تراجع شكل الارتباط الوجداني بحضرموت عند أبناءها من تجار اليوم قياساً بتجار الأمس لصالح اللهث وراء الكسب قُدر لي مؤخراً زيارة مدينة عدن رمز الصمود والثبات الجنوبي وهي المدينة التي شاع اسمها في الماضي والحاضر وكانت ولا زالت مطمع الطامعين ولكنها مع ذلك تمتلك النفس الطويل في النضال بفضل ثبات وجسارة أبنائها تلك الجسارة التي أصلتها فيهم عدن بوصفها عنوان الصمود على مر التاريخ وكانت المدينة حتى وقت قريب قبلة للأحرار العرب الذين تناسوا جميلها للأسف حين جار عليها الزمن ولكن مع ذلك لم ولن تنكسر إنشاء الله وكم عز علي حين دخلتها وهي لا زالت تحت الأسر مثلها مثل باقي مناطق الجنوب التي عاث فيها المحتل فساداً وتشوهاً كي يدمر مكانتها وهو الأمر الذي ولد عندي خليط من المشاعر اختلط فيها الفرح بالألم .. الفرح برؤية أم اليتامى حضن الجنوب الدافئ والألم لما أصابها من بلاء ممن يسعون إلى إطفاء جذوتها وهي تأبى بكل كبرياء معلنة بأنها أم الجنوب وسأبقى كذلك ومع ذلك لدي إحساس و أمل كبيرين بأنني سأزورها في قادم الأيام إنشاء الله وقد تحررت من المحتل اليمني وعادت طليقة وحرة كما كانت وفي سياق زيارتي القصيرة لأحد مدنها الجديدة التي شيدها أبناء الجنوب شدني روعة البناء وجمال المباني من حيث التصميم مما يحسسك بفارق الزمن إذا ما قورن بما يشيد في مدينة المكلا وما زاد من استغرابي أن من بين من عمروا هنالك هم من أبناء حضرموت . وهو ما يضع سؤالاً لماذا لم يبني الميسورون الحضارمة مثل تلك المباني في حضرموت ؟ مع ما عًرف عن أبناء حضرموت ميلهم الدائم نحو أبراز مدنهم أملاً في المباهاة مع المدن الأخرى . وكانوا فيما مضى يجمعون الأموال من عرائس المدن في المهاجر ويأتون بها إلى حضرموت للاستثمار بل وجلبوا معهم حتى تقاليد فنون العمارة من مناطق المهجر لتوطينها في حضرموت وربما يوحي الأمر إلى تراجع شكل الارتباط الوجداني بحضرموت عند أبناءها من تجار اليوم قياساً بتجار الأمس . إذ أصبح اللهث وراء الكسب هو الشغل الشاغل ولم يعد رفعة حضرموت وإبرازها أمر يعني كثيراً منهم كما كان الأمر عند تجار الأمس إلا قليلاً فقط والمفارقة الغربية أن ترى النقيض حتى على المستوى الرسمي فإعلامنا المحلي مثلاً يسلط بكثافة على دور السلطة المحلية في نهضة حضرموت كما حدث عند قيام محافظ المحافظة ومعه نائبه الأمين العام وجمع من التجار ورافقهم أيضاً مجموعة من المتسولين عفواً المسؤلين بافتتاح محلات تجارية متواضعة وتناسوا زيارة طفح المجاري الآسنة التي تقع بالقرب منهم وهي الأولى بالزيارة لأنها هي ما تهم الناس وليس محل تجاري خاص لا هم لصاحبه إلا الربح ثم كيف سنحقق نهضة جمالية ونحن لم نتقن أسس الجماليات الأولى وهي تنظيف شوارعنا من الزبالات وطفح المجاري وهي وظيفة السلطة المحلية لأنها تجبي رسوماً شهرياً من المواطنين مقابل قيامها بتلك المهمة . أما هناك فقد جرى كل ذلك البنيان الفاخر من دون ضجيج وهو ما يفاجئك عند الزيارة فهل نقتفي أثرهم ؟ هذا جزء مما آل إليه أمرنا في حضرموت لأننا ما قدرنا تاريخنا حق قدره حتى نضع أنفسنا في المكان الذي يليق بنا ويرجع الأمر إلى مجموعة من الأسباب لا مجال لتناولها هنا ولذا تروني اندفع بحدة عند الكتابة ولكن ليس من باب جلد الذات كما قد يفهم البعض ولكن من باب إثارة كوامن القوة في دواخلنا وجعلها تعود كما كانت فيما مضى من الزمان حين أنشغل أبناؤها برفعتها لأنها عنوان هويتهم .