الترب يهنئ القيادة الثورية والسياسية بحلول شهر رمضان    أمن محافظة إب يضبط متهماً بقتل طفل في مديرية السبرة    بدأ إجراءات التسجيل بمركز اللغات بجامعة 21 سبتمبر    هلال رمضان بين الحساب الفلكي والرؤية الشرعية: قراءة في معطيات "الثلاثاء"    جيرونا يسقط برشلونة في لقاء مثير للجدل    ذلك المساء... حين أعاد الله تعريفي لنفسي..!!    اليمنية توضح حول أسباب تأخير الرحلات وتعديل المواعيد    القائم بأعمال الأمين العام للانتقالي يشيد بمليونية الضالع ويؤكد: إرادة الجنوب لا تنكسر    دمعة الرئيس المشاط    مثقفون يمنيون يناشدون سلطة صنعاء الإفراج عن المواطن مرحبي تنفيذاً لأحكام القضاء    مسير راجل ووقفة وتطبيق لخريجي دورات التعبئة في همدان بصنعاء    حريق مفاجئ يضرب سفينة شحن في ميناء سقطرى    "عمر" يفقد ساقيه ويقاتل من أجل حياة طبيعية في غزة    مولت أعمال الصيانة مجموعة هائل سعيد انعم.. إعادة فتح طريق رابط بين تعز ولحج    وزير الخارجية الإيراني يلتقي نظيره العماني وغروسي تمهيدا لمفاوضات "الثلاثاء"    تدشين استبدال اسطوانات الغاز التالفة بالضالع بأسطوانات مصانة    توني يبعث برسالة إلى توخيل .. أرغب كثيرا في اللعب في المونديال    تظاهرة حاشدة لأنصار الانتقالي في الضالع    "بهدفين نظيفين.. فريق الاتصالات يقص شريط افتتاح بطولة 'الصماد' بملعب الظرافي    الشيخ الرزامي يعزي الرئيس المشاط في وفاة والدته    تفاصيل إحباط تهريب أكبر شحنات الكبتاجون في سواحل الصبيحة    الارصاد يتوقع صقيعاً على مناطق محدودة من المرتفعات وعوالق ترابية على الصحارى والسواحل    الحديدة: انطلاق المرحلة الثانية من مشروع التمكين الاقتصادي للأسر المتضررة من السيول    مائة عام من الكهرباء في عدن    السيد خواجه الربّان    عندما تُدار صناعة الطيران دون بيانات:مشروع المرصد العربي– لبيانات الطيران والانذار الاقتصادي المبكر Unified Arab Observatory – Aviation & Early Warning( UAO-AEW)    دياز على رادار باريس.. وإعارة محتملة من ريال مدريد    إسقاط العلم اليمني قصر الكثيري في سيئون.. جرأة حضرمية تعكس نبض الشارع الجنوبي    قائد لواء يمني يستولي على ثمانين مليون ريال سعودي في مأرب ويهربها الى صنعاء    قوات الطوارئ الغازية تتحول إلى غطاء لنهب أراضي الحضارم.. وتحذيرات تؤكد خطورة المشهد    الحقيقة لا غير    خواطر ومحطات حول الوحدة اليمنية الحلقة (59)    رمضان شهر الرحمات    رمضان.. موسم الاستقامة وصناعة الوعي    وثائق عرفية وقبلية من برط اليمن "34"    مرض الفشل الكلوي (41)    عبدالكريم الشهاري ينال الماجستير بامتياز من جامعة الرازي عن دور رأس المال الفكري في تطوير شركات الأدوية    رمضان يا خير الشهور    فينسيوس يعادل رقم نيمار بالليغا    القائم بأعمال الأمين العام لهيئة رئاسة المجلس الانتقالي يلتقي نقيب الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين    ريال مدريد يسخر من برشلونة: "كرنفال جنوني ومزحة"    شاهد بالصور .. حريق هائل يلتهم مركزاً تجارياً في مأرب    بعد أن تخلت عنه سلطات بلاده.. برلماني يمني يوجّه طلبًا عاجلًا للمنظمة الدولية للهجرة    تعز.. معلمون يشكون من استمرار الاستقطاعات من مرتباتهم رغم إحالتهم إلى التقاعد دون صرف مستحقاتهم    اليمنية تحدد موعد انتظام جدولها التشغيلي إلى المحافظات الشرقية    كيف يساعدك الصيام على التخلص من إدمان السكريات؟    