منسقيات جامعات الجنوب تدين استهداف الجوبعي: مذكرة الاعتقال انتهاك خطير للحريات    بالفيديو... هبوط طائرة بشكلٍ إضطراريّ على طريق سريع وسط السيارات!    بالصور .. مروحية HH-60W Jolly Green II.. قدرات متقدمة في مهام الإنقاذ العسكري    الحالمي يُعزّي أسرتي الشهيدين باحيدرة والمطحني    "مسام" ينزع 1.231 لغماً خلال أسبوع زرعتها المليشيات الحوثية    من يتوج بلقب إفريقيا ؟.. المحكمة الرياضية الدولية تحسم النزاع بين المغرب والسنغال    لماذا يُستهدف اللواء الثاني دفاع شبوة؟    المكلا اليوم تكشف المستور.. الخلايا النائمة لم تعد نائمة وطرد "الغزاة" واجب وطني مقدس    ناشط حضرمي يكشف: "عنصر أمني سابق يطلق النار ثم يندس بين المتظاهرين"    أزمة غذاء تهدد الملايين بسبب الحرب بالشرق الأوسط    زلزال الشرق الأوسط الجوي 2026: أخطر من 11 سبتمبر.. لكنه ليس كورونا The Middle East Airquake 2026: More Dangerous than 9/11... but Not COVID-19    ندوة دولية بصنعاء للتضامن مع إيران ومحور المقاومة    الانتقالي يحشد أنصاره لتصعيد شامل ضد السعودية في شبوة    قمة ساخنة بين ريال مدريد وبايرن... واختبار صعب لآرسنال في لشبونة    الترب:اليمن بموقعه الجغرافي قادر على تغيير مسار المواجهة    ضبط عصابة متخصصة بسرقة كابلات الاتصالات في همدان    في اجتماعه الأول بعدن.. مجلس ضمان الودائع يناقش تعزيز الثقة بالقطاع المصرفي    محمد قحطان.. الرجل الحاضر والفكرة التي لم تغب    الاستيقاظ فجراً... لماذا يحدث وكيف تعود إلى النوم؟    شبكات الظل.. كيف حوّلت مليشيا الحوثي المخدرات إلى وقود للحرب وأداة لتفكيك المجتمع؟    خطة تنفيذية للتنسيق بين منتجي ومستوردي أغذية الأطفال    رئيس الهيئة التنفيذية لتكتل الأحزاب: استمرار إخفاء قحطان انتهاك صارخ    إقرار مسودة المرحلة الثانية من استراتيجية توطين الصناعات الدوائية    بمشاركة 40 فريقا.. اتحاد كرة القدم يحدد الأربعاء المقبل موعدا لقرعة كأس رئيس الجمهورية    داخلية الاحتلال الأجنبي في المكلا تلاحق 3 من قيادات انتقالي حضرموت (وثيقة)    عندما يصبح الرمز كابوسًا    الحكومة تقر إصلاحات مالية وتعتمد إنشاء الهيئة العامة لشؤون الجرحى    اليمن: خسائر قطاع السياحة تتجاوز 11 مليار دولار خلال عقد من العدوان    تراجع أسعار الذهب والفضة عالمياً مع صعود الدولار وتلاشي آمال خفض الفائدة    فيمانعاه مجلس الشورى وأشاد بجهوده الوطنية.. الرئيس المشاط يعزي في وفاة الشيخ محمد علي التويتي    استئناف افتتاح متحف الموروث الشعبي بصنعاء    الدورات الصيفية للطالبات بأمانة العاصمة تشهد إقبالا لافتاً في أسبوعها الأول    وزارة الاقتصاد تؤكد عدم رفع أسعار المياه الصحية    مرض السرطان ( 6 )    منظمة هيومن رايتس فاونديشن تدين مجزرة المكلا وتطالب بتحقيق دولي    اتحاد كرة القدم يحدد نهاية إبريل الجاري موعدا جديدا لانطلاق بطولتي كأس الجمهورية