البلدين مرورا بالفترة الانتقالية وحتي المرحلة الحالية التي يعيشها شعبا البلدين رغم مرور عامين. التطابق الذي يبدو واضحا في الظروف بكل تفاصيلها السياسية والاقتصادية والامنية والاجتماعية وفي النتائج التي افرزتها الانتخابات في البلدين, أمر يدعو للتوقف بالدرس والفحص لمعرفة سره, كونه يجمع بين بلدين العلاقات بينهما طيبة ولكنها ليست بالخصوصية التي تجمع بين مصر ودول اخري كثيرة, تونس هذا البلد الصغير المطل علي المتوسط والمتطلع الي الضفة الشمالية منه حيث جنوب أوروبا وأقربها الي عقل التوانسه فرنسا التي غادرت البلد عسكريا بانتهاء الاحتلال واعلان الاستقلال, لكنها لم تغادره ثقافة, فتعلقت ولاتزال عقولهم بلغة المحتل, واستهوتهم أناقة بلاده فارتبطوا بها فكريا ولغويا, وعلي مر التاريخ, لم يكن من نقاط تلاق ظاهرة تجمع مصر وتونس, الا التشابه في دور كل من الجامع الازهر وجامع الزيتونة, لكن الفن وحده كان الاكثر وصلا بين البلدين, حيث جذبت القاهرة( هوليوود الشرق) عديد التونسيين, واختاروها مقرا لاقامتهم, واعتبروها بلدهم الثاني الذي صقل مواهبهم وقدمهم نجوما في عالم التمثيل والطرب العربي. من هنا يكون التطابق بين البلدين غير ملموس لكنه متأصل وراسخ ومتعمق فكريا ووجدانيا, وليس أدل علي هذا التلاقي الفكري والوجداني, من أنهما خرجا دونما اتفاق علي النظام الحاكم السابق في البلدين, في شهر واحد ونجحا في اسقاطهما, وقدما النموذج للهبة الشعبية السلمية التي تتسق مع موروثهما الفكري لكن البلدين عاشا مخاضا عسيرا علي مدي عامين, وهاهما يخوضان- دونما اتفاق- صراعا مع السلطة الجديدة, بعدما اصطدمت ثورتاهما بإشكالية تبدو مزمنة تهدد مستقبلهما, وهي غموض العلاقة بين الدين والسياسة, وعلي رغم ان الثورة في البلدين جمعت بين السياسي والاسلامي في خندق واحد, الا ان الانتخابات التي تلتها شقت الصف, وفتحت الباب للصراع علي تحديد شكل الدولة, واذا كان في مصر صراع بين القوة المدنية مع الاخوان اصحاب الاغلبية والحكم وشركائهم السلفيين, فالحال كذلك في تونس بين النهضة الحاكم وشركائه السلفيين من جهة والقوة المدنية من جهة اخري, فضلا عن الصراع المحموم الذي بلغ حد التناحر بسبب الدستور الجديد للبلدين واتهام كل طرف بالتعنت والرغبة في فرض سطوته وافكاره, وكما هو معلوم للعامة فان الثورة في البلدين لم تندلع لاسباب دينية, وكانت طليعتها شبابية, اطلقت دعوتها لمحاربة الديكتاتورية التي تسببت في تردي الاوضاع الاقتصادية وانتشار الفساد والمحسوبية وغياب النزاهة والشفافية, وكان شعارها( عيش حرية وعدالة اجتماعية وكرامة انسانية) لقد نالت الثورتان في البلدين شهادات عدة من مراقبين كثر منحتهما تصنيفا متميزا في قائمة ترتيب الثورات العربية لكونهما لم يشهدا ماشهدته ثورات ليبيا واليمن واخيرا سوريا من اقتتال ومواجهات عسكرية دامية. من هنا تبدو الحاجة ملحة الي صوت العقل الان واكثر من اي وقت مضي لنضمن عدم تكرار ماجري في الفترة الاخيرة علي الساحة السياسية في البلدين, فصوت العقل الذي كان واهنا بفعل ضجيج التصريحات والهتافات والاشتباكات في المليونيات المتناحرة التي تقف علي طرفي نقيض, او يقف كل منهما علي شاطئ في انتظار أن يأتيه الآخر طوعا او كرها, حيا او ميتا, بعدما أشهر كل منهما سيفه في وجه الاخر مستحلا دمه في سبيل تحقيق غايته, ليقدما الوجه القبيح الذي كان متواريا في ايام الثورة الاولي باتت الآن الحاجة ملحة وعاجلة لصوت العقل الذي ينبغي ان يدوي محرما دماء ابناء الوطن, ومجرما من يستحلها ايا من كان, وداعيا الي كلمة سواء ينزل عندها كل الفرقاء فيتقدم كل منهما خطوة باتجاه الاخر من أجل التوافق ان كانوا بحق يحبون الوطن ويسعون لنهضته وازدهاره ان صوت العقل هو الذي لابد أن يصدح الان وهو الذي لابد ان تصغي اليه الاذان, فهل نستمع لصوت العقل لنتحاور بموجبه وننبذ العنف والتعصب للرأي والفصيل او الحزب والجماعة, لنحفظ حرمة الدم ونمنع ترويع الآمنين, ولتنطلق بلدانا مصر وتونس الي حيث يجب ان يكونا في الطليعة باعتبارهما شرارة التغيير في الوطن العربي الكبير