لا تنتهي محاور الخلافات الأبدية بين الأجيال، فشكاوى الجانبين الشباب والكبار لا تتوقف، هذا يتهم الآخر بعدم مجاراة العصر والآخر يرد باتهامه بأنه يتجاوز المألوف، واستمراراً لهذا الخلاف يؤكد كثير من الشباب أن كلمتهم داخل المنزل غير مسموعة، وبلا قيمة، وأن آراءهم في كثير من القضايا التي تهم الأسرة لا تحترم، ورغم ذلك هناك عدد قليل من الشباب يقتنعون بما يقولون ويجدون احتراماً لكل ما يبدون من آراء بخاصة المتعلقة بشؤون الأسرة وبأفراد العائلة، ومنهم من يرى أن إبداء الآراء يتطلب خبرة ونضجاً لا يتوافران للكثيرين منهم لذلك لا يحرصون على التعبير عن وجهات نظرهم ويفضلون دور المتفرج، في هذا التحقيق نناقش هذه القضية المثيرة للجدل والتي يقع فيها الأبناء ضحية لتسلط الآباء وعدم الاهتمام بما يطرحه الشباب من آراء وأفكار . تقول إيمان حسن طالبة في كلية طب الأسنان في جامعة الشارقة إن الأبناء يظلون صغاراً في نظر الأهل مهما كبروا واتسعت خبراتهم الحياتية لذلك من الصعب جداً أن يصلوا إلى موقع القرار العائلي، مؤكدة أنها حاولت كثيراً في عدد من المواقف المشاركة في النقاشات العائلية، لكنها لم تجد التجاوب المناسب من والدها وأمها، رغم أن عمها يستشيرها في أموره العائلية، ويدفع بأولاده إليها لاستشارتها في الأمور التي يتعرضون لها سواء في مدارسهم أو في القضايا التي يختلفون عليها داخل البيت وتشير إلى أنها تقوم بزيارة بعض المرضى وتقدم لهم العلاج والجميع يتفاءل بها إضافة إلى أن الكثير من زميلاتها في الجامعة يستشيرونها في أمورهم الخاصة، فضلاً عن أنها تحملت مسؤولية نفسها منذ أن التحقت بالتعليم، ورفضت الدروس الخصوصية وأسرتها تفتخر . وتتابع: أصبحت حيادية تجاه أي موضوع تناقشه الأسرة لشعوري بأن الأهل لا يبادرون بسؤالي أو أخذ رأيي في أي أمر عائلي، خصوصاً بما يتعلق بالأمور المهمة لذلك اعتدت الصمت خوفاً من جرح مشاعري وتلفت إلى أنها حالياً لا دخل لها بأي شيء، ولا تقحم نفسها في شؤون الأسرة إلا في حالات قليلة، وعابرة رغم أن تلك الأمور تسبب لها الضيق وتشعر بأنها مهمشة خاصة أن والديها يأخذان رأي شقيقها الأكبر . ويقول أحمد عبدالرحمن بامخرمة طالب جامعي إن السلطة تكون دائماً في أيدي الوالدين لأنهما المسؤولان مباشرة عن إدارة شؤون الأسرة منذ ولادة الأبناء، لكن الأهل أحياناً لا يدركون حجم التغييرات في شخصيات أولادهم، وزيادة وعيهم رغم مرور السنوات وتبقى معاملاتهم أنهم صغار هي التي تتحكم في شكل العلاقة وهو ما يجعل إمكانية المشاركة في اتخاذ القرارات ضعيفة بالنسبة للذكور، في حين تكون منعدمة للفتيات مهما وصلن إلى مراكز مرموقة في حياتهن العملية ويضيف: تمتد الخطوط لتشمل في بعض الأحيان ما يتعلق بمصير الابن أو الابنة باعتبار أن الأهل يؤكدون دائماً أنهم الأكثر استيعاباً للحياة وصعوباتها، والأقدر على اتخاذ السليم، والتوجيه الصحيح، ولفت إلى أنه أصبح لا يشارك في أي حوار داخل الأسرة لإيمانه بأن كل ما يبديه من آراء لا قيمة لها، وأصبح يفضل الصمت الذي يراه قاتلاً لكل الأفكار، التي تولد في عقله لمعالجة المشكلة التي تواجهها أسرته، مشيراً إلى أنه يتمنى أن يؤمن الأهل بأن جيله يمتلك إمكانات وطاقات هائلة . ويتابع: رغم إيمان جيله بأنهم بحاجة إلى التجربة إلا أن ذلك لا يعطي الأهل حق الاهمال على طول الخط، بل أن يدفعوهم إلى المشاركة في الرأي، واتخاذ القرارات ليفهموا الحياة على طبيعتها . ويشير حمد عبدالله الحمادي طالب جامعي إلى أن الأهل يمتلكون الحق في اتخاذ القرارات النهائية، تجاه أي شأن عائلي عام، لكن بعد مشاورات جميع أفراد الأسرة، والتداول في كل الجوانب السلبية والايجابية والاطلاع على رغبات الأبناء بشكل مباشر، لافتاً إلى أنه في كثير من الأحيان يبت الأهل في مسائل عدة تتعلق بمصير العائلة بأكملها، من دون سؤال الأبناء بحجة أنهم يعرفون مسبقاً توجهات الأبناء، ومشاعرهم، ورغباتهم تجاه كل الأمور الحياتية، وسواء كانت آراء الأبناء تتفق مع آرائهم أو تتعارض معها فهم لا يجدون غالباً ضرورة في مشاورة الأبناء ويحتكرون اتخاذ القرارات، وأوضح أنه على المستوى الشخصي لا يحب أن يقحم آراؤه في أمور تتعلق بمصير أحد أفراد العائلة، مثل