حملة إعلامية تطالب بإعادة فتح نقيل ثرة في أبين    البنك الدولي يعتزم توحيد إيصال المساعدات المالية عبر البنك المركزي لتعزير العملة الوطنية    الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي يعلق على تصريحات رئيس فرنسا المثيرة للجدل عن الإسلام والمسلمين    تجدد المعارك الدامية شرق صنعاء وعشرات القتلى والجرجى في صفوف المليشيات الحوثية وهذه آخر التطورات من خط المواجهة    جثث مختطفين مدنيين أم جثث مجهولة ... مطالبات حقوقية بالتحقيق بشأن القبور الجماعية قبل طمس الحوثيين للأدلة    للبيع: شقة في برج في شارع حدة    أهالي الحديدة يعانون من إقامة جبرية تحت حكم ميليشيا الحوثي (تفاصيل)    "المشاقر"... مبادرة يمنية لتجديد الأغنية التراثية    الصحة العالمية : الأشهر المقبلة ستكون صعبة للغاية    مصدر في الجيش : تلقينا توجيهات بوقف دائم لإطلاق النار في ابين    وكيل محافظة أبين " الجحماء " يعزي بوفاة نائب مدير مكتب القائد الأعلى للقوات المسلحة اللواء ركن منصور العويني    تربويون يمنيون ينتقدون بدء المدارس دون احتراز من «كورونا»    الأمم المتحدة في عيدها UN75 هل توقف الحرب في اليمن .. مناشدة    تعرف على أسعار الصرف صباح اليوم السبت بعدن    شباب روكب يحجز المقعد الأول في نهائي كاس بلقيس وينتظر الفائز من مواجهة السبت    تسجيل رقم قياسي جديد لإصابات كورونا في أمريكا    تردي الخدمات في الحديدة يرفع منسوب السخط الشعبي ضد الحوثيين    خبراء يكشفون تأثيرات نوع الأكل وتوقيته على النوم    عقب َالتطورات الخطيرة في خط دفاع قوات الشرعية.. خطأ قاتل ارتكبه الحوثيون قبل قليل في مأرب ( والنتيجة مروعة )    هام.. الجوازات السعودية تحدد مدة صلاحية تأشيرة الخروج والعودة.. وتوضح طريقة حسابها    الخليدي بطلاً لبطولة السنوكر بتعز    وزارة التربية تصدر تعميم هام وتحدد أسعار تطبيق « علمني »..وثيقة    منها زواج زوجته برجل آخر ...شقيق أسير سعودي يكشف ماجرى لشقيقه المفرج عنه من سجون الحوثي    بُكآء الحسرة    إلهام شاهين: مابعترفش بمسمى سينما المرأة    في ذكرى .. يوم وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم    عدن: انتشار واسع لمليشيا الانتقالي في المدينة.. ومصادر تكشف عن الأسباب    شاهد.. وفاة أخطر ساحر بأمريكا والكشف عن اخطر المعلومات عنه    شباب كابوتا يتوج بطلاً للذكرى الرابعة للشهيد وجدي الشاجري .    باعويضان : راديو الأمل FM كشفت للسلطات بحضرموت عن اذاعة مجهولة المصدر تبث بصورة غيره غير قانونية    مدير مصلحة الهجرة والجوازات بتعز : ينفي اصدار هذا القرار ويؤكد انهم يمثلوا الشرعية    الحوثيّون وخصخصة النّبي!    وفيات كورونا في أمريكا تتجاوز 222 ألفا    حكومة يمنية أخيرة!    أميركيون يحسمون قرارهم بعد المناظرة الثانية    توقف عداد كورونا في اليمن.. والحكومة الشرعية تكشف آخر احصائيات انتشار الوباء    لصوص لكن مبدعون !!    محافظ شبوة يشكل لجنة تحقيق وتقصي حول ما أثير إعلاميا بخصوص بيع حصة المحافظة من المشتقات النفطية في المكلا ويشدد على نشر نتائج التحقيق في وسائل الإعلام.    