«الصورة تساوي ألف كلمة».. قول مأثور يعكس مفهوم نقل فكرة معقدة عن طريق صورة واحدة لا غير، وهو ما يميز جوهر ومضمون الدورة ال32 للمعرض السنوي لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية المقام حالياً بعنوان «قصص لم تحك بعد». تروي الأعمال الفنية التي تعرض حالياً في متحف الشارقة للفنون، والتي من بينها ما يستخدم مواد غير مألوفة كأعواد الثقاب المستعملة والخيوط المعلقة وأوراق الشجر، كثيراً من القصص والحكايات، تعبر عما بدواخل الفنانين من خبايا وأفكار تبزغ من لحظات استثنائية يعيشها المرء، وتخلق مع كل تفاصيلها وعناصرها ذاكرة بصرية أو عاطفية في العقل، هكذا يبتكر الفنانون قصصهم الخاصة، متيحين المجال للآخرين لتخيل الرواية. مُنح الفنانون - حسب إدارة متاحف الشارقة - فرصة من خلال الدورة ال32 للمعرض السنوي العام للجمعية لإطلاق العنان لإبداعهم في محاولة للوصول إلى مستوى جديد كلياً من التعبير الفردي، تحت إشراف القيم العام الفنان ناصر أحمد نصرالله، إذ يشتمل على أعمال فنانين شباب ينتمون إلى جنسيات مختلفة، ويعرضون إبداعات فنية مستوحاة من الواقع، وتنتمي إلى الفنون البصرية الحديثة متمثلة في استخدام الوسائط المتعددة كالرسم وفن الفيديو والأعمال التركيبية المطبوعة. ويبرز المعرض السنوي العام بوصفه التظاهرة الفنية الأكبر التي تنظمها جمعية الإمارات للفنون التشكيلية سنوياً، إذ يقدم صورة حقيقية وأكثر قرباً عن الفن الإماراتي الذي يسير عبر مسارين رئيسين: أولهما المسار التقليدي الأصيل، والثاني المسار المعاصر؛ ما يفسح المجال أمام الفنانين للمشاركة، وطرح رؤاهم وفق اشتراطات القيم العام على المعرض. الزائر للمعرض العام لا يمكنه إلا التوقف كثيراً في المساحة المخصصة للفنان معتصم الكبيسي، والنحت الحديدي المشبع بالمطاط الأسود الذي يعكس مفهوم الهجرة من خلال أعواد الثقاب المستعملة، في إشارة إلى الإنسان الذي هو بمثل هذه الأعواد التي اشتعلت لتخرج أعظم ما لديها، وتنتهي حكايتها؛ فبمجرد اشتعالها واستخدامها تصبح ركاماً أسود هشاً هزيلاً لا يقاوم أبسط الهزات، فلا يعود إليها النور ولا تعود للحياة مرة أخرى. أما عمل قراءة قصة الجفير وتحولاته، للفنان محمد القصاب، فيستلهم من سعف النخيل هيئة عصرية، ليقدم معادلاً بصرياً ووظيفياً قوامه مجموعة من الحقائب اليدوية النسائية المبتكرة في تصميماتها وفي مادة نسجها، مؤكداً الصلة الزمنية القائمة بين «الجفير» التراثي وما تم استحداثه من عناصر ووحدات حياتية موازية قد تصل أسعارها إلى أرقام كبيرة قياساً بأسعار هذا العنصر التراثي الغني في مكوناته وألوانه واستخداماته المتنوعة لدى أهل البر والبحر، الذين يستعملونه في احتواء الرطب والأسماك ومشتريات السوق على وجه العموم، فالقصاب هنا يبرز ولعه بالهوية الشعبية التي يقر بأنها صالحة لكل زمان إن رغب الإنسان في استدعائها، واستلهام مكونها عبر حلول ومعالجات ملائمة لتبدلات العصر وتحولاته. بينما يتواصل عمل «خيوط معلقة» للفنانة خولة درويش، مع سلسلة «في ذكرى أحباء» التي بدأتها الفنانة في 2008، وفي هذه التركيبة الفنية تشارك درويش قصصاً لم تُرو من قبل، «خيوط معلقة» أو «القيود» هي قصة كرسي فارغ كان بمثابة مسكن للفنانة، حيث جلست وأكلت ونامت وعاشت على ذلك الكرسي الواحد ثمانية أشهر، عندما كان والدها في المستشفى