الهجوم الرابع خلال 24 ساعة ... بيان عاجل من تحالف دعم الشرعية صباح اليوم    منتخب تونس يطيح بالمنتخب المغربي ويتأهل لأول مرة في تاريخه للدور نصف النهائي    رئيس "الفيفا" يختتم جولته الأفريقية    الوحدة التنفيذية تصدر بياناً حول الانتهاكات الحوثية بحق النازحين بمأرب وتطالب بتدخل دولي    اشتداد المعارك بمأرب وأنباء عن سقوط عشرات القتلى    الحكومة الشرعية تكشف عن تطورات خطيرة بشأن خزان صافر    اليونسيف : مجموعة من العوامل أدت الى تفاقم الوضع المزري لأطفال اليمن    مدير عام أمن محافظة أبين يبعث برقية عزاء ومواساة لآل العميسي في وفاة اخيهم الشيخ عوض ناصر بن محمد العميسي    اليمن: الصحة العالمية تعلن وفاة 116 شخصاً واصابة 1425 بمرض الدفتيريا في اليمن    فريق تلال الوادي يتغلب على تجمع الحكمة بهدفين نظيفين في بطولة العاسلي والعجلاني بيافع رصُد    الطيران الحربي الأمريكي يشن أعنف هجوم على مليشيات إيرانية في المنطقة    تعرف على أسعار الصرف صباح اليوم السبت بعدن وصنعاء    يوميات مثقف    الشعب السعودي يخرج من صمته ويقول كلمته في التقرير الأمريكي بشأن "خاشقجي"    شاهد بالصور .. الدماء تجبر مدرب برشلونة عن عدم استكمال المؤتمر الصحفي    جريمة بشعة في تعز.. ابن يقتل أمه بمساعدة أبيه    الذهب في أدنى مستوى له بالعالم منذ 8 أشهر ... وهذه هي الأسعار في الأسواق اليمنية ليومنا هذا    عودت امرؤ القيس    شاهد بالفيديو .. جورجينا تعترف بخيانة كريستيانو رونالدو    مقارنة لأسعار الفواكه والخضروات للكيلو الواحد بين صنعاء وعدن اليوم السبت    وزير الإعلام : يكشف طريقة تحدي المليشيات الحوثية لقرارات مجلس الأمن الدولي    منهم يمنيين ... القبض على خمسة أشخاص ارتكبوا عددًا من جرائم السرقة في مدينة الرياض    بيان للخارجية الامريكية بشأن انهاء حرب اليمن    الاستخبارات الامريكية تكشف أسرار قتل خاشقجي    تعرف على الطقس المتوقع خلال اليوم في مختلف المناطق اليمنية    لهذا السبب.. بعض سلالات فيروس كورونا أكثر عدوى من غيرها؟    رئيس الوزراء يجري اتصال هاتفي بوزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان العامة    آليات عسكرية حديثة ومئات المقاتلين.. تعزيزات عسكرية ضاربة تصل مأرب وتدخل خطوط المواجهات    شاهد فيديو.. بكى فيها كأنه لم يبك من قبل.. نجل الزعيم "عادل إمام" يكشف عن الليلة الأصعب في حياة والدة والسبب!!    مشهد يحبس الأنفاس..أم تنقذ أطفالها من موت محقق بطريقة لا تخطر على بال (شاهد)    آن أوان السلام    رائد طه الرحيل المبكر وألم الفقد    وزير بالحكومة الشرعية : ستنتصر مأرب ولن تطئ قدم الكهنوت ترابها    هبوط جماعي بأسهم البورصة الأمريكية بختام تعاملات الجمعة    فيروس كورونا يتسبب في إغلاق احدى المدارس في عدن    لماذا تصدر الرئتان أصوات صفير؟!    الوحدة التنفيذية: مليونان و231 ألف نازح في مأرب تحت تهديد الحوثيين    ربمونتادا تقود فريق حافة حسين للدور الثاني من بطولة شهداء الوحش    متى ستتنطق الحكومة لصرف رواتب العسكريين؟    