يكثر المصلون في أول أيام رمضان وما أن تنقضي هذا الأيام حتى تتناقص الأعداد ويقلّ المصلون، ومع انقضاء الأيام يستمر العدد بالتناقص ولكن عند ما تحلّ ليلة 27 تجد أن المساجد تكاد تغص بالمصلين وما أن تنقضي تلك الليلة حتى يختفي هؤلاء المصلون مرة أخرى لاعتقادهم أن هذه الليلة هي ليلة القدر لذلك يهملون بقية الليالي دون قيام أو اجتهاد في العبادة. مزيّة خاصة - قال عضو الجمعية الفقهية السعودية الدكتور حمود بن محسن الدعجاني: إن العشر الأواخر من رمضان لها مزيّة خاصة؛ فقد كان يخصها صلى الله عليه وسلم بمزيد عناية واجتهاد في العبادة ما لا يفعله في العشرين الأول من رمضان فقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره. وثبت أنه كان عليه الصلاة والسلام «إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله، وجدّ وشدّ المئزر»، ومعنى شدّ المئزر كناية عن اعتزال النساء والجد والاجتهاد والتشمير في العبادة، وهكذا كان الصحابة يعظمون هذه العشر ويجتهدون فيها بأنواع العبادات كالصلاة والصدقة والذكر وقراءة القرآن والاعتكاف؛ فعلى المسلم أن يتأسى بنبيه عليه الصلاة والسلام وبأصحابه الكرام حتى ينال الثواب العظيم الذي أعده الله لمن صام رمضان وقامه إيمانًا واحتسابًا.وأضاف الدعجاني: يستحب في هذه العشر الإكثار من أنواع العبادات ومن ذلك إحياء هذه العشر بقيام الليل إيمانًا واحتسابًا؛ فيصلي ما كتب الله له مع الخشوع والتدبر، وصلاة الليل هي أفضل الصلوات بعد المفروضة كما ثبت ذلك عنه عليه الصلاة والسلام. ويستحب أيضًا الإكثار من تلاوة القرآن الكريم مع العناية بالتدبر ومدارسته مع إخوانه، والليل أفضل من النهار في المدارسة. وأردف الدعجاني: مما يستحب أيضًا اعتكاف هذه العشر أو ما تيسّر منها تأسيًا به صلى الله عليه وسلم ومن الملاحظ أن بعض الناس يتكاسل عن قيام هذه العشر ويكتفي بقيام ليلة السابع والعشرين وهذا حرَمَ نفسه خيراً كثيراً لأن ليلة القدر قد لا تكون في السابع والعشرين وأيضاً فاته أجر قيام رمضان كاملاً كما قال صلى الله عليه وسلم « من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ماتقدم من ذنبه» والذي اكتفى بالقيام ليلة السابع والعشرين قام بعض رمضان ولم يقم رمضان كاملاً فلا يدخل في الحديث مع أنه مأجور عن الليالي التي قامها . التناقض مع الفرحة بالشهر - من جانبه قال الداعية الشيخ ناصر العبيد: إن هناك موضوعات كثيرة طرحت ولا تزال تطرح في كل سنة من رمضان ومن ضمن هذه الموضوعات ما يتعلق بقلة المصلين في هذا الشهر و الذين يفترون من أول أيامه، وهذا يتناقض بكل المقايس مع تلك الفرحة التي يعبر عنها الكثير من الناس لدخول رمضان، ما السر في هذا التناقض؟ وما ذلك الشيء الذي غلبت قوته قوة الإيمان لدى الصوام لدرجة أن الكثير يفتر عن بيوت الله، في أمور لا طائل منها بل ربما معصية في حقيقتها. مبينا أن هذا ملاحظ في طبقات الناس جميعا الكبير والصغير الرجال والنساء، المشغول وحتى غير المشغول، مما يدل على أن القضية تعود للإيمانيات التي اهتزت عند الكثير منا حتى أننا نراه يزداد سنة بعد سنة، فتلك المساجد التي كانت تكتظ عندنا وعند غيرنا، اصبحت تتناقص أعداد المصلين عما كان قبل. وأشار العبيد إلى أن لنقص المصلين في العشر الأواخر أسبابا عدة منها: أن الكثير لم يفهم معنى مضاعفة الأجر وثمن الزمان ولذلك أكبر حد في همته العشر الأول أو