جمعني صديق بمعالي الدكتور محمد بن أحمد رشيد - رحمه الله - عام 1416ه، كنت وقتها معلماً حديث عهد بالتعليم، ومحرراً في إحدى الصحف المحلية، فيما هو للتو تسلم حقيبة التربية والتعليم، أجريت معه لقاء صحفياً مطولاً، وبعد ساعتين من النقاش اعتذرت له عن الإطالة وأنه يمكنني أن أكتفي بما حصلت عليه؛ حفاظاً على وقته، لكنه فاجأني بدعوة لمنزله لإكمال الحوار، يقولها بصيغة الكريم الآمر، عندما يُلح في طلبه إكراماً لضيفه. نُشر الحوار في اليوم التالي تحت عنوان: وزير المعارف: "سنُعطي المعلم أولوية في خطط التطوير"، فاتصل بي في السابعة صباحاً، معرباً عن سعادته بالعنوان، فالمعلم بالنسبة له (أولاً وثانياً وثالثاً، فإن صلح المعلم صلُح التعليم كله)، ثم قال بضحكته الدافئة: إن الدعوة "الإلزامية" مازالت مفتوحة، بعدها بمدة قصيرة وجدت نفسي ضمن رجاله الخُلّص، ولهذا قصة يطول شرحها هنا، وقد ضمّنتها كتابي الذي سيصدر قريباً بإذن الله. عملت مع الدكتور محمد بن أحمد الرشيد عشر سنوات، ثم ها هو يغادرنا بعد عشر سنوات أخرى إلى دار الخالدين، بعد أن شهدت الوزارة في عهده نجاحات كبرى وصعاب جمّة، امتازت فترة وزارته بالحركة التي لم تسكن؛ فلا نكاد ننتهي من نشاط حتى نشرع في صاحبه.. فرق العمل تطوف أرجاء المملكة كلها مواصلة النهار بالليل.. الجميع يحصلون على فرصهم العادلة كاملة للإبداع والإنجاز، بعد أن رفع شعاره الشهير "اعمل وحدودك السماء".. لم ينفرد باتخاذ قرار مهما صغر، ولم يكتف باجتماعه الأسبوعي بالقيادات في الثامنة من صباح كل يوم أربعاء، بل شرع أبوابه لقيادات الصف الثاني من مديري الإدارات ورؤساء الأقسام، فخصص لهم اجتماعاً شهرياً ثابتاً؛ فتعلموا على يديه كيف يكون الحوار، وتدربوا عمليا على تطبيق نظريته الشهيرة "القيادة إذا كانت سلطة أعطاها الناس أطراف ألسنتهم وإن كانت احتراماً أعطوها ذوب أنفسهم"، فنهل الجميع من معين علمه الغزير وأخلاقه الرفيعة وتواضعه الجم.. كان يريد أن يُشرك الجميع ليبث فيهم روح العطاء والحماسة ويشعرهم بأنهم مهمون، وأنه يُقدّر المبادرين ويُثمن الأفكار الخلاقة ويكرم أصحابها ويقف إلى جوارهم. عندما غادر الوزارة كتبت مقالة أهنئه فيها بما قدّم، وأكدت أن أي مشروع مقبل سيكون امتداداً لأفكار محمد بن أحمد الرشيد، حتى تلك التي حاربه البعض عليها، وهم يجهلونها، سوف تعود على النهج الذي وضعه نفسه، فالأفكار الصحيحة في الزمن الخطأ تساوي أفكاراً خاطئة، لكن الخبر الجيد هنا أنه لا يصح إلا الصحيح، وستسترد عافيتها عندما يصل الربيع، تماماً كما الأشجار المتساقطة أوراقها، ستورق من جديد عندما نعطيها الوقت اللازم لترتوي وتنمو وتستوي الثمار، وهذا ما حدث حتى اليوم. اعتذرت عن قبول منصب المتحدث الرسمي فيما بعد، وكان هذا العمل المستحدث في بداياته، فقد اخترت الحل الصادق عندما يشعر الإنسان بالصراع الداخلي، فكان الانسحاب هو الحل الصادق، وبقيت على تواصل متقطع بشيخ المتفائلين وصُنّاع الإيجابية ومدرسة القيادات، فربما لا يعلم الكثيرون أن مكتب الرشيد كان حافلاً بعدد كبير من المستشارين الذين هم في مواقع المسؤولية الآن، ومن خيرة رجالات الوطن المنجزين، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الدكتور