والدوري اليمني    إحباط تهريب قطع اثرية في مذيخرة    المكلا تُذبح بصمت... والرصاص يكتب فجرها الأسود    مدير عام المنصورة يناقش أوضاع وأداء مستشفى مايو الجراحي    خلال 3 أشهر.. الهجرة الدولية توثق نزوح 813 أسرة أغلبها استقرت في مأرب    وفاة مواطن داخل أحد سجون مليشيا الحوثي في إب وسط ظروف غامضة    مليشيا الحوثي تشطب أكثر من أربعة آلاف وكالة تجارية لإحلال بدلاء موالين لها    صوت الذاكرة: المرأة المبدعة بين الأدب المبتكر والإبداع الرقمي الثقافي مقاربة تحليلية في تحوّلات الخطاب النسوي المعاصر    المهرة مهددة بالظلام.. مشاكل قطاع الكهرباء تعود إلى الواجهة وحكومة الزنداني تقف امام اول اختبار حقيقي    اتحاد كرة القدم يتفق مع وزارة الشباب والرياضة لتأجيل موعد الدوري اليمني ومعالجة مشاكل أندية عدن وتعز    رشاد العليمي.. الرئيس اللعنة الذي أنهك الجنوب وأغرقه في الفشل.. سجل قبيح من الحرب والعداء والخبث    شيطنة الخصم حتى يستحق القتل    في زنجبار كيف أثر ابن سميط في إنجرامس قبل وصوله لحضرموت    مراثي القيامة    الخارجية الإماراتية توضح بشأن أوضاع الجالية الإيرانية    هيئة الشؤون البحرية بحضرموت: موانئ البحر العربي تمتلك مقومات التحول إلى مراكز لوجستية عالمية    عدن.. نقل عريس إلى العناية المركزة بسبب منشط جنسي    اللهم لا شماتة    إشكالية الرواية والتدوين بين قداسة النص وإشكالات النقل    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    صنعاء : تعميم هام .. بشان صلاة العيد ..!    رسمياً.. 3 دول تفاجئ العالم باعلان الخميس أول أيام عيد الفطر    وزارة الأوقاف:الخميس متمم لشهر رمضان والجمعة أول ايام عيد الفطر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الانتحار في حياة الأدباء ترجمة د.عبدالرحمن أقرع
نشر في الجنوب ميديا يوم 02 - 03 - 2014


الانتحار في حياة الأدباء
ترجمة د.عبدالرحمن أقرع
عن جريدة (المنتدى الأدبي ) البلغارية الرقمية
في حياة الكثير من الأدباء الذين أنهوا حياتهم بأيديهم كانت المشاكل النفسية تلعب دورها الشرير ، وكأنها تهيأ التربة الخصبة للنهاية المأساوية. وتعتبر أبرز حوادث الانتحار رعبا تلك التي تتم في وضع يصبح العيش فيه مقيتا لدرجة الألم.عند ذاك يقدم الجاهل على تدمير ذاته بطريقة بالغة القسوة والعذاب الذاتي. كتلك التي نفذها الشاعر الفرنسي المجنون (أرمان بارتيه) – 1820-1874 عندما ابتلع المفتاح الحديدي للصندوق الذي حفظ فيه كتاباته ، كذلك صنع من قبله شاعر فرنسي آخر هو (نيقولا جيلبير) -1750-1780..أو أن يطلق النار على نفسه إلى جانب طاولة الكتابة كالشاعر الأرجنتيني (فرانسيسكو ميرينو ) -1904-1928.
ومع ذلك ..ورغم الغياب الكامل للعقل في لحظة الانتحار يظل وفيا وصادقا مع نفسه فيكتب واصفا لحظاته الأخيرة أثناء الاحتضار ، والذي يبدو –في بعض الأحيان- محاولة أخيرة للحفاظ على وعيه حتى النهاية.