على أبواب رمضان: العالم يحتفل والجنوب ينتظر فرجاً لا يأتي    السامعي يعزي رئيس المجلس السياسي الاعلى بوفاة والدته    إطلاق حملة تكريم ودعم أسر شهداء عملية المستقبل الواعد    دية الكلام    تغاريد حرة.. أخترت الطريق الأصعب    التضامن مع حاشد شهادة على الوفاء    ابشِروا يا قتلة شبوة بعذاب جهنم الطويل.. طفل يتيم ابن الشهيد بن عشبة ينظر إلى تراب قبر أبيه وحسرة قلبه الصغير تفتت الصخر(صور)    هيئة الآثار: لا وجود لكهف أو كنوز في الدقراري بعمران    أكسفورد تحتفي بالروحانية الإسلامية عبر معرض فني عالمي    الجمعية اليمنية لمرضى الثلاسيميا تحذر من نفاد الأدوية الأساسية للمرضى    ارسنال يهزم سندرلاند3-0 وتشيلسي يفوز علي ولفرهامبتون 3-1 في الدوري الانجليزي    إب.. فريق "صقور بعدان" يتوج ببطولة كأس "بعدان" ال 18 بحضور جماهيري واسع    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الرابع وليس السابع من يوليو يوم النكبة الثانية على حضرموت
نشر في هنا حضرموت يوم 18 - 07 - 2013

في مساء الاثنين الرابع من يوليو 1994م تجاوزت قوات صنعاء خط الدفاع الأخير حول مدينة المكلا ودخلت إلى ضاحيتها الغربية (فوه). وأسفرت الاشتباكات المسلحة في ذلك اليوم عن مقتل صالح أبوبكر بن حسينون قائد قوات اليمن الديمقراطية في جبهة حضرموت الساحلية , ثم زحفت قوات صنعاء تجاه مدينة المكلا فسيطرت على كامل فوه وما حولها . ومع إطلالة فجر يوم الثلاثاء 5 يوليو دخلت قوات صنعاء إلى الشرج ثم إلى الديس والى حي السلام وحي الشهيد خالد بن هامل وحي الحارة, ثم إلى خلف واتجهت شرقاً . وبذلك أكملت سيطرتها التامة على مدينة المكلا بضواحيها الغربية والشرقية والشمالية ودون مقاومة تذكر من قوات اليمن الديمقراطية المتواجدة في هذه الجبهة القتالية في ساحل حضرموت .
وعندما علم علي سالم البيض أمين عام الحزب الاشتراكي اليمني والقائد الأعلى للقوات المسلحة لليمن الديمقراطية حينها بمقتل رفيق دربه بن حسينون سارع إلى نقل جثمانه إلى الشحر حيث تم هناك دفنه على عجل . وخلال بضع ساعات جمع البيض من معه من الأهل والإتباع والجند وما خف وزنه وغلا ثمنه وغادروا المكلا باتجاه أراضي سلطنة عمان . والمعروف أن البيض قد جعل من المكلا مقراً لقيادة العمليات العسكرية المقاومة لجيش صنعاء الذي بدأ عدوانه في 27 أبريل 1994م بضرب معسكرات جيش اليمن الديمقراطية في عمران . وكان خروج البيض ومن معه من عسكريين ومدنين بمثابة عملية ( هروب ) جماعي خاطفة في مساء الاثنين الرابع من يوليو 1994م وبعد إن أيقن من سقوط مركز قيادته في المكلا في أيدي جيش صنعاء. ولم تشرق شمس الثلاثاء 5 يوليو إلا وقد أصبحت مدينة المكلا وما حولها بلا قيادة ولا حماية ولا مقاومة إلا من حماية الله عز وجل ومقاومة فرديه محدودة من أبناء المكلا الذين عز عليهم إن تسقط مدينتهم بهذا الشكل المذل بعد هروب قادتهم من العسكريين والمدنيين, فرفضوا الاستسلام لقوات صنعاء وابدوا مقاومة أكدت على بطولة واستبسال منقطع النظير في مثل هذه المواقف. وكان من بين هؤلاء من المستقلين الذين لا ينتمون إلى أي تنظيم سياسي, كما كان من بينهم أعضاء في الحزب الاشتراكي اليمني ممن كان يحمل سلاحاً أشهره في وجه الغزاة .
