تتجمع ربات المنازل والموظفات وصاحبات المهن الحرة مع عائلاتهن عصر كل يوم في ساحة وسط طرابلس قبل ان ينتشرن في احياء المدينة يكنسن شوارعها ويزين جدرانها بالرسومات. وتقف حوالى 50 امراة في ميدان القادسية ترتدي بعضهن سترات موحدة صفراء ويحملن اداوت الكنس استعدادا لمهمة التنظيف التطوعية، فيما تتوجه اخريات الى منطقة سوق الجمعة وفي ايديهن ادوات الرسم والطلاء. وتقول نعمة عريبي (52 عاما) لوكالة فرانس برس فيما تقوم باعمال الكنس قرب فندق عند طريق الشط "بدانا السبت بحملة تطوعية لتنظيف مدينتنا وسنستمر في عملنا هذا لمدة اسبوع". وتضيف المدرسة وهي تعدل في حجابها الاسود "آتي الى هنا مع عائلتي لاقوم بواجبي حيال الثورة، ولو كنت استطيع حمل بندقية لحملتها لكن المكنسة بالنسبة لي تؤدي الغاية ذاتها". وتشير الى ان "ربات المنازل والموظفات وغيرهن من المشاركات في الحملات التطوعية يدركن دقة هذه المرحلة". وانتشرت القمامة في انحاء العاصمة الليبية عقب سيطرة الثوار عليها في 23 اب/اغسطس، بعدما توقف معظم العمال عن تنظيف الشوارع. وبعيد انتهاء عطلة عيد الفطر قبل اقل من اسبوعين، عاد بعض هؤلاء العمال الى ممارسة وظيفتهم، الا ان القمامة والاوساخ بقيت رغم ذلك في مكانها في بعض احياء وشوارع طرابلس. وترى عريبي ان "كل ما يحدث هنا عبارة عن بداية جديدة، فالآن بتنا نشعر باننا نملك البلاد". وتشير بيديها اللتين غطاهما قفاز اسود الى الفندق القريب الذي ينزل فيه عدد كبير من الصحافيين الاجانب، وتقول "نريد ان نظهر للجميع اننا شعب متحضر يحب النظافة ويفتخر بذلك". وتحمل قريبتها مروة عريبي (19 سنة) مكنسة مماثلة وتقوم بكنس الغبار عن طرف الشارع، وتتلقى بين الحين والآخر عبارات التاييد من ركاب السيارات التي تمر في المكان. وتقول الطالبة في كلية الهندسة "علينا ان نقدم شيئا لهذه البلاد، قبل الثورة لم نكن نحس بالوطنية لكننا الآن اصبحنا نشعر بالمسؤولية عن كل ما يتعلق بهذه المدينة". وتتابع "الصحافيون يجب ان يروا الوجه الجميل لطرابلس، وكذلك نحن". وتشدد مروة على ان نساء طرابلس "لن يخشين بعد اليوم مواجهة اي مشكلة، وسيصرخن بصوت عال للدفاع عن حقوقهن وعن بلدهن". وعلى بعد امتار، يوجه عبد الحميد الطاهر عريبي (55 عاما) شبانا وشابات صغارا حول كيفية تنظيف الشارع بافضل طريقة ممكنة. ويقول الطيار الذي يعمل على متن اسطول الخطوط الجوية الليبية "بدنا نحب بعضنا البعض اكثر ومستقبل ليبيا واضح في عيون هؤلاء الشبان والشابات". ويرى ان مشاركة زوجته نعمة وبناته وقريباته واخريات في حملة التنظيف هذه "ترمز الى الحرية التي تستعيدها المراة والكرامة التي تسمح لها برفع راسها عاليا في بلاد لم تعد بلاد الشخص الواحد". وكان عريبي يشير بذلك الى العقيد الليبي الفار معمر القذافي الذي حكم البلاد بيد من حديد لاكثر من اربعة عقود قبل ان تطيح به ثورة شعبية مسلحة انطلقت في منتصف شباط/فبراير. والى جانب مهمات التنظيف، تطوعت شابات للقيام باعمال اخرى في المدينة تهدف الى تحسين مظهرها، بينها رسم الجداريات. وتجلس رنا تكلي (18 سنة) على رافعة خشبية نصبت على رصيف في منطقة قريبة من باب العزيزية، المقر السابق للقذافي، وهي تحمل في يديها ادوات الرسم والطلاء. وتقوم رنا مع اخريات برسم علم الثورة بالوانه الخضراء والسوداء والحمراء على جدار طويل، وباختراع رسومات تسخر من القذافي. وتقول الطالبة في كلية للغات الاجنبية "ارسم حاليا علم الثورة وهو يخترق راس القذافي". وتضيف وهي تتامل رسومها من خلف نظارتها الشمسية التي يعلوها حجاب يحمل الوان علم الثورة "نريد ان نقول اننا قتلناه (القذافي) نفسيا قبل كل شيء". ويظهر القذافي في احدى الرسومات منحنيا فيما تقوم يد امراة برميه في "مزبلة التاريخ" التي تضم ايضا علم النازية والكتاب الاخضر وجرذانا، في اشارة الى وصف العقيد الليبي المتظاهرين بالجرذان. وتقول شقيقة رنا، كاميلا (12 سنة)، انها تاتي كل يوم "الى هذا المكان لاساعد في الرسومات". وتوضح بالانكليزية "الآن اصبحنا نشم رائحة الحرية".