* * * * غيلان الدمشقي – المفكر الثائر لم تنتج التيارات الإسلامية السياسية باختلاف انتماءاتها على مر التاريخ، غير أنواع مختلفة من الاستبداد السياسي، سواء تحت مسمى أصحاب الشوكة (عند السنة) أو الإمام المعصوم (عند الشيعة)، وغيرها من المسميات التي لم يؤد تطبيقها على أرض الواقع إلا إلى إنتاج شكل آخر من أشكال الاستبداد. لكن في خضم الصراع بين هذه التيارات، ظهر تيار آخر يحمل فكرًا مغايرًا تمامًا، تيار حمل راية إعلاء قيمة العقل ودعا إلى تداول السلطة والإصلاح الفكري والسياسي، إلا أن هذا التيار قوبل بالمواجهات العنيفة من أصحاب السلطة، والتي صحبتها اتهامات بالكفر والزندقة. ومن بين هؤلاء كان "معبد الجهني"، الذي انتهى أمره بمقتله على يد "الحجاج بن يوسف" كما أوضحنا في المقال السابق، إلا أن أفكار "معبد" لم تمت معه، وحملها من بعده "غيلان بن مسلم الدمشقي"، أبو مروان، المصري الأصل، والذي يُعرف أيضًا باسم "غيلان القدري". أفكاره: اتبع "غيلان" ما كان قد قرره "معبد الجهني" من قبله من القول بحرية الإنسان في الاختيار، فصار يخالف ما كان الأمويين يروجونه عن عقيدة الجبرية، وهي العقيدة التي تقرر أن جميع أفعالهم، إنما هي أمر الله و قدره، لأن الإنسان لا حول له فيما يصدر عنه من أفعال، فهذه الأفعال مقدرة سلفًا من الله، ومخلوقة لله، مبررين بذلك ظلمهم للناس، ومعفيين أنفسهم من الحساب. غير أن "غيلان" ناقضهم في ذلك حين قرر أن الإنسان مختار، وسوف يُحاسب على اختياره، وأنه خالق لأفعاله، وليس مجبرًا عليها، وتحول هذا القول على يديه إلى نظرية في الحرية الإنسانية تضاد مذهب الجبرية وترد عليه بالأدلة النقلية والعقلية. آراؤه السياسية: وقف "غيلان" في مواجهة النظام الملكي الذي أقره بنو أمية، كما عارض الفكرة السائدة التي تقول بأن الحكم لا يصلح إلا للأمراء من قريش، فأعلن أن الحكم يصلح لكل من كان جديرًا به في الأمة وليس حكرًا على قريش وحدها. كما انتقد نظام البيعة الصوري، الذي يجعل بيعة الخليفة يعقدها نفر قليل من الناس لأحد أمراء البيت الأموي، فاشترط لصحة البيعة حدوث إجماع من الأمة بأكملها، وبذلك جعل الشعب مصدرًا للسلطة، فكأنها كانت أول دعوة للديموقراطية في تاريخ المسلمين. علاقته بالخليفة العادل "عمر بن العزيز": كان "عمر بن العزيز" يخالف "غيلان" في رأيه عن القدر، ودرات بينهما عدة مناقشات حول هذه الأمر، إلا أن "غيلان" استطاع أن يدخل إلى "عمر" من مدخل "العدل إلهي"، ففي إحدى المناقشات بينهما نبه "غيلان" "عمر" إلى خطورة الفكر الجبري، لأنه ينسب الظلم إلى الله، وأن الله بذلك سيحاسب الإنسان على فعله هو (أي فعل الله) وليس على فعل الإنسان، وهو ما يتنافى ما حكمه الله وعدله، فخاطبه في إحدى المرات قائلاً: - هل وجدت يا عمر حكيمًا يعيب ما صنع؟ أو يصنع ما يعيب؟ أو يعذب على ما قضى؟ أو يقضي ما يعذب عليه؟ أم هل وجدت رشيدًا يدعو إلى الهدى ثم يُضِل عنه؟ أم هل وجدت رحيمًا يكلف العباد فوق الطاقة؟ ويعذبهم على الطاعة؟ أم هل وجدت عدلاً يحمل الناس على الظلم والتظالم؟ وهل وجدت صادقًا يحمل الناس على الكذب والتكاذب بينهم؟ كفى ببيان هذا بيانًا، وبالعمى عنه عمى. وهكذا استطاع "غيلان" أن يضع يده في يد "عمر بن العزيز"، رغم ما بينهما من اختلاف في الرأي، وتعاونا معًا خلال فترة حكم "عمر" في إقرار العدل بين الناس. فصاحته وبلاغته: كان "غيلان" فصيحًا وخطيبًا مفوهًا، واشتهر بين الناس بصلاحه وتقواه، وقد دخل يومًا إلى مجلس "عمر بن العزيز" قائلاً: - يا أمير المؤمنين ذقت حلو الدنيا فوجدته مرًا فأسهرت لذلك ليلي وأظمأت له نهاري وكل ذلك حقير في جنب ثواب الله وعقابه. فقال رجل ممن كانوا في المجلس: - ما سمعت بأبلغ من هذا الكلام ولا أنفع منه لسامعه. ومن أقواله أيضًا: - اعرف نفسك وسل عنها الكتاب المنير، سؤال من يحب أن يعلم، وعِلم من يحب أن يعمل، فإن الرب جل ثناؤه لا يعذر بالتعذير والتغرير، ولكن يعذر بالجد والتشمير، ولا تكن كعلماء زمن الهرج، إن وُعُظوا أنفوا، وإن وَعَظوا عنفوا، والله المستعان. وهنا يحث الناس على العمل الجاد، وعدم التواكل، وانتقد فقهاء السلطان، ووصفهم بأنهم "علماء زمن الهرج"، الذين "إذا وُعُظوا أنفوا" أي إذا توجه إليهم أحد بالوعظ أنفوا، أي ترفعوا واستكبروا، و"إذا وَعَظوا عنفوا" أي يقولون كلامًا عنيفًا عندما يعظون الغير، وهذا بالطبع حتى ينهوا الناس عن النظر في المظالم الواقعة، والأمور الجارية، فمن أجل ذلك اندفن الحق أشد اندفان وانكتم أشد انكتام. دوره في رد المظالم: تعاون "غيلان" مع الخليفة "عمر بن عبد العزيز" كما ذكرنا على إقامة العدل بين الرعية، ورد المظالم وإعادة الحقوق إلى أصحابها، فقام "عمر" بتعيينه قائمًا على رد الأموال التي اغتصبها بني أمية دون وجه حق، فوقف "غيلان" في السوق يبيع ممتلكات بني أمية التي صادرها الخليفة حتى يرد ثمنها إلى بيت مال المسلمين، وكان ينادي على بضاعته قائلاً: - تعالوا إلى متاع الخونة، تعالوا إلى متاع الظلمة، من يعذرني ممن يزعم أن هؤلاء كانوا أئمة هدى، وهذا متاعهم والناس يموتون جوعا! ونجح في مهمته وأتمها على أكمل وجه. الصدام مع بني أمية: أثارت هذه السياسات حنق أمراء بني أمية وغضبهم إلى أقصى حد، فحاولوا من جهة التفاوض مع "عمر بن العزيز" حتى يتراجع عن هذه السياسات، إلا أن "عمر" ظل ثابتًا على موقفه، ومن جهة أخرى استخدموا الدين لتكفير "غيلان" وأصحابه من أتباع "القدرية"، حتى يخيفوا الناس من اتباعهم، خشية الوقوع في الكفر، ووصل بهم الأمر إلى اختلاق أحاديث ونسبها كذبًا إلى النبي (ص)، مثل حديث "القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم (أي لا تزوروهم)، وإن ماتوا فلا تشهدوهم (أي لا تشهدوا جنازتهم ولا تسيروا فيها)!" وهو الحديث الذي رواه أبو داود في سننه بالسند التالي: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي. ويكفي في ضعف الحديث، أن أبا حازم "سلمة بن دينار"، لم يدرك "عبد اللّه بن عمر"، وقد روى عنه في مواضع بوسائط، لا يثبت منها شيء (بحوث في الملل والنّحل – ج 1 – الفصل الرابع – صفحة 111 و112). وحديث آخر عجيب غريب، يذكر "غيلان" بالاسم"، يقول نصه: عن عبادة بن الصامت، رضي اللَّه عنه، قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: "يكون في أمتي رجل يقال له غيلان، هو أضر على أمتي من إبليس"!! وهو الحديث الذي ضعفه "البيهقي" حين قال: "تفرد به مروان بن سالم الجزري وكان ضعيفًا في الحديث"!! (دلائل البيهقي 6/ 496) أي أن الراوي أصلاً مشكوك في صدقه!!! وهذا النوع من التلاعب بالدين بالطبع يمثل فصلاً جديدًا من فصول استغلال الدين لصالح الحاكم. ويشاء الله ألاَّ يستمر حكم "عمر بن العزيز" طويلاً، فسرعان ما صعدت روحه إلى بارئها (تشير بعض الروايات إلى أنه قد مات مسمومًا!)