من هؤلاء (ألكسي لوزين-لازينسكي) الذي في نجح في كتابة بضع سطور غير مترابط أصبح آخرها غير مقروء نجح قراؤها في تمييز الآتي : ( أعيش دون وعي ...قدماي تتجمدان..ولكي لا أجن أكتب ...يداي تضعفان...أنا أموت...اصمت....أنا الآن واثق أنهم لن يدفنونني ..أنا محار..أنا إخطبوط...أنا عاشق لجنوني...أقهقه في الظلام الأسود...هاهاها هاهاها ...لا يخجلني ذلك.....سأعرض جنوني للعيان...في صحيفة (يداي تتجمدان) وبعد ذلك ستتلو الجرعة القاتلة من المورفين.
أما الشاعرة والكاتبة الأمريكية (سيلفيا بلات) –1932-1963...فقد استخدمت أوضاعا انتحارية للصراع مع حلول الجنون، فهي من وصفت وبالتفصيل أعراض نوباتها المرضية ، محاولات الانتحار التي قامت بها ، وما تلاها من عودة للحياة. كانت النوبات تلم بها مرة كل عشرة أعوام..وفي كل مرة كانت تعرض فيها حياتها للخطر، كانت تترك نافذة للإنقاذ ، وكأنها تخادع جنونها، وبعد كل إنقاذ لحياتها بأعجوبة كانت تنتقل نحو ولادة أخرى ونحو مرحلة جديدة من الإبداع : ففي المرة الأولى في شبابها المبكر ابتلعت عددا من الأقراص المنومة واختبأت في القبو ليعثر عليها بعد زمن طويل من البحث ليعيدونها للحياة بأعجوبة . وفي المرة الثانية أدارت مقود السيارة على الخط السريع بهوجائية لتنقلب بها السارة ، ليتم إعادتها إلى الحياة بأعجوبة أخرى ، أما في المرة الثالثة ، والتي يظهر من ملابسات الحادثة أنها لم تشأ الموت جادة هذه المرة ، فقد وضعت رأسها في فرن الغاز ، تاركة في مكان ظاهر للعيان رقم هاتف طبيبها ، ولكن..وبسبب تسارع الحدث المأساوي ..تم العثور عليها متأخرا بعد أن انتزعت يد الموت حياتها هذه المرة، وعلى عكس القطط التي يقولون أنها تملك أرواحا سبعة..كانت (سيليفيا بلات ) تملك أرواحا ثلاثة فقط .
--------------------------------------------------------
الحلقة الثانية
الإنتحار في المهجر
ترجمة: د.عبدالرحمن أقرع
قد يكون أول الأدباء الذين لم يطيقوا العيش بعيدا عن الأوطان هو الأديب والفيلسوف الإغريقي (مينيديم إريتريسكس) –حوالي 339-256 ق.م)، والذي عانى من الخسارة في المعترك السياسي وقتذاك، فاضطر لترك الديار مهاجرا إلى آسيا..وهنالك رفض الفيلسوف –بالمعنى الحرفي للكلمة- أن يأكل من خبز الأغراب، فمات جوعا.لا شك أن الاغتراب صورة عسيرة للمعاناة لأي إنسانٍ على هذا الكوكب ،ولكن ليس إلى حد الدفع للانتحار، فالسفر إلى البلاد الأجنبية هو دليل على الهمة والنشاط ، والإرادة للحياة بيد أنها للأديب تعد مميتة أكثر مما هي كذلك بالنسبة لأي إنسان ٍ آخر. فالوطن للأديب هو الكلمات وما بين الكلمات ، وهو الترنيم والترتيل.وعندما ينقطع الأديب عن بيئته اللغوية يصبح كشجرة دون جذور، مع بعض الاستثناءات القليلة حيث تمكن بعض الأدباء من زرع موهبتهم في تربة غريبة لتنمو جيدا، أو حيث كان فقدان الوطن والحنين إليه حافزا للإبداع.
