غالبا ما يشغل الحوار الوقت المزدحم بقضايا الساعة أو القضايا الساخنة في داخل المجتمع وكذلك بين الدول، فهو عبارة عن ضغط للزمان والمكان أي بمعنى اختصار للجهد والوقت لإرساء اتفاق مثلا أو لتحديد رؤية مشتركة أو رؤى مختلفة، وفي الأعم من أجل حل مشكلة أو قضية بوقت أقصر، قد تستمر فترة زمنية أطول بدون الحوار، فالحوار هو جدال فكري بالدرجة الأولى ممكن أن يستخدم لإنتاج فكرة أو خلق بدائل أو صنع حلول.. هذا في حالة الفائدة منه وإذا استخدم هذا الجدل الفكري للتلاعب بالألفاظ أو لتغطية وتغليف الفكرة والحلول بمظهر مزيف يخالف الجوهر والهدف فذلك هو السفسطة، وفي العهد اليوناني كانت السفسطائية تدرس من قبل بعض الفلاسفة ليتعلم منها الناس فن الجدل والبعض اتخذه علماً للتكسب أو مهنة يكسب منها العيش لكن الجميع يتفق على أنها تعني الجدل العقيم الذي لا فائدة منه، وخارج هذا الأسلوب فقيمة الحوار تكمن في طبيعة تشكيله واستخدامه حتى لا يصل المتحاورون إلى السفسطة أو الحوار من أجل الحوار والأهم في تقديرنا أن الحوار نوع من التواصل الإنساني، ولذلك يعتبر ضرورة وغاية بشرية ملحة، بحكم أن الفرد الواحد لا يستطيع أن يعيش في جزيرة لمدة طويلة بمفرده، إلا إذا أعد لذلك، ولأن الانقطاع عن الآخر يولد في النفس العداء، وهكذا قيل إن العنف هو البديل للحوار، ويقال في عصرنا إن الحوار لغة حضارية. لقد أثبتت التجربة والخبرة الإنسانية على مر العصور أن السبيل إلى الحياة الكريمة هو عيش الإنسان بكامل حقوقه الروحية والمادية على ظهر الأرض كمخلوق كرمه الله على سائر المخلوقات. فإذا توفر ذلك حقق التعايش غرضه، واستدعى الحوار أجندته لاستكمال مقومات التبادل والتلاقي مع الآخر على أساس المصالح المشتركة في الحياة مع الاعتراف بالاختلاف والمغايرة مع الآخر أي كان وعلى أساس احترام حقه الشخصي ودوره الاجتماعي وكفاءته ومواهبه، وعلى أساس ذلك يسير الحوار، وينتفي الحوار في ظل عوامل مصطنعة تمثل عقبة أمامه في حالة عدم التمهيد للحوار باعتباره أول شروط هذا الحوار، وهي العملية الضرورية لإيجاد أجواء مناسبة للحوار قبل البدء به كما هي النقاط العشرين التي وضعت قبل مؤتمر الحوار الوطني ولم تنفذ وتعتبر مثلبة تجاه نجاح الحوار وربما قد تعيقه وتسبب عدم نجاحه مهما كان الدعم والإصرار على استمراره. ومن ضمن شروط الحوار، ضمان الأمن والاستقرار في البلد بل يعتبر شرطاً أساسياً فلا يمكن التحاور في ظل عوامل تهدد حياة المتحاورين أو الأطراف السياسيين. ومن جملة الشروط كذلك: - الاعتراف بالآخر وحقوقه وكرامته وإنسانيته، فلا يمكن الحوار مع شيخ قبلي يأتي بنظرته التقليدية أو تصوره المتخلف بأنه جاء إلى الحوار من باب التنازل كمنة على الآخرين لينال بها مصالح شخصية فوق الآخرين، أو حاملا نظرته الاستعلائية عليهم. - الحوار على أساس الندية والتكافؤ، ولا معنى لحوار يمتلك فيه أطراف قوة عسكرية أو جماعات أو مليشيات مسلحة لأنها ستفرض الهيمنة على من لا يملك القوة، والقوة تمتلكها الحكومة فقط في مؤسساتها العسكرية والأمنية، وعليها توفير أجواء آمنة للحوار.. وبدء الهيكلة العسكرية. - لا يمكن الحوار من منطلق الإملاء والترغيب والترهيب بجميع أشكاله الفكرية والاقتصادية والاجتماعية، ومنع التوظيف السياسي والايديولوجي للأفكار من قبل طرف على طرف آخر ولا يجب أن تكون هناك أفكار مسبقة تتخطى أسس الحوار وأدبياته. - الحوار على