، وتولى الخلافة من بعده "يزيد بن عبد الملك"، الذي جاء بأربعين فقيهًا ليشهدوا أن الخليفة ليس عليه حساب ولا عذاب!! ثم انتقلت الخلافة بعد ذلك إلى "هشام بن عبد الملك"، والذي عمل على إلغاء كل قرارات "عمر" وإعادة الأمور إلى سابق عهدها، وقرر تصفية الحساب مع كل من تعاون معهم "عمر" وفي مقدمتهم "غيلان الدمشقي". وكان "هشام" يكن حقدًا دفينًا تجاه "غيلان"؛ ففي زمن "عمر بن العزيز"، مر "هشام" يومًا على "غيلان" وهو في السوق ينادي أثناء بيعه لممتلكات بني أمية المصادرة، ولم تعجبه بالطبع عبارات "غيلان" التي وصفت بني أمية بالخونة، فغضب أشد الغضب، وقال لأتباعه: - هذا يعيبني ويعيب آبائي، والله إن ظفرت به لأقطعن يديه ورجليه. وعندما تولى "هشام" الخلافة، هرب "غيلان" من دمشق، فأرسل "هشام" الجُند في إثره، حتى استطاعوا القبض عليه، وأحضروه إلى دمشق، وأحضر الخليفة الشيخ "الأوزاعي"، عالم الشام الموالي للأمويين، كي يناظر "غيلان"، فقد أراد "هشام" أن يقتل "غيلان" بفتوى دينية تقضي بتكفيره (خاصةً أن غيلان كان معروفًا بالصلاح والتقوى بين الناس)، وهكذا تتحالف السلطة السياسية مع السلطة الدينية للتخلص من الخصوم السياسيين والمفكرين. وكانت المناظرة صورية سخيفة بالطبع، فالتهمة كانت جاهزة ومعدة سلفًا، فما أن انتهت المناظرة حتى صرخ الشيخ: - كافر ورب الكعبة يا أمير المؤمنين. صلبه وقتله: بعد فتوى الشيخ "الأوزاعي"، أخرج الخليفة "غيلان" من سجنه، وصلبه على "باب كيسان" في دمشق، ثم أمر بقطع يديه، ثم رجليه، وتركه معلقًا هكذا على الصليب! ومرت جماعة من أنصار عقيدة "الجبرية" على "غيلان" وهو على الصليب، وقالوا له: "انظر كيف صنع بك ربك"، فالتفت إليهم من فوق الصليب وخاطبهم قائلاً: "لعن الله من فعل بي هذا" فنسب هذا الفعل إليهم، ونزه الله عن مثل هذه الأفعال المنكرة، تعالى الله عما يقولون. وأخذ "غيلان" يخاطب الحاضرين من فوق صليبه قائلا: - قاتلهم الله، كم من حق أماتوه؟ وكم من باطل قد أحيوه؟ وكم من ذليل في دين الله أعزوه؟ وكم من عزيز في دين الله أذلوه؟ وأثارت كلماته تعاطف البعض من الحضور، فبكوا تأثرًا، وخاصةً عندما رأوه على هذا الحال المؤلم، فأحس أنصار الخليفة بالخطر، فذهب إليه بعضهم وأعلموه بخطورة الأمر، وقالوا له: - قطعت يدي غيلان ورجليه وأطلقت لسانه؟ فأمر "هشام" بقطع لسان "غيلان"، فجاءه الجلاد وقال له: - أخرج لسانك فرد "غيلان": - والله لا أُعين على نفسي فكسروا فكيه واستخرجوا لسانه ثم قطعوه، وأخيرًا، صعدت روح "غيلان" إلى بارئها. وهكذا، انتهت حياة هذا المفكر الثائر نهاية مأسوية، وقد ظل طوال حياته يدعو إلى العدالة والحرية والإصلاح، وظلت حكايته ملهمة لمن جاء بعده، سعيًا وراء الحق والعدل والقيم الإنسانية، ومبينة خطوة استغلال الدين لشرعنة الاستبداد والتسلط على العباد. وللحديث بقية... مواضيع متعلقة بص وطل