الأجواء التي اكتنفت إنشاء قصيدة الأستاذ عبدالفتاح جمال عام 1974م ابتُعث الأستاذ عبدالفتاح جمال للدراسة في ليبيا، وكان الصراع الفكري في العالم العربي على أشده بين توجهين أحدهما يرى أن تقدم العرب والمسلمين لن يتم إلا بالتنكر للدين والقيم والموروث الحضاري، والتضييق على كل من يخالف هذا التَّوجُّه، والثاني يعتقد أن الأمة لن تنهض إلا إذا تمسكت بدينها وجمعت بين الأصالة والمعاصرة. في هذا خضم ذلك المعترك كانت الرؤية تزداد وضوحا عند الأستاذ عبدالفتاح جمال، وهو يرى الشعارات الجوفاء لا تصنع إلا الذل والهوان والمزيد من الإنكسار والارتكاس، حينها كان الزعيم القذافي بأطواره المتقلبة وأفكاره الغريبة يرى نفسه حاملا لراية العروبة، ويجب أن يقتنع الطلاب العرب الدارسون في ليبيا بأفكاره، ومن يعارض أفكاره فمصيره الطرد من الجامعة والترحيل إلى بلاده، وكان الأستاذ عبدالفتاح أحد أولئك الطلاب المتمردين على عبودية الأصنام البشرية، فلم يتمكن من مواصلة دراسته في ليبيا، وأعيد إلى صنعاء ليكمل دراسته في قسم اللغة الإنجليزية بكلية التربية جامعة صنعاء، وظهرت موهبته الشعرية واشتهر بقصائده التي تجمع بين وضوح المنطق وصدق العاطفة، فتألق في المهرجانات والاحتفالات. هذه إحدى قصائد الأستاذ عبدالفتاح التي وصفت أبياتها تلك المرحلة، تناول فيها جوهر الصراع، وكشف صورة الاستبداد والطغيان الذي يأخذ بمنطق فرعون (ما أريكم إلا ما أرى) في وقت كانت الكلمة الحرة تقود صاحبها إلى الموت أو غياهيب السجون في بعض الأقطار. القصيدة من شعر التفعيلة الذي يأتي بين الشعر العمودي والشعر الحر، وقد جاءت قطعة فنية رائعة بمعانيها العميقة، وصورها البديعة، وكلماتها المعبرة، وقد ذاع صيتها وما زال المفكرون والدعاة والأدباء العرب يرددونها ويستشهدون بمقاطع منها في خطبهم ومحاضراتهم ومنتدياتهم، وهي مكونة من ثمانية مقاطع، كل مقطع يتضمن فكرة، ويجمعها هدف واحد؛ وصفٌ لأسباب وطبيعة الصراع الفكري وأساليب التخويف والتشويه والخداع والإرهاب الفكري في وجه العلماء والدعاة الذين ينادون الشباب للتمسك بالإسلام، والاعتزاز بتراثهم وحضارتهم، لكنه في النهاية يبدد المخاوف ويبعث الأمل، ويرسم مشهد الخلاص المنشود.
مناجاة الأمة الإسلامية
أُمَّاهُ هذا العالمُ المشؤومُ أمسى ميتَ الإحساسِ كالمِسخِ الغريب ما عادت الوخزاتُ توقِظُه ولا وقعُ الخطوب ما عادت الطعناتُ في قلبِ الضميرِ تهُزُّ أوتارَ القلوب ما عاد يَسألُ عن كريمٍ ذُلَّ أو وطنٍ سليب ما عاد يخشىٰ اللهَ قد غُلِّت يداهُ وكُبَّ في وحْل الذنوب
أماهُ إن الحقَّ في بلدي شريد سيفُ الزعيم هو المُشَرِّعُ والوحيد واللاعقونَ الساجدونَ لكل سلطانٍ عبيد لا وزنَ للإِنسانِ عندهمُ إذا رفضَ السجود أو قام يفضحُ خطةَ التضليلِ للشعبِ الودود أو لم يقمْ يُلقي القصائدَ مادحًا هذا العنيد هذا الذي ارتَجَّتْ له الآفاقُ من صَعْقِ الوعيد هذا الذي إن شاء يفعلْ ما يريد!
هذا الذي إن مَرَّ موكبُه المُجَلَّلُ بالسناء وقف الجميعُ بلهفةٍ يتلونَ آياتِ الولاء وترِفُّ في الأجواءِ أعلامُ السعادةِ والرخاء وتطولُ ألسنةُ الإذاعةِ بالتَّمَلُّقِ والثناء فمكبراتُ الصوتِ هائِجَةٌ تزمجرُ في الفضاء نَشْوَىٰ يُدَوِّي لحنُها الثوريُّ في كبدِ السماء والماسحونَ نَعْلَ الزعيمِ يصفِّقُونَ ويرقصون والأَدعياءُ بكل أستارِ الأُمُومَةِ يعبثون والأشقياءُ يُداهِنونَ فيسرحونَ ويَمرَحون والأوفياءُ المشفِقُُونَ يُشَوَّهُونَ ويُسحَقون
أماهُ يا حصنَ الشَّجِيِّ المستجيرِ من الكروب لن تخدعيني، فالدموعُ بمُقْلَتيْكِ لِمَا أعاني تستجيب أهو الشروقُ أم الغروب أم قد تشابكت الدروب؟! أم في الليالي ماردٌ يلهو بتمزيق القلوب أم أنها الدنيا تصولُ بمسرح العصر الكئيب أم منطقُ الأشياءِ مختلّ الدِّلالة لا يجيب
أماهُ أعرف أن تاجَكِ قد نقشتِ عليه قُرآنا وسُنَّة أماهُ أعرف أن في أحشَائِكِ الحَرَّىٰ ملايينُ الأَجِنَّة أماهُ لا أخشىٰ عليك العقمَ مهما طال تاريخ الدُّجُنَّة لكنني دوْمًا أُحِسُّ بما يُدَسُّ لكبتِ أنفاسِ الأَجِنَّة وأَرىٰ حوالَيْكِ الذئابَ نيوبُهُنَّ مُكشراتٌ كالأسنة للحقِ تكبيلٌ وتنكيلٌ وللنزواتِ إطلاقُ الأَعِنَّة!!
أماه ما سفحتْ دموعي كثرةَ الأعداءِ إنْ نبحتْ عليكِ أَو أرسلت جندَ الضلالة والهوى منها إليك أو أعلنَتْ وبكلِّ أسلحةِ الدمارِ ونفَّذتْ حربًا عليك لكن ما يُدمي ضميري أن يقومَ بنوكِ بالتَّشْويهِ فيك أُمَّاه أخشىٰ أن يضيع الدرب مني فارشديني
ولدي حماكَ اللهُ إن الأرضَ يورَثُها العبادُ الصالحون هَوِّنْ عليك فإن ربكَ قد أحاطَ بما يكيدُ الطالحون هم يمكرون وأمرُ ربِّك نافِذٌ لو يعلمون لا تفزعنْ من مكرِهم وضجيجِهم فالله خيرُ الماكرين لا تجزعنْ واصبرْ فإن النصرَ والتمكينَ عُقْبَىٰ الصالحين واثبتْ وجاهدْ وارتقبْ واسلكْ مع الأبرارِ دربَ الذاكرين.