قوات الجيش والمقاومة تكبد مليشيا الحوثي خسائر كبيرة جنوب غرب مأرب    الهند تتعاطف مع اليمن والسفير غوبر يكشف عن القيود المخففة للطلاب والمرضى تحديدا    ميسي يوجه رسالة ل رونالدو    شباب البرج يكتسح شباب الغازية برباعية في الدوري اللبناني    كومان أفضل لاعب في الاسبوع الاول من دوري ابطال اوروبا    تعرف على ما يستورده السعوديون من تركيا.. ؟    غيابات واستدعاء لنجوم.. قائمة برشلونة ضد ريال مدريد في الكلاسيكو    بعد الأغنية الصنعانية..استكمال إجراءات تسجيل "الدان الحضرمي" في لائحة اليونسكو للتراث العالمي    وزير التخطيط يلتقي المدير التنفيذي لمجموعة البنك الدولي    نجم "شباب البومب" يدخل العناية المركزة .. وصحفي يكشف تجاهل زملائه الفنانين لحالته    تعز: لجنة الغذاء تقر إغلاق المحلات المخالفة لأسعار وأوزان الخبز    230 ألف فارق في قيمة الريال بين صنعاء وعدن أمام الدولار.. آخر تحديثات أسعار الصرف صباح اليوم    أسعار الخضروات تعاود الارتفاع.. مقارنة لسعر الكيلو الواحد في صنعاء وعدن    لم تمر 10 أيام على زواجهما.. عروس تشنق زوجها أثناء نومه والسبب صادم    علماء يحذرون الجميع من كارثة طبيعية مزلزلة ومرعبه على وشك الحدوث.. ويعلنوها بكل صراحة 2020 لن يمر بسلام.. وهذا ما سيحدث؟    مواعيد رحلات طيران اليمنية ليوم الجمعة 23 اكتوبر 2020م    عفوا رسول الله.. كيف بمن يحتفل بك والناس بلا مرتبات جياع بلا غذاء ولا صحة ولا تعليم ولا مأمن؟    اتفاقيةُ أبراهام التاريخيةُ تصححُ الخطأَ النبويِ في خيبرَ    وأشرقت الأرض بنور نبيها    الحرب في اليمن: قصر سيئون المبني من الطوب اللبن "مهدد بالانهيار"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





فصل «الجين» عن السياسة
نشر في المشهد اليمني يوم 22 - 06 - 2017

وقف الصحافي الإسرائيلي أفيشاي بن حاييم أمام العضو العربي في الكنيست الإسرائيلي عيساوي فريج، متفاخراً ب«جيناته اليهودية المقدسة» التي لسوء حظ فريج أنه لم يتحصل عليها، وقف مؤكداً أن هذه الجينات مهمة لأنها تميز «من هم أحفاد إبراهيم الذين من حقهم ملكية هذه البلاد (فلسطين)».
الكاتب اليساري الإسرائيلي ب. ميخائيل، أشار- في مقال له في «هآرتس» يرد فيه على بن حاييم- إلى بحث لعالم الجينات البريطاني المختص بدراسة «الجين الأمومي» البروفيسور مارتن ريتشاردز نُشر في 2013 عن «الجينات الأمومية لليهود»، وهي التي تنتقل للسلالات من الأمهات، وهي الدليل الوحيد على «يهودية اليهود»، حيث يعتبر «اليهودي من يتحدر من أم- وليس من أب- يهودي».
المفاجأة الصاعقة لليهود «الأشكناز» كانت أن أكثر من 80% من «الجينات الأمومية» عند اليهود «الأشكيناز»، جاءت من أمهات أوروبيات بيضاوات غير يهوديات، وهو ما يعني أن «الأشكناز» غير يهود.
يعلق ميخائيل ساخراً: يا للمفاجأة، لسنا يهوداً، وعلينا أن نتهود من جديد!
«الجينات المقدسة» خرافة كبيرة، ورغم ذلك فإن الاعتداد بها موجود في كل الثقافات، ولدى معظم الأجناس. وقد قادت إلى حروب مدمرة على طول فترات التاريخ البشري. وكان هتلر يعتقد ب»قداسة ونقاء الجينات الآرية»، في تجسداتها الألمانية، وهو متأثر ب«نيتشة»، ونظريات «السوبرمان» القائمة على أساس مفهوم «النقاء العرقي» الذي ساد في القرن الثامن عشر الميلادي، قبل أن تحل محله المفاهيم الحديثة القائمة على أفضلية «الجنس المختلط»، التي يعبر عنها الأوروبي البسيط اليوم عندما يقف متفاخراً، ويحدثك عن «شجرة العائلة» التي تختلط فيها الدماء الأوروبية بالإفريقية والآسيوية وغيرها.