فالاغتراب للأديب يصبح مهنة غير نافعة لأحد، وما يلي ذلك من عواقب : الفقر ، الوحدة ، فقدان الأمل ، المرض ، الإسراف في الشراب ، وقبل ذلك كله الإحساس بعدم المنفعة.فالشاعرة نينا بتروفسكايا كانت فقيرة في غربتها وغير ذات منفعة لأحد ، فألقت بنفسها من النافذة
الكاتب (ايفان بلديريف)-1903-1933- نجح في الهروب من منفاه المفروض ليستقر في باريس ، حيث عاش حياة مدقعة في غاية البؤس ، وداهمه المرض ، فانتحر عبر تناول كمية من الحبوب المنومة.
أما بوريس بوبلافسكي فكان مدمنا على المخدرات ، وكتب عددا من القصائد التي لم تكن تعني أحدا في عصره ، فانتحر متسمما بالهيروين ، وكذلك فعل الشاعر (إفغيني خورفات) -1966-1993.أما أقلهم عيشا في المهجر فكان (كروت توخولسكي) -1890-1935- الذي عده النظام النازي من ألد أعدائه ، وقام بحرمانه مؤقتا من الجنسية الألمانية ، كما وأحرقت كتبه ، ففر إلى السويد ، وهناك لم يستطع الكتابة فانتحر.
وفي أسبوع واحد من شهر أيار عام 1939 انتحر كل من الكاتب الكلاسيكي النمساوي (يوزف روت) وكاتب الدراما الألماني (إرنست تولر) ، أما (روت) فكان كاثوليكيا تواقا للإمبراطورية الهابسبورغية ، فيما كان (تولر) ماركسيا صديقا للإتحاد السوفيتي..أما (روت) فقد عانى الفقر والبؤس في باريس محروما من وسط يمكنه من البقاء ويساعده على الكتابة، فجنت زوجته لينتحر لاحقا بالسم. وأما (تولير) فقد عانى البؤس في نيويورك ، وأدرك أن لا أحد يهتم بمسرحياته ، وتركته زوجته فشنق نفسه.
الشاعر البولندي( يان ليخون) -1899-1956 ألقى بنفسه من نافذة ناطحة سحاب نيويركية، وبالمناسبة فقد كان الشاعر المذكور مهاجرا مزدوجا مطلوبا من الفاشيين والشيوعيين معا. وهنالك بولندي آخر هو الشاعر (مارك خلاسكو) -1934-1969- والذي كان بعيدا عن السياسة ..فقط لم يطب له النمط الاشتراكي للعيش ، وفضل العيش حسب قوانينه الذاتية فتجول في عدد من البلدان التي لم يجد في أي منها مكانه اللائق فكتب عبارة ظريفة تقول: العالم مكون من نصفين: أحدهما ذاك الذي بامكانك العيش فيه، والآخر حيث لا تستطيع تحمل العيش) فعاش مسرفا في الشراب ، متعاطيا للمخدرات ، ثم وضع حدا لحياته متناولا جرعة كبيرة من الحبوب المنومة
الحلقة الثالثة
الإنتحار العائد للغرام
ترجمة : د.عبدالرحمن أقرع
الإنتحار بسبب الحب
حظي الشاعر الألماني (خاينرخ فون كلايست ) باحترام الجميع من واقعيين ، وتعبيريين ، وشوفينيين نظرا لمكانته كمؤسس لمدرسة أدبية .كان ضابطا لا يطيق الحرب، تلميذا فاشلا في دراسته، جنديا دون ترقيات ، ناشرا غير ناجح ، لهذا كان من المتوقع أن يؤول مصيره للإنتحار إن عاجلا أم آجلا...إلا أن لقاءه بالسيدة (هنريتا فوغيل) قد عجل بنهايته المشؤومة، وإن منحتها جمالية رومانطيقية مظلمة، والتي –ربما- منحت كلايست المجد بعد موته.
فهو لم يملك وسيلة للعيش الكريم ، وكان منبوذا من العظيم (غوتة) ، ولم يعترف به معاصروه من الأدباء ، وكانت بلاده تخوض حربا قاسية مع (نابليون) ..أما السيدة (هنريتا فوغيل) فقد كانت تعيش مع زوج تكرهه وتعاني من مرض لا أمل في شفائه ، لذا كانت علاقتهما مثالية لتشابه الظروف ، والولع شديدا إلى درجة الألم، أما فكرة الإنتحار المشترك فكانت عائدة إلى الحبيبة لا إلى الشاعر الذي راقت له الفكرة.
