يقول: لا تسألني ماذا قدمتُ للوطن، بل ماذا قدمَ لي الوطن! بحسب التعريفات الشائعة، فإن الوطن هو مسقط رأس الشخص، أو الأرض التي اختار الشخص أن يعيش فيها؛ وبذلك يسمى مواطناً في ذلك الوطن. هذا التعريف يفرق بين المواطن والوطن، ويرى أن الوطن عبارة عن الحيز الجغرافي الذي يعيش فيه الإنسان. وبحسب هذا التعريف، فإن من سألني يطلب من قطعة جماد أن تقدم له شيئاً! وهذا غير معقول؛ فالجماد لا يضر، ولا ينفع. إن مفهوم الوطن أكبر وأعم من كونه مساحة جغرافية فقط؛ فهو يتكون من عنصر مهم جداً، هو الذي يؤثر إيجاباً وسلباً، هو الإنسان. فأي أرض بلا أناس يعمرونها ليست وطناً لأحد. إن كل فرد من أفراد المجتمع هو قطعة من الوطن، وعضو فيه. وكل فرد فيه مساوٍ للفرد الآخر، ولكل فرد فيه الحق كما الفرد الآخر؛ فلا يوجد فرد أكبر من فرد. الوطن عبارة عن مجموعة أعضاء يتكاملون ويتكاتفون، فإما أن تأخذه للأعلى أو للأسفل. الوطن أنا وأنت وهو وهي، الطالب والمعلم، الرئيس والمرؤوس، الصغير والكبير. في الوطن لا وجود لشخصية السيد المسؤول، بل الكل فيه هو السيد المسؤول؛ فعامل النظافة فيه مسؤول، والطبيب مسؤول، والمعلم مسؤول، والوزير مسؤول، والأمير مسؤول.. هي مسؤوليات متعددة متكاملة مترابطة؛ فكل فرد فيهم يحتاج للآخرين، وكل فرد فيهم عليه واجبات تجاه الآخرين. الكل متساوون، لكن حجم مسؤولية كل واحد فيهم تقاس بحجم تأثير ذلك الفرد. فتأثير الوزير ليس كتأثير سائق الباص. بذلك فإن سؤال: ماذا قدم لنا الوطن؟ يعني: ماذا قدمنا نحن المواطنون جميعاً لأنفسنا؟ إخلاص كل منا في عمله وفهمه ووعيه بأن هذا العمل يعود عليه، إما بالخير أو الشر، أمرٌ مهم. فإن أحسن كل مسؤول في التعليم في عمله فإن الوطن سيقدم تعليماً نفخر به، وإن قدَّم كل مسؤول في الصحة الأفضل في مكان عمله فسترتقي الرعاية الصحية في الوطن، وإن أخلص كل فرد فيما يقوم به فسيقدم لنا الوطن الكثير.. الوطن نحن من يصنعه؛ فلنصنع الوطن الذي نريد.