد الجليل سالم رئيس جامعة الزيتونة ود. محمد الحبيب العلاني مدير مركز الدراسات الإسلامية بالقيروان المنظم للمؤتمر اللذين أشارا إلي أن الثقافة الإسلامية عامل توحيد وإن اختلفت الرؤي والتيارات السياسية وأنظمة الحكم وأن هذه المراجعات باتت ضرورة في ظل الحراك الفكري والسياسي الذي تشهده المجتمعات العربية وظهور بعض التيارات الفكرية التي تظن أنها وحدها المخولة بالحديث باسم الإسلام في حين أنه لا يمكن لأحد أن يدعي احتكار الفهم المطلق للإسلام. في نبرة متشككة سألته عن امكانية تبني هذا الطرح في ظل أجواء التكفير والعداء والصراع حتي بين أنصار التيار الواحد فقال إن أسباب العداء بين العلمانيين والإسلاميين تتلخص في تسيد ثقافة الأخوة الأعداء علي الساحتين السياسية والشعبية فاليوم نعيش ثقافة الغضب التي تتجلي سماتها في روح القبلية والعصبية والاستئثار وتغليب الحزبية والفئوية والمصالح الشخصية فضلا عن سياسة الاستقواء والغلبة والتمكين. وأضاف قائلا إذا فرق المسلمون بين المصادر والمرجعيات وفهموا ما هو بشري متغير وما هو إلهي ثابت يمكن حل الصراع بين الفرقاء وقبول البعض بالبعض الآخر. وفي سياق الحديث أشار د. الخشت إلي استدعاء لحظات بعينها في التاريخ الإسلامي وتجاهل أخري. سألته التوضيح فأجاب في اعتقادي أن أحد أسباب فشلنا هو اختيار لحظة لا تلائمنا من تاريخ الإسلام حيث ان اللحظة التي يتم فيها استدعاء الإسلام الآن هي لحظة أبي بكر الصديق لحظة حروب الردة والصراع والانشقاق, من هنا تخندق الجميع حول مصالح شخصية أو حزبية أو فئوية والنتيجة وهي خسارة مصر وخسارة الجميع. أما البديل الذي يطرحه د. الخشت فيشير إليه قائلا في المقابل أطالب باستعادة لحظة المصالحة والمشاركة بين الجميع وهي لحظة الرسول, في بناء الدولة عندما دخل المدينة, في مصالحته بين العدوين اللدودين: الأوس والخزرج. فالمصالحة كانت هي الخطوة الأولي, بين المهاجرين والأنصار والمسلمين واليهود والمسيحيين هذا ما حدث عند توقيع أول دستور في التاريخ أعني صحيفة المدينة حيث النص علي أن الجميع أمة واحدة. فلقد نصت صحيفة المدينة علي أن المسلمين وغيرهم من أهل المدينة يشكلون أمة واحدة وفي إطار هذه الأمة الواحدة لكل طائفة حرية الاعتقاد وحق الملكية وحق الحماية وحق المراقبة والمساءلة وإبداء الرأي. في المدينةالمنورة لم تحدد العلاقات علي أساس القهر كما هو سائد في المجتمعات القبلية أو الأبوية أو الطبقية وإنما تحددت العلاقات علي أساس عقد اجتماعي. طلبت الإيضاح فقال صحيفة المدينة تعد شكلا متقدما من أنماط التعايش القائم علي التعددية والتنوع في إطار من المساواة والعدالة وحق المواطنة الكاملة لأهل الطوائف غير الاسلامية الذين يعيشون في إطار المجتمع الإسلامي دون أي نوع من التمييز, فالحقوق التي يقدمها العقد الاجتماعي في صحيفة المدينة هي حفظ الدماء والأموال وحماية الحياة الشخصية والحرمات وحرية العقيدة والمواطنة والمساواة والإدارة السلمية والتعددية وإعمال القوانين الخاصة بكل ملة في الشئون الدينية والأحوال الشخصية. فالمجتمع قام علي أساس من عقد اجتماعي تقوم اسسه علي الحق في الحياة وحرية الاعتقاد وحق الملكية وحفظ النفس والحرمات وهي حقوق تولد مع الإنسان ولا يحق لأي إنسان آخر سحبها منه, ومن ثم فهي ليست موضعا للجدل أو التفاوض. وفي علم الفقه اللاحق تم التعبير عنها بالضرورات الخمس: النفس والدين والمال والعرض والعقل. استزدته في الحديث عن أول دستور في التاريخ فقال صحيفة المدينة ليست صحيفة حقوق فقط بل صحيفة واجبات أيضا. قال ابن إسحاق: وكتب رسول الله كتابا بين المهاجرين والأنصار دعا فيه يهودا وعاهدهم وأقرهم علي دينهم وأموالهم واشترط عليهم واجبات مثل واجب الدفاع المشترك والتضامن الاجتماعي والالتزام بقوانين الدولة ولا يوجد في هذا العقد ما يسمي بالحق الإلهي للملوك والحكام لأن الله خلق الناس سواسية والله خلق الإنسان حرا وأعطاه العقل القادر علي التمييز ومنحه الإرادة والقدرة علي الاختيار. هكذا كانت لحظة بناء الدولة.. لكن أين منا الآن من كل مراجعات العلماء والفقهاء وضبط النص بالفهم وأصول الفقه وفقه الأولويات والمآلات والعواقب والقياس, ومما جاء من صحيفة المدينة: أول دساتير التاريخ؟!. [email protected]