وفي اليوم الموعود : استأجرا غرفة في فندق بالقرب من (بوتسدام) ، وكتبا رسالتيهما الأخيرتين قبل الموت ، ثم خرجا في نزهة إلى إلى الغابة..وهناك أطلق الشاعر رصاصته لتستقر تماما في قلب حبيبته ، وبعدذلك أدار فوهة المسدس نحو حلقه ليطلق رصاصته الأخيرة في الحلق واضعا حدا لمعاناته.
وفي غابة أخرى في أتون حرب أخرى أنهى كاتب الدراما البولوني (ستانيسلاف فيتكيفيتش) -1885-1939- حياته بطريقة شبه مماثلة، إنتحارا أكسبه مجدا لم يحظ به في حياته..فقد فر الأديب إلى الشرق هربا من الجنود النازيين ، لترافقه في سفرته فتاة تصغر بالسن إلى حد كبير ، كان مولعا بها ، بيد أن القدر ضيق الخناق على الأديب الفارّ حين انطلقت طلائع الجيش الأحمر لمواجهة الجيش الهتلري ، فما كان من الشاعر وحبيبته إلا أن أخذا زجاجة وحبوبا منومة إلى الغابة لينتحرا معا ...وهناك ترك الأديب الحبوب لحبيبته لتموت بسلام ،حيث قامت بتناول حبتين لتخلد إلى نومها العميق فيما فضل هو الموت بالشفرة ، وبعد أن فشل في تقطيع أوردة يديه ، قام بقطع شريان عنقه ليموت لشدة النزف، ومع الغلس أفاقت الحبيبة لتعيش بعد ذلك عمرا طويلا وتبلغ مراحلا متقدمة من الشيخوخة.
مع حادثة انتحار أخرى تتم في الغابة بدافع من الغرام .. بطلاها هذه المرة الكاتب الياباني (أريسيما تاكيو)-1878-1923 وصديقته (أتانا أكيكو) ..حيث كان الأديب عَلَمَاً محترما في الوسط الأدبي ، ورفيق دراسة للإمبراطور الياباني وقتذاك (تايسو) ، إلا أن الأقدار شاءت له الوقوع في حب الصحفية الشابة ذات الستة والعشرين ربيعا ، والتي بدورها كانت تعاني من حالة وسواس قهري ذي صلة بالإنتحار، بلغت ذروتها عندما قام زوجها برفع دعوى قضائية على صديقها (أريسيما تايكو) لمقاضاته للتعدي على حقوقه الأخلاقية..فكان أن انتحرا العاشقان معا في الغابة.
ستيفان تسفايغ (1881-1942) كان بارزا مقتدِرا حتى في أوار الحرب ،حيث كان يعيش في ضاحية من ضواحي (ريو دي جانيرو) مع الفتاة الشابة سكرتيرته السابقة وزوجته اللاحقة (لوتي)،وفي واقع الحال لم يملك الكاتب اللامع أي سبب للإنتحار ، إلا أن سقوط (سنغافورة) في الحرب أوحى إليه أن العالم قد سقط نهائيا في أيدي القوى الشريرة ،فأضحى يائسا وقرر أن يموت..وكانت زوجته المحبة على استعداد لتقاسم التجربة معه ، فتركا 13 رسالة قبل موتهما مبررين خطوتهما ، أما لوتي فكتبت -ولم يكن في سطورها جلية قوة الإيمان بما تكتب- من أن الموت سيخلص ستيفان ويخلصها هي أيضا لأنها كانت تعاني من (الربو) ...وبعدذاك تناول الزوجان كمية من الحبوب المنومة لتنشر لاحقا صورة جسديهما المتعانقين الميتين في كافة الصحف.