أساس الشفافية ويتساوى فيه الفرقاء مع احترام الآراء أي كانت وعدم الاستخفاف بأي رأي، وعدم وضع مساحة رمادية في أجواء الحوار للتشويش على الآخرين وآرائهم، والابتعاد عن الاتهام أو التخوين أو التسفيه أو التحقير أو التقليل أو التصغير من مكانة الآخر أو السخرية من آرائه، وغيرها من أدبيات وأخلاقيات الحوار على أن يتمثل الجميع المصداقية والعزم على حل المشاكل المطروحة. - أخيرا يجب أن تكون هناك الحرية الكاملة في الطرح وعدم تقييد الحوار بسقف معين كما يطرح البعض على الحوار تحت سقف الوحدة.. ويجب أن تكون هناك نية متبادلة بين أطراف الحوار للدخول فيه والقبول به على أن يشمل الطيف الاجتماعي السياسي كله وبمن يمثله. من خلال الطرح السابق يتضح أن شروط الحوار وأسسه لم تكتمل بعد، ابتداءً بالنقاط العشرين التي لم تنفذ وانتهاءً بنظرة الشعب الجنوبي إلى حوار يفرض عليه فرضا لا يضمن حلا عادلا لقضيته، لذلك رفض المشاركة في حوار صنعاء رغم أن الشعب الجنوبي الذي يقوده الحراك السلمي كممثل لقضيته لا يرفض الحوار لذاته، وليس لديه رأي في أي حوار إلا في حوار يحمل بذور هدم أو إلغاء أو دفن قضيته، وهذا حقه في أن يحرص على قضيته طالما هي قضية حياة ووجود، ومن يسخر من هكذا موقف إلا كونه يحمل نوايا مسبقة في هم وحل معاناة الشعب الجنوبي، أو يرجع بأنه رفض غير معلل يؤدي إلى تحرف وأساليب غاية في الالتفاف على قضية شعب تحمل أبعادا سياسيا وإنسانية أكثر من أي شيء آخر يترتب عنها. نعتقد أن الحوار الجاري في ظل دعم واهتمام إقليمي ودولي لا يقدم ولا يؤخر تجاه القضية الجنوبية ما لم ينطلق الحل من المطلب الشعبي الجنوبي حتى ولو انحرفت قيادات الحراك عن مطالبه ولا نتصور ان هناك بوادر تلوح في الأفق كحل مغاير لهذا المطلب بحكم أنه لم يحدث أي تغيير اجتماعي وسياسي إلى الأفضل خاصة تجاه القضية الجنوبية ولا نعتقد أن هناك مخاضاً جديداً يفتح باب الأمل للأسباب التالية: أولا: لم نر إلى هذه اللحظة الاصطفاف الوطني الواسع بحيث يبنى عليه مشروع وطني حداثي يعول عليه، فمراكز القوى والنافذين والفاسدين ما زالوا على حالهم، قامت الثورة ولم تتحرك المياه الراكدة المتعفنة الآسنة الموحلة. ثانيا: حدوث اصطفاف وطني واسع في بداية الثورة في العام 2011م ولأسباب اجتماعية وسياسية وايديولوجية تم القضاء عليه وأدى إلى تشرذمه وتفتيته وقامت القوى المسيطرة بوضع الحواجز التي تمنع قيام أي تغيير تجذير في استمرار الثورة على المدى القريب. ثالثا: أن الاصطفاف الوطني يجب أن تكون في مقدمته قوى متطلعة للمستقبل لأي تغيير قادم أو كمرتكز أساس لأية ثورة، وما يحدث الآن بعد تشكل حكومة الوفاق هو مشاريع إصلاحية قد يسمونه التغيير التدريجي، وهذا يكلف المجتمع اليمني عقودا طويلة من الزمن في ظل بيئة متعفنة ذات موروث متخلف لا يصلح معها إلا التغيير الجذري أي الثورة لأن البيئة الاجتماعية والسياسية المتمثلة بسلطة الدولة وجهازها الإداري فاسدة فسادا مطلقا يصعب معها الإصلاح سواء عبر الحوار او عند توفر جزء من الإرادة السياسية. وما هو قائم في المشهد الحالي هو التنافس على التقاسم أو المناكفة السياسية وتسابق القوى ومراكز النفوذ القبلية على السلطة. الإخفاق الذي نعانيه في الوقت الراهن هو عدم تشكل نخب مثقفة أو طلائع متنورة أو كوادر مزاحمة لهذا الارتداد الثوري، وما يؤسف له أن دعاة الحرية في الأحزاب أو كمستقلين أو من المكونات