د. إبراهيم عباس ليس من المبالغة القول إن القرار السعودي برفض العضوية غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي جاء بمثابة صدمة للمجتمع الدولي جعلته يفيق على حقيقة ظل يتجاهلها عشرات السنين، عندما نبّه العالم كله بأن مجلس الأمن الدولي لا يقوم بواجباته، وتحمّل مسؤولياته في حفظ الأمن والسلم الدوليين من خلال آلية عمله، وسياسة ازدواجية المعايير التي يطبقها في التعامل مع القضايا والمشكلات الدولية، بما أدّى إلى اتساع رقعة مظالم الشعوب، واغتصاب الحقوق، وانتشار الحروب والنزاعات في أنحاء العالم، وهو ما عبر عنه البيان الصادر عن الخارجية السعودية الذي تضمن هذا الرفض بالقول: إن بقاء القضية الفلسطينية بدون حل عادل ودائم لخمسة وستين عامًا، بما نجم عنه عدة حروب هددت الأمن والسلم الدوليين، وفشل مجلس الأمن في جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل، والسماح للنظام السوري بقتل شعبه، وإحراقه بالسلاح الكيماوي دون مواجهة أي عقوبات رادعة يقدم الدليل الساطع على عجز مجلس الأمن عن أداء واجباته وتحمّل مسؤولياته. ما زعمته بعض وسائل الإعلام الغربية بأن الموقف السعودي حمل تناقضًا بطرحها بعض الأسئلة مثل السؤال: إذا كانت المملكة لا ترغب في شغل هذا المقعد، فلماذا رشحت نفسها في الانتخابات للفوز به؟ الإجابة لا تغيب عن الرجل الحصيف، لأن العالم ما كان له أن يتفهم مغزى الموقف السعودي الاحتجاجي لولا قرار رفض العضوية بعد الفوز، ومثل السؤال: لماذا رفضت المملكة العضوية، وكان بإمكانها أن تستغلها في الدفاع عن القضيتين السورية والفلسطينية من خلال تلك العضوية التي تتمنّاها العديد من الدول؟ الجواب ببساطة أن القرارات الهامة التي تتعلق بالمصالح الاستعمارية يبت فيها من قبل الدول الخمس دائمي العضوية في المجلس، وليس من خلال الدول العشر الأخرى التي تعتبر عضويتها شرفية، من خلال استخدامها لحق الفيتو كما فعلت الولاياتالمتحدة دومًا في حالة النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، وكما فعلت روسيا والصين في الحالة السورية التي استخدم فيها الفيتو لإعطاء نظام الأسد مظلة شرعية لقتل شعبه، وإحراقه بالسلاح الكيماوي وغير الكيماوي على مرأى ومسمع من العالم أجمع. المملكة بهذا القرار التاريخي عبّرت عن استيائها إزاء النظام الدولي الذي تهيمن عليه واشنطن وموسكو، وترسل رسالة، في ذات الوقت، إلى المجتمع الدولي بأن الوقت قد حان لإصلاح النظام الدولي، وعلى رأسه الأممالمتحدة التي تعتبر أكبر مؤسساته؛ لأن ذلك هو السبيل الوحيد لتحقيق الأمن والسلام في العالم، وإعطاء الشعوب حقها في تقرير المصير.