حادثة مشابهة جرت أحداثها أربعين عاما بعدذلك في لندن حيث وضعت الحبوب المنومة حدا لحياة الأديب آرثر كوستلر (1906-1983) وزوجته التي كانت في ريعان الصبا (سينثيا) ، حين وجد الكاتب متكأً على الأريكة وبيده كأس كونياك ، فيما اضطجعت زوجته على الكنبة وإلى جانب منها على المنضدة كأس من الويسكي ..ومن شق الآلة الكاتبة تدلت ورقة تحوي ملاحظات مكتوبة للخادمة لاستدعاء الشرطة ..أما الكاتب فكان طاعنا في السن ومريضا دون أمل بالشفاء حيث عانى من مرض الرعشان (باركينسون) ..، ومن سرطان الدم (لوكيميا) ومن تأتأة الحديث ، والهلوسة ، والطريف أن التشريح الطبي لجثته قد كشف عن ورم خبيث في معدته.
أما (سينتيا) فكانت في ريعان الصبا كما ذكرنا ، تناولت حبوب (الباربيتورات ) المنومة عندما بدأ زوجها يفارق الوعي ، وفي ذلك رد على اتهامات الصحافة من أن الكاتب الشيخ قد أجبر زوجته على الإنتحار معه.
وقد ترك الكاتب وصيةً كتبت قبل وفاته بشهورٍ تسعة تدل على معايشتها لحالة روحانية خاصة حيث كتب فيها : (أريد أن يعلم أصدقائي أنني أتركهم في سلام ودعة ، ليس بدون أمل ضئيل بحياة أخرى بعد الموت ..حياة أخرى دون حدود للزمان والمكان والمادة خارج أطر مفاهيمنا ..هذا الشعور الذي لا ساحل له هو ما حافظ على تماسكي في اللحظات العسيرة كما يحافظ على تماسكي الآن عند كتابة هذه السطور.).
الديناميكية العمرية لانتحار الأدباء الشباب
ترجمة: د.عبدالرحمن أقرع
للإنتحار في أوساط المبدعين ديناميكيته العمرية لا تنسجم وتلك الديناميكية الكلاسيكية للإنتحار في أوساط العامة من غير المبدعين ، والتي تسجل ميلا عاليا إليه في ثلاث مراحل حرجة، حيث يصعد الرسم البياني للإنتحار ما بين (15-24) سنة من العمر ثم يهبط ليرتفع ثانية عند دنوه من عقد الخمسينيات ، لينخفض من جديد ، وأخيرا يعاود الصعود عند الإقتراب من السبعينيات وبعد ذلك يختفي بشكلٍ تام.
أما في أوساط الكتاب فهنالك أيضا ثلاث مراحل حرجة ، يصعد الخط البياني في مرحلتها الثانية عند الإقتراب من عقد الأربعينيات .
هنالك مصطلح شائع في الطب النفساني يعرف ب( التسمم الميتافيزيقي) ، والذي يعني تسميم الوعي الشبابي بالتساؤلات الخالدة حول الوجود، بحيث يصبح كل شاب في مقتبل العمر ونمو العقل والمشاعر فيلسوفا.حيث يشكل التطرف ، والسعي نحو مطلق الكمال ، والخبرة الحياتية غير الناضجة بعد أهم الأسباب للإنتحار المبكر في أوساط الشباب.
ولربما يتشكل (التسمم الميتافيزيقي) بهدف تحديد أعداد المبدعين كنوعٍ من الفلترة الحمائية الطبيعية تحمي جنسنا البيولوجي المعروف ببراغماتيته من الإنطواء والسلبية غير الضرورين.ويعلم الله كم بلغ عدد من خسرهم الجنس البشري سنويا بسبب الإنتحار في أوساط الجيل الشاب، إذ يكتشف أهل الأدب من فترة لفترة مصطلحا جديدا لأولئك الذين قدموا حياتهم قربانا على عتبة الدخول لعالم الأدب.
