بدأت حياتي يتيم الأب، لم ترَ عيناي سوى (أمي)، كان وجهكِ الطاهر تنهمر عليه شلالات الدموع، وتتساقط على وجنتيكِ حكايات الزمن، لم أكن أعلم بأن البكاء بداية لرحلة "الصراع" مع كل قطرة منه، يترجم فيها ضيّم الماضي الأليم، ويُوقد من خلالها شرارة التحدي في وجدان (امرأة) عشقت الرهان بعمر جديد تُقدم رسالتها الخالدة لِتسمُو الأيام بذكرها! سيدتي.. وقفتِ شامخة كعَادتك لحمل هذه الأمانة التي يعجز الرجال عن حملها! لم يثنِ عزيمتكِ عن أيتامكِ شيء، منحتِ قلبك لهذا القدر المحتوم، فكانت نظرتكِ عالية لرب السماء، ولم ينزل بصركِ لأهل الأرض! تفاؤلكِ رسم دربك، وإصراركِ حافز لأملك، وصلابتكِ شتت ألمك! سيدتي.. قربي منكِ فتح لي مستودع أسرارك الذي يسكن بين حنايا ضلوعك، كان الجلوس بحضرتك نعمة، والأنس بحديثك متعة، والشوق للقائك رفعة، كنتِ في السفر رفيقة، أرى ملامح العالم في عينيك بهيج، عندما تُطْلقِ سراح المتعة لناظرك، لتخرج نظراتك ممزوجة بحب الحياة، وفرح الانتصار، وكَنتَ أغوص دوماً بين دموعك فلا أجد تفسيراً لها! وكانت سراً لم أستطع اقتحامه يوماً! سيدتي.. هنا، سأذكر جزء يسير من محاسنك فهي كثيرة وقليلها نافع: - هل تذكرين.. قصص الصبا مع والدكِ الذي لا ينقطع ذكره عن لسانك دعاءً وحديثاً، وكيف كان يرى فيكِ ما لا يراه في رجال ذلك العصر، وكيف أحسن تربيتك فلم تخذليه وكنتِ تسيري على نهج يراه لكِ منذ طفولتك! - هل تذكرين.. طريق مدرستي عندما أمشي على الرصيف عودة للمنزل وأنتِ تتابعين طفلك اليتيم من الرصيف الآخر! - هل تذكرين.. حزمة الأمثال الشعبية التي يتعايش معها قلبك النقي فلا تكاد تفارقكِ ترديداً وتذكيراً، ونصحاً وإرشاداً، وهي محفورة بداخلي لا ينسيني إياها سوى عبث الذاكرة! - هل تذكرين.. صبركِ على المرض واحتسابكِ الأجر عند ربك، وحمدكِ وشكركِ الدائم على البلاء تسألين المثوبة عند من يجزل العطاء. - هل تذكرين.. دعوة جليلة، كانت تغمر فؤادي كل ما لهج بها لسانكِ العطر (اللهم أفتح له كل باب مغلق)! - هل تذكرين.. هدوئكِ وحكمتك، وعنايتكِ بجمالك. - هل تذكرين.. نقش الحناء الذي كان يزين كفيكِ وقدميكِ. - هل تذكرين.. همتكِ العالية لتكونِ للمعروف أهلاً، فلا يزول ذكركِ الحسن لمن شرُف بمعرفتك. - كيف أنسى يدك الندية بفعل الخير والدالة عليه والسائرة له! - يا سيدة نساء الأرض الذكرى معكِ وسم جميل يزين الذاكرة، وطيفكِ سيل لا يتوقف من سرد ذكرياتك! سيدتي.. عزتكِ لم تفارقني.. صورتكِ مرسومة في وجداني، فقدكِ عليَّ عظيم.. ومصابي بكِ أليم، ودعواتي في ظهر الغيب لن تنقطع براً لكِ وإحساناً، فعليكِ يا سيدة الكون طوق رب كريم يُوصلكِ برحمته ورضوانه، ويُسكنكِ في أعلى فرّدَوسِه من جناته، نعيماً وغفراناً. رحَم الله أمُي رحَمة الأبَرار.. اللهم أجبر كَسر قلبي على فراقها يا غفار .. [email protected] [email protected]