[email protected] منذ أن بدأت الثورة الشعبية ارتقت أرواح مائة شهيد من خيرة شباب اليمن من مختلف المحافظات لتمد الثورة جذورها إلى كل السهول والأودية والجبال والشواطئ اليمنية، وقد واجه أولئك الشهداء ومعهم مئات الجرحى والمصابين قتل السلطة بصدورهم العارية إلا من الإيمان، اللينة إلا من رباطة الجأش، وبدا عزمهم قوياً في إبطال مفعول السلاح الناري!! غير أن مجزرة (جمعة الشهداء) الدامية كانت مرحلة فاصلة في مسيرة هذه الثورة السلمية، وقد كان واضحاً أن التهيئة للكارثة عبر وسائل الإعلام الرسمية يتصاعد كل يوم، ثم القيام بالإجراءات والتدابير على الأرض لتسير على قدم وساق، بما في ذلك بناء الحواجز الإسمنتية في الشوارع المؤدية إلى ساحة التغيير أمام جامعة صنعاء ولتسهيل حركة المجرمين من خلف السور بعيداً عن أعين المعتصمين، ثم إعلان أركان حرب الأمن المركزي بأن المواطنين قد شكلوا لجاناً للدفاع عن أنفسهم، مصحوباً بحشد بلاطجة من أنحاء العاصمة وضواحيها، والإغداق عليهم بالمال والسلاح واعتبارهم سكاناً للحارات المجاورة لميدان الاعتصام، ولم تتكشف بعد كل تفاصيل تخطيط وتنفيذ تلك الجريمة البشعة!! وكان الشباب المعتصمون يعدون أنفسهم للمواجهة بكل براءة وطهر ونُبل، فأحضروا قطع البصل والمياه المعدنية والقماش المبلل بالماء وعلب الكولا وبعض الأحجار التي اقتلعوها من الأرصفة، إذ لم يدر بخلدهم أن يبلغ الإجرام إلى إطلاق النار الحي بالآليات والرشاشات المتوسطة وبقسوة غير معهودة!! بدأت الجريمة بتجميع الفرق المتعددة في الشوارع الخلفية وصعود الأفراد المدربين تدريبياً عالياً إلى المباني المعدة سلفاً، ثم تجميع إطارات السيارات خلف الجدار الإسمنتي ورشه بالبنزين ثم إشعال النار وتصاعد الدخان الكثيف الذي يحجب عن الكاميرات تصوير المجرمين لتصل رصاصاتهم إلى مواقع قاتلة في رؤوس الشباب ورقابهم وصدورهم فيسقط المئات جرحى، وشهداء وارتفعت أرواحهم الطاهرة إلى ربها، رافعة شعبهم من الذل والهوان إلى العزة والكرامة، معلنة عن ميلاد يمن جديد يعيش فيه كل أبنائه بسلام وأمان، ينعمون فيه بالحرية والمساواة والعدالة، قضوا نحبهم لتعيش أمتهم، وبذلوا مهجهم لإنقاذ وطنهم من الاستبداد. لقد صُدم اليمنيون – كل اليمنيين- حتى خرج الصامتون عن صمتهم، واقتنع المترددون، وفهم الكثير من المغرر بهم، وبقدر ما تركت المذبحة من آلام وحزن عند الصغار والكبار، ولدى الرأي العام في الداخل والخارج، لأن البشاعة تجسدت في أسوأ صورها، والوحشية ظهرت بكل مخالبها وأنيابها، إلا أن الجريمة رفعت من روح التحدي لدى الشباب المعتصمين في كل مناطق الجمهورية وبدون استثناء ليطالبوا بمحاكمة النظام قبل سقوطه، وزاد الطين بلّة ذلك الأداء الهزيل للسلطة وشعرت بفداحة ما حدث فذهبت تبحث عن مبررات لا تنطلي على الأطفال والمغفلين!! ولكن الأهم أن المذبحة أسقطت بشكل نهائي أي مشروعية لبقاء النظام وعلى قمته رئيس الجمهورية، ولم يعد هناك أي مجال للحديث عن نتائج انتخابات 2006م ولا شعبية الرئيس التي تآكلت واحترقت بعد هذه المذبحة سواء كان هو الذي أمر وأشرف، أو أن أبناءه وأولاد أخيه هم من خطط، أو أن أجساماً هلامية هبطت من كوكب آخر لتقتل تلك النفوس البريئة الطاهرة كالماء، الزكية كالعطر، الندية كالورود، ففي كل الأحوال صار الرئيس فاقد الأهلية في حماية أبناء شعبه، وإلا كيف يتجمع مئات الآلاف في ميدان اعتصام، ويزداد عددهم ليتجاوز المليون يوم الجمعة ثم يقول إنه لم يكن في موقع الحدث أي جندي، ونتساءل أين 40% من موازنة الدولة المعتمدة للدفاع والأمن إذا لم تكن مهمتها حماية المواطنين العزل المسالمين؟! ياسيادة الرئيس تعلم أن مسئولين كباراً في الدول الديمقراطية يستقيلون لأن قطاراً انحرف عن مساره وتسبب في موت بعض ركابه، أو لأن حريقاً اندلع في عمارة لم تتوفر فيها شروط السلامة، فما بالك بمجزرة تمت تحت إشراف طائرة عمودية –من المؤكد أنها لا تتبع المعارضة- فمن المسئول –إذا لم تكن أنت الذي يجب أن تحمي دماء الناس وأعراضهم وأموالهم؟! لقد أردنا للرئيس خروجاً مشرفاً ولكن لا ندري لماذا يختار الطريق المليء بالدماء، وأما الفتنة التي تخشاها فإن المتيقّن عند من يبغضك ومن يحبك، أن خروجك بسلام سيمنع الفتنة، وأن إصرارك على البقاء في كرسي الرئاسة أصبح هو الفتنة ذاتها، ولازال بيدك أن تمنع الفتنة، فهل ستفعل وهذا ما نتمناه، أم ستختار الفتنة التي لن تبقيك رئيساً على أي حال من الأحوال!! رحم الله الشهداء وحقق أمانيهم وإنا لله وإنا إليه راجعون.