واستشهد في ذلك اليوم المشؤوم الخامس من يوليو أربعه شهداء من أبناء المكلا كان من بينهم الشهيد المدني الأول الذي لا ينتمي إلى أي حزب ولم يكن يحمل سلاحاً عندما واجه الغزاة ونعني به الشهيد أمين بن جسار الجعيدي وقد استشهد في صبيحة ذلك اليوم إمام مقر البنك الأهلي اليمني في الشارع العام بحي السلام بالمكلا. وكان ينبغي إن يوضع في مكان استشهاده لوحة أو رمزاً ليذكر الأجيال الحالية والقادمة بمعنى التضحية من أجل الوطن ودفاعا عن العرض والأرض والشرف والكرامة مما يحثنا عليه ديننا الإسلامي الحنيف .
وقدمت المكلا في ذلك اليوم المشؤوم ثلاثة من شبابها المنتمين إلى الحزب الاشتراكي اليمني وهم بادقيدق والذي استشهد بجوار مقر أمن مديرية المكلا والسينما الأهلية , وكذالك شهيد آخر يقال له الصومالي وقد استشهد على المرتفع المطل على مبنى الإدارة المحلية (إدارة المحافظ) بحي السلام وفي المكان الذي كان يسمى سابقا ( رأس البنديرة ) . أما رابع الشهداء فهو باحسين وقد استشهد في منطقة السيلة بحي الشهيد خالد بن هامل والذي ينبغي إن يسمى هكذا وبأسم عائلته حتى يعرف الناس من هو المقصود بالشهيد خالد . ومعذرة إن كنت قد أشرت إلى أسماء هؤلاء الشهداء الثلاثة بأسماء عائلاتهم , حيث لم تتوفر لدي معلومات كافية عن أسمائهم كاملة حتى أوثقها . وعلى أية حال فهؤلاء هم جميعاً ومن سبقهم ومن تلاهم هم شهداء حضرموت عامة والمكلا خاصة. وكذلك فان هؤلاء الأربعة أي بن جسار وبادقيدق وباحسين والصومالي هم الكوكبة الأولى من شهداء مدينة المكلا في مواجهة غزو قوات صنعاء واقتحامها لهذه المدينة في ذلك اليوم المشؤوم وماتلاه من إحداث دامية لا تزال تعصف بالوطن الحضرمي أرضاً وشعباً . وما سقناه أنفاً هو للتذكير فقط وللتوثيق بعد أن لمسنا ولاحظنا أن هناك من يعبث عن قصد أو عن غير قصد من كتّاب ومؤرخي الحراك الجنوبي ويحاول إسقاط شهداء المكلا في مقاومة غزو صنعاء وعدم ذكرهم , وللأسف فأن بعض حضارمة الحراك الجنوبي يجاري هؤلاء في عبثهم هذا واستهتارهم بتضحيات أبناء المكلا وحضرموت عامة .
