شاءت الأقدار أن تجمعني جلسة قات مع ضابط منشق عن جيش المخلوع علي عبدالله صالح، وأحد أفراد حراسته الشخصية المعروفين لديه خلال تسعينات القرن المنصرم. كانت جلسة القات غير منسقة سلفا، ببيت صديق تربطني به علاقة قرابة، وكان من حسن الحظ أن زارنا ضابط بالفرقة الأولى مدرع أعرفه كثيرا، وبرفقته الضابط المنشق بحسب تعًًبير إعلام المخلوع. الضابط المنشق كان قائدا لإحدى كتائب الحرس الجمهوري، ومسئولا أمنيًًا سابقا في محافظة المهرة، وعندما اندلعت الثورة الشعبية أعلن انضمامه إلى جيش الثورة، وهو الآن مسئولا بإحدى كتائب الفرقة الأولى مدرع. لا داعي لذكر التفاصيل عن الرجل فحديثه لم يكن للنشر الصحفي وإنما باعتبارنا جالسون في مكان مقيل نتبادل فيه أطراف الحديث عن الأوضاع في البلاد بشكل عام، كما يحصل في مجالس القات غالبا. قبل حديثه كنت أقول إن الصحافة هي صاحبة الدور الأكبر في فضح نظام علي عبدالله صالح وفساده - وهي كذلك فعلا - لكن ما أجزم القول به إن صحافتنا لم تصل فقط إلا إلى 1% من فساد نظام حكمنا 33 سنة جعل اليمن كلها ملكا شخصيا له، وأتى على كل شيء فيها.
لقد أدركت أن علي عبدالله صالح لم يكن مجرد ناهب، أو لص بمنصب رئيس جمهورية، ومصطلح اللصوصية الذي أطلقه عليه أمريكيون قبل سنوات – رغم ما فيه من الجرح - يعتبر مصطلحا مؤدبا إذا ما عرفنا فساد هذا الرجل.
ستقولون ذلك مبالغ فيه رغم أنني ممن يتعامل مع الرجل بأدب في تناولاتي الصحفية، وظللت طوال الفترة الماضية حريص على أن أطلق عليه الرئيس السابق وليس المخلوع احتراما للمبادرة الخليجية، لكنني اكتشفت أنني بهذا ظلمت بلدي كثيرا، وزدته ظلما على ظلم علي عبدالله صالح. لكم أن تتخيلوا أن كلفة شكلاتة التحلية بعد وجبة الغداء للنجل أحمد بعشرة آلاف ريال .. شوكلاتة تحلية واحدة فقط مستوردة من ألمانيا والمورد هو أحد أقرباء المخلوع. آآآآآآآه كم نحن مساكين في هذا الشعب، فمبلغ إدراكنا أن الجلاكسي هي أرقى أنواع الشوكلاتة، وأفضل ما وصلت إليه البشرية في عالم الشكاليت، فسعرها الباهض الثمن الذي يصل إلى 300 ريال يمني جعلنا نفكر أن هذه الشوكلاتة أفضل تحلية بعد الغداء، بل أن البعض منا ذهب للقول بأن الجلاكسي مفيد للمتزوجين نظرا لما يحويه من مواد غذائية غنية. تلك كلفة التحلية بعد الغداء إذا فكم كلفة الغداء نفسه، وكم كلفة المقبلات، والمشروبات المرافقة له، وكم كلفة القات له ولمرافقيه، وكم كلفة المشروبات الإضافية على القات، وكم كلفة الصبوح والعشاء والوجبات الجانبية، وكم وكم وكم؟. طبعا ذلك كله لواحد من أبناء المخلوع، وبقية الأخوة بكل تأكيد لن يكونوا أقل حظا من أحمد، أما إذا أضفنا أبناء الأخ وأبناء أبنائهم ونسائهم وهلم جر من الأقارب والمرافقين، فإننا سنكون أمام فاتورة مليونية هي كلفة الشكلاتة اليومية لصالح وأقاربه. أما إذا تعدينا الشوكلاتة والمصاريف الشخصية اليومية إلى حوش دار الرئاسة، فإننا سنكون أمام مئات الملايين التي تنفق سنويا على بند واحد وهو نظافة حوش القصر، حيث تنفق الحكومة مبلغ 100 مليون ريال شهريا على نظافة القصر، والشركة المقاولة على نظافة القصر تتبع إبن أخ المخلوع يحيى محمد عبدالله صالح. لم يقتصر فساد هذه العائلة على القصر، ولم تكتفي بما نهبته من خيرات هذا الوطن، وإنما تعدته