وهذه النظرية الحديثة نسبياً هي السبب وراء ترك أوروبا التفاخر العصبوي ب»الجينات الجنسية/الوراثية»، إلى الاعتداد الذهني ب«الجينات الثقافية/الحضارية»، أو ما يسميه الفيلسوف وعالم الأحياء البريطاني ريتشارد دوكنز بال«ميمات MEMES»، وهي عوامل «انتقال الخصائص الثقافية عبر الأجيال بوسائط غير جينية»، على عكس «الجينات» التي تعد «حوامل انتقال الخصائص العرقية عبر الأجيال». ومن هنا جاءت القفزة الحضارية الكبرى للأوروبيين، بانتقالهم من طور «الاعتداد الجيني» في بعده العرقي إلى طور «الاعتداد الميمي» في أبعاده الثقافية، رغم بروز تيارات من اليمين الأوروبي الشعبوي تحاول اليوم إحياء «أوروبا الجينية» القديمة على حساب «أوروبا الميمية» الحديثة.
أما العرب فإنهم لا يزالون عند طور «الاعتداد الجيني»، ويلزمهم الكثير للوصول إلى مرحلة «الاعتداد الميمي». وما حروبهم البينية الكثيرة إلا انعكاس مرضي لأعراض التفكير الجيني المتأصل لديهم، الذي لا يزال يتحكم في سلوكياتهم الثقافية والسياسية والاجتماعية.
الباعث على الأسى والسخرية- كما ذكرنا- أن «الجين المقدس» الذي قامات بسببه الحروب ما هو إلا أكذوبة كبرى، وخرافة غير موجودة إلا في مخيلة جماعات أصولية دينية وقومية، حسب علم الجينات الحديث نسبياً. ومؤخراً، نشرت مجلة «ناشيونال جيوغرافك» دراسة ضمن مشروع كبير عرف ب»جينوغرافيك بروجيكت» أثبتت- مثلاً- أن أكثر من نصف الإيرانيين الذين يعتدون بعروقهم «الهندو- آرية» الفارسية، يرجعون لأصول عربية. فيما لم يثبت وجود «سلالة واحدة لليهود»، بل ثبت أنهم توزعوا على سلالات مختلفة، ما يدل على تعدد أجناسهم وأعراقهم، وهو خلاف ما قامت عليه الديانة اليهودية والفلسفة الصهيونية المعاصرة.
وعلى الصعيد العربي أثبتت دراسات أخرى مفاجآت أخرى، ونسفت وجود «سلالة هاشمية نقية» تعود إلى أصل واحد. وبناء على فحوصات للأحماض النووية لبعض السلالات العربية الهاشمية، ثبت جينياً عدم رجوعها جميعاً إلى أصل سلالي واحد، بفعل عوامل كثيرة منها تغيير بعض الهاشميين أسماءهم على مدى تاريخهم، نظراً لما مروا به من اضطهاد، وبفعل ادعاء بعض الأسر والقبائل ل»النسب النبوي» لغرض أو لآخر، وبفعل الهجرات ودخول بعض القبائل في بعضها والانتماء إلى غير أصولها مع مرور الزمن، وكذا بفعل علاقات التحالف القبلي العربي التي كانت سائدة لدى القبائل العربية، وغير ذلك مما يمكن فهمه لدى علماء الأجناس البشرية.
كل تلك الشواهد والأمثلة عن السلالات البشرية المختلفة تثبت أن «العنصر النقي/السلالة النقية» خرافة، وأن الأجناس البشرية اختلطت أصولها بفعل عوامل كثيرة تفصلها الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة.
وبقي السؤال المهم الذي يطرح نفسه، وهو: لماذا إصرار المجموعات والسلالات البشرية المختلفة على وهم «الجين المقدس»، على الرغم من أنه خرافة؟ يمكن اختصار الإجابة على هذا السؤال بإجابة بسيطة تتمثل في سعي المجموعات البشرية المختلفة للاستيلاء على السلطة والثروة. وأقرب وسائل الوصول إليهما تقوم على الخرافة، إذ لا شيء أكثر فاعلية من «الوهم والخرافة» للتحكم بالناس والاستيلاء على أراضيهم وثوراتهم. ولذا يلحظ أنه كلما قطعت المجتمعات البشرية شوطاً على طريق الديمقراطية والتبادل السلمي للسلطة، تلاشى التعلق بأوهام «التميز الجيني» السائد لدى مجتمعات ما زالت تحكمها أنظمة ديكتاتورية شمولية.