فهذا ما حدث مثلا مع الكاتب السويسرية (لورا بيرغر)-1921-1943- والتي كتبت عددا من القصص وحكايات الأطفال في حياتها القصيرة ، بيد أنها –وبعد الإنتحار غرقا من أجلِ حبٍّ تعِس- خرجت إلى النور روايتها (برج التل) ، والذي قدره عاليا (هيرمن هيسة) ليحظى بتزكية النقاد ويحتل الموقع الذهبي في الأدب السويسري.
سنوات طويلة كذلك مرت بعد موت الشاعرة النمساوية (جيرتا كريفتنر) -1928-1951-ليتم تقديرها كما يليق . حيث تعتبر أشعارها صرخة في عالم الأدب بعد عقودٍ من انتحارها بالسم ، كما ويعد اسم (كريفتنير) أحد ألمع الأسماء في الأدب النمساوي في حقبة ما بعد الحرب.
وكذلك نال المجد بعد موته الفيلسوف اليهودي الشاب (أوتو فاينغير) -1880-1903- والذي عانى من عقيدة وسواسية تنص على أن لا عيش لليهود في هذا العالم فأفضت به للإنتحار.
ولكن نبل المجد في الحياة لم يكن بالمرساة التي تحمي الأديب من عواصف الفكر في السن الحرجة..فكاتبا الدراما الفرنسيان ( فيكتور إيسكوس) و(إيغيوست ليبرا) قد استيقظا عَلَمين ذات صباح بعد نجاح مسرحيتهما المشتركة الشهيرة ( مستنقع فاروك) مع أن الأول لم يتجاوز الثامنة عشرة أما الثاني فكان في عامه الخامس عشر.بيد أن مرحيتيهما التاليتين قوبلا ببرود الأمر الذي شكل لهما ما يشبه الإهانة ، إحساس بالإهانة أفضى إلى انتحار بطريقة تتلاءم مع روحيهما الشابتين الحالمتين حيث تسمما بأوكسيد الكربون متماسكي الأيدي، وتركا خلفهما رسائل كتب في إحداها (إيسكوس) -1813-1832 أتمنى من الصحف التي ستنقل خبر موتي للجمهور أن تكتب: لقد انتحر لأنه لم يملك مكانا هنا ، ولم يمتلك القوة الكافية للمضي قدما أو التقهقر للخلف، ولئن روحه –ولدرجة لامحدودة- قد طغى عليها التعطش للمجد، هذا إذا وُجِدت الروح أصلا).
أما ليبرا(1816-1832) فكتب في رسالته التي خطها قبل الموت بأسلوب أكثراقتضابا: ( أموت..فلا تأسوا علي لأن قدري يستتدعي الغبطة لا الأسف)
هنالك سبب آخر للسهولة التي يقدم بها الشباب على الإنتحار ، فطبيعة الإنسان الشاب المشحون بالحيوية لا تؤمن ببساطة أنها قابلة للموت..فالشاعر الياباني والطفل المعجزة (سيندزي أوكا)-1962-1975- قد ألقى بنفسه من على السطح ليعرف ماذا سيحدث له!!!! وكان آنذاك في ربيعه الثاني عشر.وكتب قبل موته
أحقا سأموت؟
وكيف لي أن أموت؟
وفي واقع الأمر فإن العديد منهم لم يشأ الموت بقدر اللهو بمقارفة الموت ، بل هم ودوا أن يحضروا جنازاتهم بأنفسهم ، وقد ودوا لو استمعوا لأقربائهم كيف يناقشون خطوتهم اليائسة!!وبعد ذلك ودوا لو يرجعون للحياة.لهؤلاء الشباب المبدعين كان الإنتحار نوعا من التنويم المغناطيسي أو العمل الإبداعي ، وهذا ما يلمس جليا في رسائلهم التي كتبوها قبل موتهم
وهنالك حالة أخرى : فعندما يكتشف الكاتب أن الموهبة الإبداعية تشكل عبءا ثقيلا عليه ، يلجأ للخلاص بقتل الكاتب في نفسه ليحفظ حياته كإنسان ..ومن أبرز الأمثلة على هذه الحالة هو (آرثر ريمبو) الذي توقف عن الكتابة
دنيا الوطن


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.