لماذا يحدث في تعز ما يحدث؟ منذ عامين وتعز تحترق ناراً ملتهبة تنفثها الصدور الملعونة بالحقد والكراهية للثقافة ، للعلم ، لبوابة الانتقال إلى العصر الجديد.
لم يُرضِ الجليدان، وعوجة، وعفاش وأمثالهم أن تعز شرارة الثورة وحاضنة المستقبل وسفينة عبورنا من حاضرنا المتلبس بماضي السلالة إلى مستقبلنا الحر، المنفتح على كل ألوان الطيف المنبثق عنه كل ألوان قوس قزح الجميل، غابة القلوب الخضراء، الأنهار المتدفقة بالحب و السلام الذي يمتد متفرعاً و متشعباً في كل خمائل وذرات وطني.
مستقبلنا الذي ننتظره بلهفة ونعمل من أجله إلا أنه يُحجب، ويُكبل بفعل رصاصات الحقد وبذور الطائفية، واليمن ما كان أبداً يخضع لهذه المعايير العفنة، لكن ميليشيات الموت لن تقنع إلا بإحراق اليمن بدءاً من تعز. فاليمن فقط ينتظر المستقبل الذي ينبثق من آهات الأمهات، و عذابات الجرحى في تعز وفي كل مكان ومن نور الدماء المسفوكة ظلماً على أرض وطني من دون مبرر، إلا أن الطاغية وعصابته تأبى إلا أن يكون الاستبداد هو المهيمن على حياتنا. لذا هي تصب جام غضبها وحقدها على شرارة الثورة ، وحاضنة الحب، وعنفوان الوطن، وساحة الحرية التي انطلقت منها كلمة و صوت ارحل؛ فعصفت بحلم المتغطرسين، والتوريث، وأدواته، والقبيلة وحرمانها من أن تكون الدولة أداةً لها.
فتعز وغيرها من منطلقات الثورة على ساحة التحرر في وطني ترغب في أن يكون القانون هو وسيلتنا في الحياة، و العدالة غايتنا، والحرية منهجنا، وابتسامات أطفالنا للمستقبل هي بوابة عبورنا نحوه.
لم يرضهم هذا الفعل فكانت محرقة تعز أثناء ثورتنا السلمية في شهر 5/2011 التي تحولت ساحة الثورة فيها إلى أشلاء تَعبُر عليها المجنزرات، و المدرعات، وتحرق بالقنابل، و المدافع، و الدبابات ولم يستثنَ فيها طفلٌ أو امرأة، شابٌ أو مسن، صحيحٌ أو معاق، الكل كان وجبة طعام شهية للحاقدين من أدوات المخلوع في تعز أو غيرها. أثناء ذلك الفعل الإجرامي البشع التقيتُ بأكثر من شخصية من قَدس ، و عمران ، و سامع، وخمر، و الجحملية، و سوق الملح، و شارع جمال في تعز، وشارع هايل في صنعاء.. جميعها تبرر فعل ما حدث فالزعيم ابن اليمن البار لا يستحق أن يجابه بثورة فيها نكران لما أنجز عهده نحو اليمن!
وما أدري ما الذي أنجزه المخلوع وعصابته في اليمن غير وأد آلاف الضحايا أحياء، وترميل الزوجات، و تيتيم الأطفال، وجعل اليمن بؤرة حرب طوال حكمه وحتى الآن بين قبيلة وأخرى، أو عصابة وأخرى ذلك بغرض إشغال الناس عن حقوقهم السياسية، وطموحهم في العيش الكريم.
قد يقول قائل إن منجزات التعليم، و الصحة، و الطرقات، و غيرها من الخدمات من رؤاه وإنجازه.. نقول: إن هذا غير الحق فكل ما حدث من إيجابيات، و منجزات في الوطن من رؤى الرئيس الحمدي رحمه الله، و تمويل الأخوة في الخليج وفي مقدمتهم الكويت والمملكة وغيرها.
انطلاق الشرارة من تعز أيقظ مارد الثورة إذ نفض عنه غبار الزمن، و الظلم وكذا أنعش الحياة في الحلم وبدأ يقوده إلى سراط مستقيم العدالة، و القانون، والمواطنة المتساوية. وهذا لا يروق لعصابة الحوثيفاشي وأدواتها المتخلفة أينما كانت فها هي منذ عامين تحاول شق صدر تعز لتنتزع قلبها النابض بالوطن حباً ولتستعيد هيمنتها على اليمن. لكنها أي تعز صرخت، قاومت، و قاتلت بالكلمة ثم الرصاصة فاندفع كل من يحب اليمن إليها مدافعاً عنها من كل المحافظات إلى جانب الاحرار فيها ليقابلوا العدوان الغاشم عليها منها أو من خارجها، فهُزمت العصابة وستندحر عن تعزواليمن.