ولاشك إن الأخطر في هذه المجاراة من قبل حضارمة الحراك الجنوبي في هذا الشأن هو إسقاط يوم 4 يوليو من الذاكرة الحضرمية واعتبار يوم 7 يوليو هو يوم غزو صنعاء لحضرموت بينما حقيقة التاريخ تؤكد أن الرابع وليس السابع من يوليو هو يوم احتلال صنعاء لحضرموت بداية من المكلا وهروب قيادة اليمن الديمقراطية منها وهو اليوم الموثق لهزيمة قوات الحزب الاشتراكي اليمني ومعها قوات اليمن الديمقراطية وتركت شعب حضرموت بلا قيادة ولا حماية غير حماية الله عز وجل . وهو أمر لا يريد قادة الحراك الجنوبي الحديث عنه لأنه خزي وعار ولا يليق بالرجال مهما كانت المبررات والتفسيرات.
وكلنا نعلم أن غزاة صنعاء قد مهدوا لاحتلالهم لحضرموت ثم لاحتلالهم للجنوب بفتوى باطلة وظالمة. وقد عرفت بفتوى الديلمي وكان وقتها وزيراً للأوقاف . قد ألبست من الدين مما ليس فيه , ومناقض لجوهر الدين الإسلامي الحنيف , وحيث اصدر هذا الديلمي فتوى خلال الحرب وقبل اقتحام حضرموت تقول بأنه يجوز للمسلمين قتل مسلمين آخرين أذا ما احتمى بهم الكفار , بينما الرسول صلى الله عليه وسلم يوجه قادته وجنده ويشدد عليهم في حروبهم مع الكفار بان لا يقتلوا أمراه أو طفلا أو شيخا أو رجلا لا يحمل سلاحا يقاتلهم به , بل وإلا يقطعوا شجره أو يردموا بئرا تشرب منه الناس وغيرها من النصائح التي تتصل بجوهر الدين الإسلامي القويم حتى يكون جند الإسلام مثالا ونموذجا في الحرب كما هم في السلم . إما هؤلاء الغزاة اليمنيون فقد انطلقوا من فتوى ظالمة وباطلة تقول باستباحة دماء الحضارمة ودماء الجنوبيين ولإتراعي أمراه أو شيخا أو مسناً أو طفلاً أو مريضاً وإنما القتل والإبادة بالجملة . فأين هؤلاء من الإسلام ؟ والمؤسف والمحزن أن حضارمة وجنوبيين أيدوا وباركوا هده الفتوى بل وشاركوا في الحملة العسكرية لاحتلال حضرموت واحتلال الجنوب وتحت راية هده الفتوى الظالمة والباطلة . وكما شارك من قبل حضارمة مع ( الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل ) في احتلال حضرموت عام 1967 وجعلها بالقوة جزءا من اليمن الجنوبي. ولاشك أن فتوى الديلمي هده قد أثارت الرعب والذعر في نفوس حضارمة الوطن المسالمين لأنهم لم يتوقعوها ممن يدعون ليل نهار أنهم يدافعون عن الإسلام . وقد أكدت هذه الفتوى أن إسلام اليمنيين يختلف عن إسلام الحضارمة من حيث التحريم والاستباحة في دماء الأبرياء . والمهم ان تلك الفتوى الباطلة التي أطلقها الديلمي حينها _ وهو وكما يقال لا يزال يصر على صحتها _ قد دفعت مجاميع من أهل المكلا إلى الخروج والفرار منها إلى أريافها بل والى أماكن ابعد , وهؤلاء الحضارمة هم من المسالمين ممن لا ناقة لهم ولا جمل في تلك الحرب الشرسة بين نظامي الحكم في كل من صنعاء وعدن . وبقي في المكلا بعض أهلها ممن أو كل أمره لله عز وجل ولحماية المولى تبارك وتعالى مما قد يصيبه من مكروه على أيدي الغزاة اليمنيين والذي روجوا أنهم سيقتحمون المكلا عنوه وسينكلون بأهلها جميعا ولن يفرقوا بين طفل أو شيخ أو أمراه أو مريض وبين حامل السلاح وقابع في منزله لا يحرك ساكناً فكل هؤلاء في نظر غزاة صنعاء كفرة محاربون لابد من إبادتهم وذبحهم وسلخهم أن أمكن. وكنت مع شقيقي عمر ممن آثر البقاء في المكلا , فالتزمنا منزلنا بحي السلام واضعين الأمر بيد الله عز وجل والذي بيده مصائر الأفراد والأمم وكل شيء , وهو منّزل البلاء والضراء لمن أراد له ومبعده عن من يشاء سبحانه وتعالى .