قبل أن يفارق الحياة. قصة الكرسي واحدة من القصص الكثيرة التي تخبئها الفنانة والتي يملؤها الضحك والدموع والفرح والحزن وكل ما هو بينها، في نهاية كل خيط هناك غرض له علاقة بإقامتها خلال تلك الفترة في المستشفى، ما يسمح للمشاهد بأن يفترض قصصاً مختلفة وأفكاراً مستوحاة من تلك الأغراض. فيما تقدم «هل يستحق كل هذا العناء»، سلسلة للفنان راشد الملا، وهي مجموعة من القصص القصيرة جداً، حكاية القسوة على الحيوان، نجوم تلك السلسلة هم الحيوانات أنفسهم الذي قتلوا من قبل الإنسان لكي يتمتعوا بهم في توفير الغذاء والكساء، ولا تصل معظم هذه القصص إلينا نحن عامة الشعب وربما هي مخبأة عنا من قبل الأشخاص أنفسهم الذي يقتلون هذه الحيوانات. يقوم الفنان الملا بتقديم هذه القصص معتمداً على حقائق قدمتها وسائل الإعلام، وأوضحها الفنان ضمن السلسلة التي تصور قصص تلك الحيوانات الذين هم أبطال هذه القصص، وشرح كل قصة يأتي من الحيوان نفسه، إذ استخدم الفنان في عمل «الدب الذي خسر يديه» الكثير من المواد المعاد تدويرها والمستهلكة، ليتم استخدامها كوسائط لهذه السلسلة، كما فعل في معظم أعماله الفنية. دقات اللوز اعتبرت الفنانة هدى سيف، التي قدمت عمل «دقات اللوز»، الذي استخدمت فيه مواد مختلفة وأوراق شجرة اللوز، أن «التغير يشمل الجميع ولا يوجد شيء ثابت في هذا الكون، لذلك فالأحداث في حالة ولادة مستمرة، إذ عندما تربط ورق اللوز مع رقم تخلق لحظات صدق مع الأحداث، وتؤكد ارتباطها بالأرض عبر الورق وبالفضاء عبر الرقم». مساحة لتجربة شعورية قال القيّم العام للمعرض الفنان ناصر نصرالله، الذي تخير ثيمة المعرض، في تصريحات سابقة، إن «القصص تأتي من أشخاص خاضوا تجربة ما، وهذه التجربة بكل تفاصيلها وأحداثها ومعطياتها مع النتائج تكوّن مساحة لتجربة شعورية في العقل، ثم إن السرد القصصي أسلوب قديم استخدمه الإنسان لإيصال معلومات وحقائق على شكل صور وإشارات، ومن ثم استخدم الكلمات لطرح أفكار وآراء ونظريات». قصص صامتة ترى الفنانة باتريشا ميلنز التي قدمت عمل «قصص صامتة»، من خلال تركيب أكياس شاي مع بعضها لتعكس فكرة الصامتين، أننا «بحاجة لسماع وتلاوة القصص، بل هي حاجة إنسانية أساسية، فنحن لا يمكن لنا أن نعيش في الصمت، إذ إن الصوت يعكس الصمت ويقود رواية حياتنا نفسها، خصوصاً أن هناك الثقافات الشفهية والكتابية التي تتفاعل مع بعضها وتؤثر في أقصى حدود المعرفة الإنسانية، فإن لم يكن بإمكاننا تبادل وتفسير تجاربنا فسنكون مسجونين»، مضيفة «أعطي اعتباراً للصامتين؛ الأقلية الضعيفة التي لا صوت لها، والتي لديها قصص لاتزال في الأذهان، ولم يتفوه بها أحد بعد». رسائل صديقة عمل الفنانة فاطمة سعيد لوتاه في المعرض العام، هو استمرارية لمشروع «رسائل صديقة»، الذي بدأته في شهر أغسطس الماضي، مع مجموعة من الأشخاص الراغبين في الحصول على رسالة ورقية في ظرف عبر البريد العادي، مضمون تلك الرسائل هي قصص لشخصيات خيالية تعيشها بكل تفاصيلها وتكتبها وترسلها في أظرف ملونة عليها بعض الملصقات. وإكمالاً للمشروع في صيغة العمل الفني، قررت أن تلامس هذه الشخصيات الواقع، بعرض مجموعة من الأغراض الشخصية التي يستعملها البطل في كل قصة كتبت في رسالة، ومن جانب آخر رأت الفنانة أن المعرض فرصة لجمع مجموعة جديدة من الرسائل التي سيكتبها هذه المرة الجمهور. الامارات اليوم