توفيق الربيعة وزير التجارة والصناعة، والدكتور عبدالواحد الحميد نائب وزير العمل، والدكتور سعود المصيبيح مستشار وزير الداخلية، والدكتور أحمد السناني وكيل وزارة الداخلية، والدكتور خالد العنقري نائب رئيس المؤسسة العامة للتدريب المهني والتقني سابقاً، والأستاذ ناصر العبدالوهاب وكيل وزارة الداخلية للأحوال المدنية، والدكتور سعود الرويلي وكيل جامعة شقراء، وآخرون لا يتسع المجال لذكرهم. كان - رحمه الله - حريصاً على قراءة الإيجاز الصحفي قبل السابعة صباحاً، يقرأ الأخبار، ويتفحّص الأفكار، ويوجه بمعالجة الشكاوى، حتى في رحلاته الخارجية يحرص على متابعة الصحف الوطنية، من خلال عشرات القصاصات التي أبعثها له عبر الفاكس قبل أن يولد البريد الإلكتروني، وكثيراً ما كان يكتب بخط يده معقباً على مقالة لكاتب، مشيداً بما كتب ويدعوه إلى مواصلة الكتابة في الشأن التربوي، معتبراً أن الصحافة مرآة المسؤول، وبالرغم من حدة ما كان يُطرح أحياناً، فإنه كان يُفضّل الحوار والمكاشفة عن الكسل والدعة والخمول.. ولا أذكر أنه أملى علينا شيئاً على شاكلة (قل ولا تقل)، بل كان يدعو "للصدق" في كل شيء، وفلسفته في ذلك أن الصدق يؤكد أن وزارته ليس لديها ما تخفيه وأن هذا أدعى للثقة فيما تفعل، وليس في الدنيا كلها إنسان معصوم.. لم يؤمن يوما بما يُسمى العزل الإعلامي أو الاحتراق الإعلامي، وكثيراً ما يردد أنه طالما رضي الإنسان وتحمّل المسؤولية فإن عليه أن يتحملها بكل ما فيها، وليس له أن يختار ما يريد ويعزل ما لا يريد. أكتفي هنا بذكر تجربة واحدة بلغت حداً من القسوة لا يحتملها إلا مؤمن موقن بعدالة الله؛ حيث نُشر خبر في صحيفة عريقة في صفحتها الأولى بعنوان: وزير التربية والتعليم يُحذّر من الببغائية في التعليم! (تقصد الحفظ) ونشرت مع الخبر صورة ملوّنة تُظهر الوزير ممسكاً بالقرآن الكريم، وشرح الصورة (الوزير يستشهد بالقرآن الكريم).. لقد نزف قلب الوزير بشدة ذلك اليوم - كما لم أحس به من قبل - فليس أصعب مرارة على النفس المطمئنة من أن تؤخذ بسوء الظن! أما حقيقة القصة فتعود إلى أن الصحيفة خلطت بين خبرين، الأول تحدث فيه الوزير لأحد الصحفيين عن أهمية تنمية مهارات التفكير عند الطلاب، وأن الحفظ (الببغائي) ضعيف العائد، ما لم يصاحبه فهم وتدبر ونقد وتحليل وسلوك.. وفي مناسبة أخرى تبعد عن الأولى عدة أيام قابل الوزير في منزله صحفي من وكالة "يونايتد برس" - وذلك في إطار الحملة الوطنية لتوضيح الصورة الحقيقية للإسلام والمسلمين إثر الهجمة الشرسة على خلفية أحداث الحادي عشر من سبتمبر - وسأله الصحفي عن موقف الإسلام من الآخر.. وتناول الوزير القرآن الكريم ليستشهد منه ببعض الآيات الكريمة التي تتحدث عن ذلك، وعن مقاصد الشريعة الإسلامية، والتقط مصور الوكالة صورة للوزير في هذه الحالة، ثم أُرفقت هذه الصورة خطأ مع الخبر الذي نقلته الصحيفة فيما بعد بصيغته المؤلمة، فطعنت الوزير في أعز وأنبل قضية ناضل من أجلها بكل جوارحه وعلمه ومشاعره الإنسانية الصافية. رحمك الله "أبا أحمد" وجمعنا بك مع النبيين والصديقين والشهداء، وجزاك الله خير الجزاء على ما قدمت، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلم سليم.