ولعله من المفيد هنا الإشارة في هذا المقام إلى أسم قائد حملة صنعاء على حضرموت في 4 يوليو 1994م ولعلها ليست صدفه أن يكون قائد هذه الحملة هو محمد إسماعيل. وهو أسم يذكرنا نحن الحضارمة بحملة يمنية سابقة قادها المتوكل إسماعيل إمام صنعاء في عام 1660م وتمكن بها من بسط نفوذه على حضرموت لبضع سنين , ثم أخرج منها بالمقاومة الحضرمية الباسلة على يد حضارمة أشاوس من بينهم ( محمد المردوف الكثيري ) سليل السلطان بدر بو طويرق الكثيري .
وهذا يجعلنا نقول أن القائمين على أمر هذه الحملة اليمنية المرسلة إلى حضرموت عام 1994م قد تعمدوا إرسال قائد منهم يحمل أسم ( إسماعيل ) ليذكروا الحضارمة بتاريخ مضى منذ حوالي أربعة قرون وليقولوا للحضارمة أننا عائدون إليكم بقوتنا لاحتلالكم كما فعل قائد منا من قبل منذ قرون أربعة . وللأسف فقد كان ضمن الحملة حضارمة لم يدركوا وقتئذ هذه الرموز والمعاني إلا بعد أن وقعت الفأس على الرأس .
وفي يوم الجمعة الثامن من يوليو أرسلت صنعاء وبطائرة خاصة إلى المكلا خطيباً ليلقي خطبة الجمعة بها الكثير من الوعيد والتهديد للحضارمة وكأنها استرجاع للتاريخ ورداً على خطبة مماثلة ألقاها عبد الله بن يحيى الكندي في جامع صنعاء الكبير في عام 749م إي منذ أكثر من 1200سنة مضت بعد أن تمكن من الدخول إلى صنعاء وبسط نفوذه عليها .
وحضرنا خطبة وصلاة الجمعة تلك في الثامن من يوليو في جامع السلطان عمر القعيطي وهو أكبر جوامع المكلا. وكان يقف على أبواب الجامع رجال مسلحون بكامل سلاحهم وعتادهم لا لحماية المصلين وإنما لإجبارهم على البقاء في الجامع والاستماع إلى الخطبة التي يلقيها خطيب صنعاء والمنقول جواً إلى المكلا. وجاء في هذه الخطبة قول يدمي القلب ويزعزع الثقة بهؤلاء اليمنيين وفي طريقة تفكيرهم ونظرتهم للحضارمة , حيث قال ( أننا اليوم نعيد أمجاد الفتوحات الإسلامية ) أي أن قوات صنعاء قد فتحت حضرموت إسلامياً وكأننا كفرة وملاحدة ولا حول وقوة إلا بالله العلي العظيم .
وكلنا يعلم ما جرى بعد أن بسطت قوات صنعاء يدها على مقاليد الأمور في المكلا من عبث وتحطيم وتدمير لمنشآت إدارية ومؤسسات حكومية وخاصة , بل واقتحام لمنشآت حضارية لا علاقة لها بالعمل العسكري ولم يسلم منها متحف المكلا حيث تعرض هذا المتحف للتدمير والنهب تماماً كما حدث في 17 سبتمبر 1967م على أيدي قوات وأنصار الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل عندما استولت حينها على المكلا .