لمحاربة الناس في أقواتهم ومعائشهم، وأصبحت هي المالكة للبر والبحر والجو، فأحمد علي عبدالله صالح هو صاحب شركة النمر للنقل البري، وهو المقاول على نقل المحروقات في أنحاء الجمهورية، ويحيى هو صاحب وكالة سمر للسفريات والسياحة، وعبدالخالق القاضي أحد المقربين هو رئيس شركة اليمنية للطيران، ومحمد خليل أحد المقربين هو صاحب شركة راحة للأجرة، وعلي عبدالله صالح هو صاحب أشهر مزرعة في تهامة، وبلقيس علي عبدالله صالح هي رئيس مؤسسة الصالح، ويحيى محمد هو رئيس جمعية كنعان لفلسطين، ورئيس جمعية الصداقة اليمنية اللبنانية ناهيك عن مئات الشركات والمؤسسات الظاهرة والباطنة داخل البلاد وخارجها. كان الضابط المنشق مسئولا أمنيا في محافظة المهرة، واطلع على قضايا فساد قال إنه يشيب لها الرأس، فالمؤسسة الاقتصادية فرع المهرة ترفع تقارير كاذبة عن خسائر شهرية بمقدار 200 مليون ريال، يتم دفعها من خزينة الدولة رغم أنها مؤسسة إنتاجية إيرادية .. تلك الملايين يلتهمها المسئولين عن المؤسسة في المهرة. وفي البحر أنشأ يحيى محمد عبدالله صالح شركة أسماك سيطرت على الإصطياد في كل السواحل اليمنية واستأثرت به عن بقية الشركات المنافسة ما تسبب في خسائر فادحة للشركات المنافسة، ولم يقتصر الأمر على استئثارهم بالبحر وإنما تعداه لمحاربة الاصطياد الفردي من خلال استخدام أساليب الإصطياد بالجرف الذي تسبب في فقر آلاف الأسر. ولم يكتفوا بما يقومون به من جرف للأسماك بل أقدموا على بيع مساحات بحرية لشركات صينية ومصرية، كان يظن الجميع أنها دخلت المياه اليمنية بدون إذن مسبق لكن اتضح أن كل سفن الإصطياد المصرية والصينية تقوم بالاصطياد في السواحل اليمنية بإذن مسبق من صالح وأقاربه مقابل أموال تدفعها تلك الشركات لهم. يقول الضابط المنشق إنه قام ذات مرة في المهرة بمداهمة سفينة صينية تمارس الإصطياد بالجرف، وعندما صعد هو وستة من أفراد البحرية على متن السفينة اتضح وجود مندوب من أقارب المخلوع على متن السفينة، وعندما قام بالإبلاغ عن السفينة صدرت توجيهات لهم بالنزول من على متنها وتركها تصطاد. ليس هذا أيضا بل إن التقطعات الحاصلة حاليا في معظم الطرقات بين المحافظات يقوم بها أفراد يتبعون الحرس الجمهوري، فقبل نحو أسبوعين كان المنشق قادما من الحديدة باتجاه صنعاء، وفي إحدى نقاط التقطع بين الحيمة والمحويت وجد أن أحد الأفراد من محافظة ريمة ضمن عصابة التقطع وكان ممن قام بتدريبهم في الحرس الجمهوري، وعندما سأله عن سبب وجوده بين المتقطعين قال إنه خاوا أبناء الحيمة بحسب العرف القبلي، لكن وبعد مغادرة نقطة التقطع اتصل به ذلك الشخص وقال إن لديهم أوامر أن يتقطعوا. المصيبة الأعظم من كل ذلك هو تقاسم الثروة النفطية، فأبناء علي عبدالله صالح يحظون ب 25 ألف برميل نفط يوميا، وأبناء محمد عبدالله صالح كذلك، أي أن ربع الثروة النفطية مع أقارب علي عبدالله صالح فكم مخصص الأب من هذه الثروة وماذا تبقى للشعب اليمني؟. أخيرا أيتها الثورة الشعبية العظيمة أنتي عظيمة حقا، وتستحقين منا أكثر من كلمة شكر، فقد أسقطتي أعتا أعداء هذا الوطن، والآن عليكي أن تحمي هذا الإنتصار، فبكل تأكيد سيكون مستقبل اليمن أفضل بدون المخلوع، ومهما بلغ فساد الباقين فلن يستطيعوا أن يكونوا في مقامه. [email protected]