الاجتماعية، أصبحوا أكثر إغراقا في السلبية وأكثر ذبولا وضمورا في المراحل الحرجة كما هي المرحلة الحالية وأصبحوا أكثر انشدادا إلى التغيير الإصلاحي الذي سيستهلك تاريخ أجيال عدة، وسلبيتهم تلك أدت إلى وأد الثورة، ليس هذا فحسب بل نرى العديد من هؤلاء حريصين على وأد الثورة الجنوبية، من باب المريض تنشرح نفسه عندما يصاب غيره بعدوى المرض ولم يتقبلوا المقاصد إلا بما فيه (حب لأخيك ما تحب لنفسك)، مع معرفتهم بخصوصية ومقومات الجنوب كدولة وما عانته فلم يساعدوا الجنوب لتجاوز محنته، والاهم أن يتركوه يمضي لتحرير نفسه، فتولدت عندهم الرغبة (وهي حالة ضعف عند الإنسان) أن يقع الشمال والجنوب ضحايا للاستبداد الداخلي وأيضا الخارجي، نعرف أنهم في المقدمة مع الجميع طبلوا وزمروا للحوار وكأنهم وصلوا سطح القمر، لأنها ستحل كل قضايا اليمن، وليعلموا أنهم سيحلون كثيراً من المشاكل عبر السياسة ومن بوابة الحكومة بطريقة الإصلاح أو غيرها خاصة إذا توفرت النية والإرادة لذلك بدلا من الدوشة في الكرنفال أو المهرجان المتواصل. هذه الأيام (هكذا الدول العربية) مثلا الجامعة العربية يتحاورون في مؤتمرات القمة أو ما دونها لمدة 68 عاما، ولم يحققوا شيئا للأمة العربية، لأن العرب عموما لديهم نزعة الأعراب أكثر من العروبة، يعني أنهم منشدون للاستبداد والتخلف أكثر من المدنية والحرية. هذا ما نلمسه في الجامعة العربية التي اجتمعت الأسبوع الماضي لتمنح المعارضة السورية مقعد سوريا المحطمة المتآمر عليها، وجميع العرب دمروا سوريا وجلبوا إليها القاعدة من كل مكان وحتى غرروا بالشباب اليمني بمنحهم فيزا للعمل في قطر. ولم يجد هؤلاء الشباب أنفسهم إلا في تركيا ومن ثم إلى المحرقة السورية "الله أكبر". بغض النظر عن هذا السيئ الصيت بشار الأسد، فمن المستفيد الأول من هذا التدمير لدولة ممانعة مقاومة، إنهم الأعراب ولا نقول العرب، خدموا إسرائيل وأمريكا والغرب أفضل خدمة هكذا هو الحوار العربي، تمنينا على الجميع حل القضية الجنوبية أولا فقالوا لديهم حوار الحضارات يشمل كل الأجندات حتى تضيع القضايا كلها في سلة واحدة وحوار واحد ومخرجات الحوار هو ما يقرره شيوخ القبيلة والنافذون في السلطة منهم، الذين يهمهم مصالح القبيلة وقبلها مصالحهم الشخصية ومكانتهم الاجتماعية التي هي تاريخية لا جدال حولها عندهم، ولهذا سيصل كل الجنوبيين في الحوار إلى قناعة بعدم جدوى الحوار لحل قضيتهم إلا بالانسحاب منه. أخيرا يمكن القول: إن الحوار لا يصلح في جوقة أو جيش كامل من العمال والفلاحين والمشائخ والكهنوت وكل لفيف المجتمع الصالح والطالح، ولا يحتاج الدعوة إليه كأنه أحد أسواق المبارزة في الشعر الجاهلي قديما واستعراض المفاخر والهجاء، ولو قسمت الناس فيه إلى فرق عمل. الحوار أسلوب متفنن وجدل متمعن يناقش، يفند، ويحدد وليس قرار إجماع بالأغلبية. الحوار يحتاج إلى مجموعات محددة وليس لتمثيل الأسرة أو القبيلة، والفصيلة أو القرى والمدن إلى الشارع.. ليصبح العدد بالمئات من الغث والسمين. بالتأكيد الحوار يحتاج إلى ممثلين محددين حتى للطيف الاجتماعي لكنهم فنيون متخصصون كفؤون محترفون مجربون، في مجموعات عمل متخصصة في شئون الدولة والمجتمع المختلفة، تبدأ بالأولويات وتقف عند أهمها، وليس أمام الجميع إلا حل القضية الجنوبية قبل غيرها، وكلما زاد الاحتيال عليها زاد الشعب الجنوبي تمسكاً بأهدافه. والله هو الهادي إلى سواء السبيل