موضوع زواج أحد أشقائه، وفي الوقت نفسه لا يرفض المساعدة لو طلبها أحد من أفراد الأسرة . وتوضح نورا علي طالبة في المرحلة الثانوية أن أسرتها قررت الانتقال إلى منزل جديد في حي آخر أجمل من المنطقة التي يسكنوها من دون أخذ رأيها هي وأخوتها، ولم يطلب منهم والدهم الذهاب معه قبل الانتقال لرؤية هذا البيت، وفوجئوا به يقرر مرة واحدة أنهم سينتقلون إليه، وعليهم أن يستعدوا وعندما حاولت الاستفسار عن أسباب هذا التغيير المفاجئ، أخبرها أن الأمر لا يخصها هي وأخوتها، وعليهم السمع والطاعة ما دفعها إلى التزام الصمت والخضوع لأوامره . ويؤكد طلال العثمان طالب جامعي أنه من النادر جداً أن يحظى الأبناء بميزة اتخاذ القرار العائلي، وهو يحدث في الغالب وقت غياب الأب، أو حين ترتكز مسؤوليات الأسرة المعيشية والمالية على الأبناء، ما يؤدي إلى تبادل المواقع داخل الأسرة، معتقداً أن هذا التبادل بوجود الأب والأم غير سليم، ولا يجد رغبة حقيقية في الوصول إلى هذا الموقع الحساس والصعب، الذي يحتاج إلى تراكم خبرات هائلة، لأن كل فرد من العائلة تتحدد مسؤولياته بحسب العمر والتجربة والخبرة، لذلك هو مقتنع بشكل كامل بأن اتخاذ القرار من مهمة الوالدين أولاً وأخيراً، لكن تظل هناك أمور حياتية عدة من حق الأبناء المشاركة في وضع حلول لها واتخاذ القرار المناسب مع الأهل فيها مباشرة، مثل الانتقال إلى بلد آخر بحكم عمل الأب في الخارج، وغيرها من الأمور غير القابلة للنقاش أساساً، لكني أشعر بالضيق كثيراً حينما تواجه مطالبي بالصمت، وأشعر بأن من حقي إبداء رأيي بخاصة فيما يتعلق بتغييرات نظام المعيشة في المنزل . وصرت أفضل الصمت من تلقاء نفسي، قبل أن يطلبه مني أحد بخاصة أن تدخلي يتحول إلى محور لمشكلة مفاجئة . ويشير عبدالرحمن محمود طالب جامعي إلى أن إسهام الأبناء في صنع القرار العائلي، تختلف مستوياته بحسب العمر ونوع الدراسة، وقوة الشخصية أيضاً، موضحاً أن الأخ الأكبر دائماً يحظى بنسبة عالية من المشاركة في اتخاذ القرار، سواء كان رأيه صواباً أم خاطئاً . ويتفق مع هذا الطرح هاني زغلول مؤكداً أن شقيقه الأكبر درس القانون وهو اختصاص دعم موقعه بشكل كبير داخل الأسرة فمنحه والده الثقة التامة في كل شيء، في حين يؤكد له أن دراسته للمحاسبة لا تؤهله لإصدار قرار يخص العائلة وهو ما دفعنا إلى التزام الصمت تجاه إقبال شقيقنا الكبير على الزواج، لإيماننا بأن الموضوع خاص به . بعد أن سلمه والدنا كل شيء حتى أمورنا الخاصة لكننا واجهنا قرار والدنا بزواج شقيقنا داخل البيت بالرفض، لكن لم يسمع لنا أحد، وتم الزواج رغماً عنا، ما أدى في النهاية إلى أننا واجهنا عدداً من المشكلات وتبين لوالدنا أننا كنا على صواب لكنه لم يعترف . وتقول سارة العلي إن مشاركة الآباء في صنع القرارات داخل الأسرة له تأثير بالغ في تقوية العلاقات الأسرية، وتأسيس شخصية الأبناء بشكل سليم، لافتة إلى أنها في مرحلة الطفولة كانت معتادة على النقاش في جلسات عائلتها التي كانت تأخذ رأيها في أمور عدة بما يتناسب مع عمرها ومستوى تفكيرها، وهو ما أدى إلى جعلها ذات شخصية قوية إلا أن هذا الأمر لم يجعلها تتجاوز الحدود الطبيعية لسلوكها وقراراتها . مبدأ التشاور يشير د . هاشم سرحان اختصاصي دراسات اجتماعية ونفسية إلى وجود دراسة اجتماعية حديثة تطالب بضرورة اعتماد مبدأ التشاور بين الآباء والأبناء، للوصول إلى قرار، خصوصاً في الأمور التي تمس كل أفراد الأسرة، وأن يكون الإقناع أسلوباً بين الجميع، مؤكداً على أن اعتماد هذا الأسلوب يؤدي إلى عدم التصدع، وحدوث انشقاقات داخل الأسرة، بدلاً من الأسلوب القديم الذي يؤدي إلى جعل كل الأفراد يعيشون غرباء عن بعضهم بعضاَ . ولفت إلى ضرورة عدم تجاهل آراء الأبناء، أو قبول رأي واحد منهم، وتجاهل غيره، لأن ذلك يؤدي إلى ولادة ما يسمى بالكره بينهم، وتكون الأسرة هي الخاسرة في النهاية، مشيراً إلى أن الأعمال العظيمة لم تعد تعتمد على فرد بعينه لكنها تستمر، وتستمد أهميتها من الجماعة، وعلى الآباء أن يعلموا ذلك . وطالب د . سرحان بضرورة تكثيف الدورات الخاصة بتوضيح أهمية مشاركة الأبناء في القرارات الأسرية، بهدف بناء جيل لديه القدرة على اتخاذ القرار السليم .