الجنوب بين طموح بناء الدولة وصد المت0مرون    ابتكار خريطة جديدة للعالم    انفجارات عنيفة ومتتالية تهز مدينة مأرب (تفاصيل)    برعاية شركة عدن للصرافة .. مواجهات نارية في الدور الثاني لبطولة شهداء الوحش    في ختام تأهيل وترميم مدرسة الجلاء بمديرية خور مكسر... تكريم مبادرة " كن إنسان ".    حلقة نقاشية تنظمها "مؤسسة وجود " بعنوان " المسئولة الاجتماعية ودور الإعلام .    طبيب سعودي يوضح حقيقة وفاة الفنان مشاري البلام بسبب تطعيم كورونا.. ويكشف عن احتمالين    تعرف على نتائج قرعة ثمن نهائي بطولة الدوري الأوروبي    صنعاء.. مسيرة حاشدة تندّد باستمرار الحصار    الكشف عن موعد دخول شهر رمضان ويوم عيد الفطر    إمام المسجد النبوي يدعو الى ضرورة الاستفادة من "دواء النسيان"    بالتزامن مع مطالبات برفع العقوبات.. مجلس الأمن يوجه صفعة ل أحمد علي ويضيف اسم قيادي حوثي الى القائمة    دعوة للعمل !!    وفاة ممثل كويتي شهير عن عمر 49 سنة (صورة)    ضبط بعض القطع الأثرية المنهوبة في تعز    تعرض قيادي في الانتقالي لهجوم أثناء حضوره جنازة فنان عدني    بعد عرض تمثال حميري باسم امير قطري.. غضب واستنكار يمني واسع    فلكيا.. هذا هو أول أيام شهر رمضان المبارك    هيئة الزكاة السعودية توجه تحذيرا للمواطنين السعوديين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





فنجال قهوة مع الراعية
نشر في المشهد اليمني يوم 28 - 01 - 2021

هناك على الشاطيء الغربي للمحيط الأطلسي، على صخرة ناتئة تتحطم تحتها الأمواج والأفكار والتواريخ، جلست، صوَّبت طرفي جهة الشرق. قلت في نفسي لعل الراعية هذه الليلة تلمع مع نجمة الشرق التي لا تزال تشق الليل في هذه المدينة الملتفة باللهو والضياع والضباب.
ألتفتُّ إلى العدوة القصوى من البحر، كانت أغنام خضراء كثيرة تسير في مواكب عظيمة تجاه الماء، يقودها كبشان أملحان، وقد بدأت شماطيط من السحاب تتآلف لتشكل عريشة من الماء والضوء معلقة بين السماء والأرض.
قلت: كوني الراعية. قالت حمامة عابرة: هيئ نفسك. قلت: أهيَ هي؟ قالت: هل ترى ذلك البساط الأخضر. قلت: نعم. قالت: أغمض عينيك. أغمضت عينيَّ. قالت: افتح. فتحت: فرأيتها خارجة من بين ضلوعي.
قالت قبل أن أتفوه ببنت شفة: إياك أن تتوقع متى وأين. قلت: هكذا أنت أيتها الخارجة من القصائد والأعشاب.
قالت وقد تألق وجهها: هأنت كعادتك حزين. يا بني، كم مرة قلت لك: الشباب والحزن لا يلتقيان. علام تستعجل الحزن وهو آت في وقته. قلت: قد جاء وقته يا سيدة المراعي ليلة أن رحلت إلى الغيوم البعيدة.
ضحكت وقالت: أما إنك لو علمت لجمعت كل الرعاة من بعدي، وأدرتَ عليهم قهوتي ابتهاجاً بذلك المساء العظيم.
قلت: سيدتي، لقد أشكل كلامك عليَّ حتى أني أقبله لا لأني أفهمه، ولكن لأنه صادر منك. قالت: يا بنيَّ، هناك كلمات لا تفهمها عندما تسمعها، ولكنك تفهمها عندما تعيشها، وسوف تعيش كلماتي عما قريب فلا تعجل.