الأخيرة . وكذلك أن البعض غلب عليه عبادة العادة وليس العبادة بمعناها الحقيقي فهو وراء الناس بهذا وذاك، فإن صلوا صلى وإن لم يصلوا لم يصل وهذا تكتشفه في أغلب من يسافر إلى الخارج إذ تجد أن كثيرا منهم يقول لك كنا في سفر ولم نصل، ويبدأ يتحجج بأنه لم يجد مساجد يصلي فيها، رغم أنه زار في سفره هذا متحفا أو كهفا أثريا في بلدة أخرى كان السياح يزورونه. وتابع العبيد: أن من الأسباب أيضا الملهيات التي كثرت وتنوعت وفتنت الناس بكافة طوائفهم ما بين وسائل إعلامية، ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها حتى أصبحنا نرى تأخرهم عن الفروض والنوافل، ولذلك أناشد الجميع بأن يوقفوا هذا البلاء في رمضان وخاصة العشر الأواخر أو على أقل تقدير أن يقلل منها ولا يشغل الآخرين من معارفه وزملائه. بالإضافة إلى الأسواق التي أشغلت النساء بحجة الاستعداد للعيد وأشغلن الأزواج معهن وهذا سبب كبير لتخلف الكثير، ولذلك أهيب بالجميع بأن الذي لم يصل مع الناس أن يصلي ببيته إذا رجع ولو الشفع والوتر، ويكثر من ذكر الله وقراءة القرآن وهو في السوق وهو يسوق ويتنقل حتى يعوض هذا عن ذاك. وكذلك من الأمور التي جعلت الناس تتناقص في مساجدنا كثرتها وكثرة القراء، فسابقا كانت المساجد المعروفة بكبرها وفخامتها محدودة، وكذلك القراء كانوا محدودين، أما اليوم فكثرت هنا وهناك مما جعل الناس أشتاتا فيها. إهمال النوافل - من جهته يرى الداعية المعروف الشيخ محمد بن سرار اليامي أن المحروم من حُرم بركة هذا الشهر الفضيل وخاصة ليلة القدر، فقد قال الله تعالى (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)، وفي الأثر (إنما يوفى العامل أجره عند تمام شغله...)، فكيف برب العالمين؟ وللأسف أن من المسلمين من يتركون النوافل في هذا الشهر الفضيل وفي الأثر النافلة فيه بفريضة، فكم حرم هؤلاء أنفسهم من الخير العميم من هذه النفحات العظيمة. وأردف اليامي أنه رغم هذا الأمر كله فإنه على ثقة من أن شباب الأمة وفتياتها فيهم خير كثير، ما يجعلهم يحرصون على ليالي الشهر الكريم، ولو حرصوا عليها كلها لحصلوا الفضل والأجر، ولذا فأهيب بنفسي وإخواني وأخواتي بأن يحرصوا على نوافلهم فهي الدرع الواقي لحفظ الفرائض والتمسك بدينهم الصحيح. مكانة عظيمة - كما أشار الداعية المعروف الشيخ خلوفة الأحمري إلى أن من القضايا التي يجب أن يهتم لها المسلمون أن لتعاليم الإسلام مصدرين أساسين في التلقي والأخذ القرآن وسنة النبي الكريم، فمن المعلوم أن ليلة القدر لها مكانة عظيمة ومنزلة جليلة، ولقد أنزل الله في فضلها قرآنا يتلى إلى يوم القيامة. زاد الأحمري أن الرسول صلى الله عليه وسلم حث على تحريها في العشر الأواخر وهي في الأوتار أقرب، كما أن الرسول الكريم أخبر عن بعض أماراتها من باب التسلية للمؤمنين وتطمين قلوبهم بفضل الله عليهم. أضاف الأحمري أنه للأسف أن كثيرا من الناس يعتقد أنها لا تكون إلا في ليلة سبع وعشرين ويهملون بقية الليالي اعتقادا منهم بهذا الأمر والصحيح أنه خلال الأعوام الماضية لم تكن في هذه الليلة إلا مرة أو مرتين حسب كلام أهل العلم، أما الركون إلى الكسل والدعة والاتكاء على هذا الأمر فلا يجوز فعلى العبد أن يجتهد في هذه العشر التي لاتأتى إلا مرة واحدة في السنة فلابد أن تترك الأشغال والأعمال و الأسواق مقابل أن يغفر لك الله في هذه الليلة وتكون من عتقائه من النار. المزيد من الصور :