في لقاء جمعني خلال الأيام الماضية ببعض أعضاء المجالس البلدية بإحدى المحافظات، كنت قد أطلقت العنان لخيالي أنني سأظفر بتقارير موثقة عن أنشطة ذلك المجلس ومسيرته خلال عامين من انتخابه، سواء من حيث المقترحات، أو من حيث متابعة الأداء لخطة البلدية ومشروعاتها التنموية بتلك المحافظة، بيد أنني لمست أن الحوار يدور حول عموميات وأمنيات، وأن ما لديهم من معلومات عن المشروعات البلدية ربما لا يتعدى معلومات المواطن العادي، قلت في قرارة نفسي إن استنتاجي هذا قد خانني ولا بد أن أتقصى مجدداً، وأحاول التعمق في الحوار، لعلي أصل إلى معطيات تغير من هذا الاستنتاج المؤلم، أتت قاصمة الظهر عندما أسر لي أحدهم بأن أعضاء المجالس البلدية ممنوعون من التصريح لوسائل الإعلام إلا عن طريق وزارة الشؤون البلدية والقروية! سألته بمرارة: إذن أنتم موظفون لدى وزارة الشؤون البلدية والقروية ليس إلا، قال يا رجل باقي لنا عامين نريدها تعدي! سألته مجدداً: وماذا عن تلك الوعود الانتخابية، وماذا عن تلك الأماني التي علقها عليكم ناخبوكم، وماذا.. وماذا؟ ذلك اللقاء أشعل في فكري كثيراً من الأسئلة، ما الجدوى إذن من تلك المجالس طالما أنها خاضعة للبلديات، ولماذا النصف المعين، وكيف سيراقبون أداء البلدية وهم مرشحون ومعينون من قبلها، بل ويتم الانتخاب والفرز وإعلان النتائج من قبل البلدية! لماذا حُرفت مقاصد ولي الأمر ونظم الدولة بلوائح إدارية يقال عنها إنها تفسيرية، تخرجها عن الأهداف السامية التي سنت من أجلها، لماذا كثير من الوزارات أعطت لنفسها حق الوصاية المطلقة في إصدار النظم من خلال التعاميم الداخلية واللوائح التفسيرية التي قد تتعارض مع ما صدر في مشروع النظام من المقام السامي، بينما دورها هو التنفيذ النصي لها، ولعل منع وتقييد عمل أعضاء المجالس البلدية مثال حي لمثل ذلك، فكيف للمجالس البلدية أن تراقب عمل البلدية وهي تحت سلطة وزارة البلديات، وكيف أحدث التغيير في آلية عمل المجالس وقد أتت مهامه في المادة الثانية (أ) بممارسة سلطة التقرير والمراقبة وأتت مهام رئيس البلدية في الفقرة (ب) بالتنفيذ. إن آلية عمل المجالس البلدية بشكلها المطبق حالياً، وتبعيتها للبلديات، قد تشكك في قدرة المجلس في القيام بواجباته، وتحقيق الأهداف التي أوجد من أجلها، ويجعل مهامهم أقرب إلى مهام أقسام المراجعة الداخلية للبلدية بدلاً من أن يكونوا ممثلين لمن انتخبهم، وطالما واقع الحال ما ذكر، فمن يا ترى يراقب من؟