والآن دعك من هذا، وقل لي لم أنت هنا على هذا الشاطيء الغربي؟ ومن تلك الفتاة الأيرلندية على تلك الصخرة القريبة؟ ضحكتُ وقلت: وكيف عرفت أنها أيرلندية؟ قالت: يشبهون العرب وإن كانوا من بني الأصفر. ضحكت أكثر لعبارة "بني الأصفر"، وقلت على الفور: صدقيني أيتها المتربعة على عروش المراعي والقلوب، لم يدع حبك فراغاً لصفراء أو حمراء. قالت: لا تظن أنني أخاف أن تميل إلى غيري، إنما أخشى عليك إن تعلقت بغيري ألا تصل مرعاي. والآن حدثني: لم أنت حزين؟
قلت: سيدتي، لقد جئت إلى هذا الشاطيء في هذا المساء، في تلك المدينة الرابضة على أحلامها، أبحث عن كأس من الفرح، أريد أن أرى قطعاً مثلجة من البهجة تتخلل أوردتي وتبعث في فرحاً أبدياً، على الرغم من أن كل ما فيَّ لا يدعو إلى الفرح: مضارب أهلي لم تعرف إلا البكاء على أطلال الذاهبين وراء السراب، ونساء قبيلتي يلطمن خدودهن منذ مأساة الحسين، حتى القصائد فوق الرمال لا يفوح شذاها إلا عندما تجري دموعاً في أخاديد الأطلال المنسية.
آه أيتها المتربعة على عروش العشب، كيف لي أن أقطر ليلة خالصة من الشوائب في زمن مثقل بالدموع، مرصع بالهزائم.
قالت: ما أثقل قلبك هذا المساء! قل لي: لم أنت حزين؟
قلت: قبيلتي. قالت: ما وراءها؟ وما لك ولها وقد جعل الله بينك وبينها محيطات وقارات وملايين من الناس.
قلت: تلاحقني عبس وذبيان على ضفاف التايمز، وعندما أهرب إلى الشاطيء الغربي، أجد بكراً وتغلب يجوسون خلال الماء بحثاً عن بعير ضال، ويروعني المشهد فأهرب إلى تلك الصخرة، وهأنت ترين العلويين والأمويين أمامنا يصطفون فريقين: واحد يرفع قميص عثمان والآخر يرفع دم الحسين، والروم بينهما يرفعون الأناجيل على أسنة الرماح، انظري هاهي قريش أمامك تسفك دماءها على ضفاف النهر وسط تشجيع جماهير ليفربول ومنشستر يونايتد، فهل الخطأ خطأ الجماهير المشجعة، أو أنه خطأ الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، كل حزب بما لديهم فرحون؟
آه يا سيدتي، ما أشقاني بثارات عبس وذبيان، وبكر وتغلب، ما أتعسني بثارات قريش.
أين أذهب يا أماه من قميص عثمان ودم الحسين، ألا ترين نظرات السخرية المنسربة من بين أهداب تلك الأيرلندية التي تقرأ جيمس جويس الذي صرخ يوماً أنه لم يجد الله في الكنيسة.
قالت وقد رأيت منها جداً وهيبة: يا بنيَّ، الحق أقول، إن الذين يرفعون قميص عثمان لم يرفعوه إلا لكي يصلوا إلى دمشق،و الذين يرفعون دم الحسين لم يرفعوه إلا لكي يصلوا إلى بغداد. لقد رُفع دم الحسين من قِبل قوم وصلوا به إلى بغداد، وبعد أن أوصلهم إلى ضفاف الرصافة ارتدوا عليه ودحرجوا رأس العراق هناك في صحراء كربلاء. والشيء ذاته فعله من رفعوا قميص عثمان.
يا بني: لقد أرسل الله الأنبياء للناس فقتلوهم، ثم افتخروا بالانتساب إليهم، تماماً كما قتلتم الحسين وافتخرتم بثورته وقمتم بعده تخمشون وجوهكم حزناً عليه. يا بني: جاءت الأديان لتصلوا بها إلى الله، ولكنكم وصلتم بها إلى السلطان، الأديان في شعاراتكم غايات ولكنها في ممارساتكم مجرد وسائل لتحقيق غايات أخرى.