تستمر الحرب بأدواتها المختلفة على تعز، قصف عشوائي، تفجير المنازل، المدارس، المساجد، و محاصرتها حتى لا يصل إليها الغذاء والدواء، يهجم الحوثيون متى ما أرادوا على أيٍ من الآمنين في تعز ليختاروه ضحية فيقتلوه أمام أطفاله، وزوجته في أكثر من حالة قبل أن يتناول طعام الغداء ليكون الضحية طعاماً لصدورهم الملتهبة بنار الحقد، و لثعابينهم.. وهم بهذا الفعل يتجاوزون كل أعراف المجتمع وقيمه العظيمة، فانتهكوا حرمات الإنسان في داره و حياته، ولم تعد قوانين المجتمع اليمني و تقاليده تعنيهم، بل صرختهم و مَلؤها بالموت فعلياً لليمنيين هو ما يريدوه ماثلاً أمام أعينهم.
في تعز اعتدي على الأطفال، على النساء صغاراً أو كباراً، على الآمنين فيها إما بالقتل المباشر، و إما بالحصار الجائر. وعندما بدأت تعز تستعيد زمام المبادرة بعد فترة من المقاومة الباسلة لأنها امتلكت إلى جانب الإرادة الإمكانات، و أدوات الدفاع عن النفس، وصلت يدها البطلة إلى كل قاتل و متآمر، وصلت إلى القناص الذي قتل برصاصته المرأة وهي تحمل طفلها، بائع الخضار، و الورد، المصلي وهو في طريقه إلى المسجد، سائق الباص وهو يقوم على خدمة العامة، العامل، الفلاح، الطالب وهو في طريقه إلى مدرسته، المعلم وبيده الطبشورة يخط بها الوعي المستنير حباً لمستقبل اليمن الجميل، هذا المعلم من تعز قُتل في صعدة، في عمران، في تعز، وفي كل مكان وهو يقاوم الرصاصة بكتابته على السبورة : "اليمن فوق كل السلالات ، والمناطق". وهو في ذلك يلعن كل العمالات التي كانت سبباً وأداة رئيسة في تدمير اليمن بغرض تمرير أجندات لا علاقة لها بنا ولا بتاريخنا، و لا بأحلامنا بل غرضها استعادة اليمن من الحرية إلى الاستعمار الفارسي القديم الجديد، و لإرواء ظمأ الملعونين من دماء اليمنيين.
حينما عوقب القناص بعد أن أكل من لحم اليمنيين في تعز كثيراً وارتوى من دمائهم ومزق أجساد أطفالنا، و فجر بقذائفه رؤوساً كان هدفها أن تنتشله من حقده، حينما عوقب هذا القناص قامت الدنيا ولم تقعد، زُلزلت الأرض وأخرجت أثقالها بالنكف لأن المرشد في الكهف أوحى لها وأباح لها الثأر للقناص من كل تعز و من اليمن.
هنا لابد من الإشارة أن تضخيم بعض الأحداث وعبرها إطلاق الفتاوى بقتل اليمنيين بمرجعية طائفية، و قبلية سيُوغل في الجرح، و يعمق الشرخ في المجتمع، و يمد الحقد بأسباب استمراره.
النكف في وطننا وسيلة لنصرة المظلوم ، و دفع الظالم عن قبحه، و إرجاعه عن غيه لتستقيم الحياة، وتعود الأمور إلى نصابها، و ينضبط المجتمع في علاقته عبر ما تعارف عليه والتف حوله، ولكن عصابة الحوثيفاشي نراها اليوم تقلب الموازين وتعبث بقوانين المجتمع وأعرافه فتسيئ استخدامها والاستناد إليها، و الأكثر فظاعة من ذلك هم أولئك الأغبياء الذين يستجيبون لها لقتال اليمنيين.
نناشد هنا كل من يظن أنه يمني من المُغرر به مع عصابة الحوثيفاشي في قتال إخوانه عليه أن يراجع حساباته ويسأل آباءه و أجداده إن كانوا ما يزالون حاضرين، وتحضرهم تقاليد مجتمعهم وإن كان قد اندثر وعيهم حول هذا الأمر فليراجعوا انتماءهم للإنسانية و الوطن، فيما يصدر عنه من أفعال مُشينة تتناقض تماماً مع ثقافتنا وتاريخنا وقيمنا العظيمة.
أما تعز ستنجز لنا ما نريد لأنها بوابة نصرنا، وأداة تحقيق الحلم في استعادة دولتنا، و إعادة اليمن من بين مخالب العصابة وقانون الغاب إلى رحابة الإنسانية والدولة المدنية التي تعترف بنا جميعاً على معيار المواطنة وما تتضمنه هذه الكلمة من واجبات نحو الوطن، ومن حقوق يجب أن يتمتع بها على أرض الحبيبة اليمن كل من يعمل جاداً على إعلاء مصلحة الوطن فوق كل مصلحة. عاشت تعز، والمقاومة، والجيش الوطني في كل مكان..