وعلى مدار الزمن كان المغامرون من الحكام الذين حكموا في أوروبا والبلاد العربية يقهرون الناس باختراع خرافات معينة حول قدراتهم الخارقة، وانتمائهم إلى أصول مقدسة، وكان بعض الحكام يتوصل إلى السيطرة على أراضي الناس وثرواتهم بادعاء الانتماء إلى أصول نبوية، حسب خريطة جينية، سقطت تماما أمام الدراسات العلمية الحديثة، بل إن بعض الحكام لدى الثقافات القديمة كان ينتسب إلى الآلهة لتسهل عليه عملية السيطرة على الناس والتصرف بثرواتهم، كما هو الشأن لدى الإغريق وقدماء المصريين والهنود.
ما هو المطلوب إذن؟
المطلوب «فصل الجين عن السياسة». وتحت هذا التنميط يمكن القول إن تقدم المجتمعات على طريق الديمقراطية، والتنافس السياسي على أساس برامج مدنية معيشية للناس، يمكن أن يتم إذا ما فصل «الجين» عن السياسة، وهذا سيقضي على طموحات المغامرين السياسيين في استغفال العامة والوصول إلى السلطة باسم «الجين المقدس»، أو «العرق النقي»، أو «الدماء النبوية»، أو «دماء الآلهة». وهنا لن يكون أمام الجماعات الثيوقراطية الدينية إلا الرضوخ للمنطق الديمقراطي في ضرورة اقناع الجمهور بجدوى «البرنامج السياسي» للمرشح، لا بنقاء «جيناته المقدسة» التي ثبت علمياً أنها خرافة لا تقل سطحية عن خرافة الحقوق المترتبة على هذه الجينات، مثل السيطرة على «أرض وعد الله إبراهيم أن يكتبها عقاراً لذريته من اليهود إلى أبد الآبدين»، أو الوصية ب«ملك وعد الله محمداً أن يجعله في ذريته من الهاشميين إلى يوم الدين».
ولو تأملنا التاريخ البشري لوجدنا أن معظم الحروب التي حصلت- كما ذُكر- وإن كانت بدواعي السيطرة على السلطة والثروة، إلا أن من يثيرونها لا يجرؤون على القول إنهم فجروها بسبب طمعهم في أموال الناس وأراضيهم، ولكنهم على مر التاريخ لجأوا إلى حكايات «الجين المقدس»، و»العنصر النقي»، لإيهام الناس بأحقيتهم في ذلك، ومن هنا جاءت التقسيمات العنصرية للأمم والشعوب على أساس «عرقي جيني» لا «حضاري ميمي» على حد تعبير دوكنز. ذلك أنه في النقطة التي يلتقي فيها «الجين المقدس» بالطموح السياسي للفرد، تتجسد فكرة «القومية الشوفينية»، و»العنصرية العرقية» التي كانت من أهم أسباب الحروب الكبرى في التاريخ البشري.
إن الحكام الذين فشلوا في تقديم منجز حضاري: اقتصادي أو ثقافي لشعوبهم هم أولئك الذين بثوا لهذه الشعوب دعايات دينية تمجد الجينات التي يتوهمون أو يوهمون شعوبهم أنهم ينتمون إليها، والحكام الذين تملكهم إحساس بالفشل في أن يكونوا هم «أصولاً طيبة» لفروعهم القادمة المنتمية إليهم عادوا للتاريخ للبحث عن «أصول مقدسة» يزعمون لشعوبهم أنهم ينتمون إليها، وقد رأينا كثيراً من الحكام جاءوا من مناطق بعيدة وادعوا لأهل الأرض الجديدة التي نزلوا بها انتساباً لأسماء تاريخية كبيرة، من أجل أن تسهل عمليات السيطرة على أبناء تلك المناطق، إذ لم يستطع هؤلاء الحكام السيطرة بقوة العدل والخير، فلجأوا إلى الخرافة لسرقة ثروات الشعوب بدلا من حكمها بالعدل والبناء والتنمية.
أخيراً: يمكن أن نصل إلى الدولة المدنية الديمقراطية المنشودة لدى كل شعوب المنطقة بعملية فصل كاملة ل»الجيني» عن «السياسي»، وهنا سيصل إلى السلطة من يخدم الناس ببرامج عمل سياسية واقتصادية، لا من يكذب عليهم أن الله جعل السلطة في جيناته الوراثية، حسب مقولات دينية قروسطية لا تزال للأسف تعمل عملها في أنماط تفكير الكثير من جماهير بلاد الشرق العجيب.
وعند هذه اللحظة ستبطل مقولة الصحافي الإسرائيلي افيشاي بن حاييم الذي قال إن «للجينات معاني سياسية كثيرة»، ومقولة بدرالدين الحوثي الذي قال «إن اهل البيت أولى بالإمامة لأنهم أقدر من غيرهم على هذا الأمر».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.