قلت: ولكن كل فريق مقتنع بما لديه. قالت: هذا ما يظهر لك، وقد كذبوا، لو اقتنعوا أن ما لديهم غايات لما اتخذوها وسائل. هم يكذبون ويعرفون أنهم يكذبون. إنهم إنما يخدعونكم أنتم الذاهبين وراءهم للقاء عثمان والحسين.
قلت: وهؤلاء الذين يقولون إن معهم من الله عهداً أو ميثاقاً. قالت: كذبوا. إن الله لا يقطع عهداً للخائنين.
يا بني: قال قوم إن الله قد عهد إليهم ب "الأرض المقدسة" إلى يوم الدين، وهذا افتراء على الله لا يشبهه إلا افتراء آخرين أن الله أوصى لهم ب"الإمامة" إلى يوم الدين. يا بني إن الله ليس بينه وبين أحد من خلقه صلة أو نسب أو قربي حتى يختصه بقطعة أرض أو يوصي له بالملك. لم يعط الله "عهداً" لقوم بأن يجعلهم "إقطاعيين" على أرض، ولم يكتب لآخرين "وصية" بأن يجعلهم "أئمة" على الناس. يا بني: إذا قال لك أحد تعال معي إلى الله، وقال لك في الطريق إنك لن تصل إلى الله إلا إذا أعطيته أرضك، أو قبلت أن يكون سلطاناً عليك، فاعلم أنه ليس من أهل الله واحذره على أرضك ونفسك.
قلت: زيديني. قالت: من دعا إلى الله ولم يسر إليه، فإنه إنما يدعو إلى نفسه، ومن رفع قميص عثمان أو دم الحسين ولم يكن على طريقتهما فإنه إنما يريد أن يصل إلى عرش دمشق أو بغداد.
قلت: وكيف نخرج من عقدة القميص الممزق والدم المسفوك؟
قالت: اطرحوا عنكم الشعارات، فما رفع قوم شعاراً وقدسوه إلا دل ذلك على أن الشعار صار وسيلة لا غاية، الناس-يا بني-يقدسون الغايات بأقوالهم، ولكنهم يجعلونها وسائل بأفعالهم.
الذين يرفعون الشعار يكذبون، لأنهم يعودون فيقتتلون فيما بينهم عندما يصلون إلى الغاية التي رفعوا من أجلها الشعار. لا تصدق أن كل هذا الانقسام في صفوف قريش مرده إلى قميص عثمان ودم الحسين، وإلا لكان ما سفك من دم على مر التاريخ كافياً. الحق أن القميص والدم غطيا أهدافاً سياسية على طول تاريخ النزاع على مشيخة العشيرة، فافهم ذلك.
قلت: أماه، أنا رجل مهزوم، أنتمي إلى أمة مهزومة.
قالت: ستنتصر. إن الهزيمة هي الخطوة الأولى نحو النصر، الهزيمة تعلمك أشياء لا يستطيع النصر أن يعلمك إياها، وإنك لتكسب من الهزيمة ما تخسره عندما تنتصر، فلا تختلط عليك الأمور.
قلت: قد اختلطت. قالت: قشرة البرتقالة بالغة المرارة، لكن داخلها يمور بالعصير الذيذ. يا بني الأشياء على السطح غير الأشياء في الأعماق، فافهم ذلك.
ألقت عبارتها الأخيرة وذهبت، ولا أدري أدخلت مياه الأطلسي أو يممت صحراء الربع الخالي، تركتني لحيرتي، ممزقاً بين قميصين ودمين وطائفتين. تلفت فلم أجدها، ورأيت الفتاة الإيرلندية وقد بدأت تطوي جيمس جويس، وتدسه في حقيبتها،ثم قامت إلى الماء وقذفت بنفسها في الموج. صرختُ: إلى أين؟
قالت: أكملت قراءة الكتاب الذي قال لي إن الله والكنيسة لا يلتقيان.
يا إلهي! ما أشبه ما قالت بما تقول الراعية.
قلت: من أين أنت؟ أمن "دبلن" أم من "بلفاست"؟
تبسمت وقالت قبل أن تختفي في الموج: أنا من المراعي الشرقية في صحراء بلاد العرب، فهل فهمت.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.