وفي هذه الحملة اليمنية على المكلا في الرابع من يوليو1994 تم اقتحام منازل ومساكن لأشخاص لا علاقة لهم بالعمل السياسي , كما تم إتلاف وتدمير مؤسسات ومنشآت عامة إنتاجية ومنها مزارع الدواجن بفوه , مما دفع بعض مسؤولي هذه المزارع ممن لهم صلة بتلك القوات اليمنية في أن يبدي استنكاره واعتراضه على ذلك العمل الفوضوي والذي لا يشرف فاعليه أو المحرضين عليه وهو عمل يضر أكثر مما ينفع . وعلمت أن كل من أبدى اعتراضه أو استنكاره لهذا الفعل قد نهر وأجبر على الصمت لخدمة الأهداف العليا المتوخاة من هذه الحملة الظالمة على حضرموت والمتمثلة في الاحتلال أولاً وأخيراً. وقد أكد على هذا اللفظ بمعناه ومدلوله الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر زعيم التجمع اليمني للإصلاح في مساء 4 يوليو 1994م بعد أن تم لقوات صنعاء السيطرة على منطقة فوه غربي المكلا فقال في مقابلة مباشرة مع القسم العربي بإذاعة لندن ( أن قواتنا قد احتلت المكلا ). وكان هذا التعبير مثيراً لمذيع إذاعة لندن الذي أجرى المقابلة معه فقال له المذيع باستغراب ( احتللتم المكلا ) فرد عليه الأحمر ( نعم احتلينا المكلا ) وهذا يعني أن مفهوم الاحتلال بمعناه ومبناه كان وارداً في ذهن الأحمر وإضرابه ممن سعوا إلى احتلال حضرموت واحتلال الجنوب .
وكل من عاصر تلك الأيام وعايش أحداثها في حضرموت يعلم تماماً كل هذه الأمور بتفاصيلها وهي موثقة ومحفوظة لمن يريد التأكد من صحتها . وهذه أحداث مر عليها ما يقرب من عشرين عاماً وقبل أن يولد الكثير من شباب الحراك الجنوبي والتغيير اليمني من الحضارمة . وكذلك فأن كل من عاصر تلك الأيام يعلم تماماً من هو الذي فتح الطريق ومهد السبيل للغزاة اليمنيين لاحتلال حضرموت وهم حضارمة ضلوا الطريق آنذاك بعد أن اختلفوا مع حضارمة الحزب الاشتراكي اليمني . وكانت الضحية هي حضرموت أرضاً وشعباً , وكما فعل حضارمة الجبهة القومية عام 1967 عندما انحرفوا عن جادة الصواب وشاركوا القوميين اليمنيين في احتلال حضرموت في 17 سبتمبر 1967 وطمس هوية حضرموت التاريخية والحضارية .
ولاشك أن هؤلاء الحضارمة السابقون واللاحقون الذين مكنّوا الغزاة اليمنيين من احتلال حضرموت والعبث بهويتها وتاريخها ومستقبل أجيالها واستغلال ثرواتها قد أصابهم الهلع والندم الشديد على ما فعلوه بحق وطنهم الحضرمي حتى وأن لم يعبروا صراحة عن ذلك , بل أن بعضهم حاول الاعتذار والتكفير عن ذلك علانية وأمام الجماهير الحضرمية واعتزال العمل السياسي بينما أنضم الآخرون إلى الحراك الجنوبي باعتباره تعبيراً عن الندم وتصحيحاً لأخطائه وخطاياه , وخصوصاً وأن الحراك الجنوبي يهدف في النهاية إلى إخراج القوات اليمنية من حضرموت والجنوب . وهذا موقف سليم وإيجابي من هؤلاء الحضارمة في الحراك الجنوبي , فليس عيباً أن يخطئ المرء , فكلنا خطاءون وخير الخطاءين التوابون , وإنما العيب كل العيب أن يظل المرء رافضاً لتصحيح عيوبه وأخطائه .
وهذا ما نقوله ونؤكد عليه باستمرار وفي كل مناسبة من أنه ليس عيباً في أن يخطئ حكام اليمن الديمقراطية وأنصارهم ومؤيديهم في حق حضرموت وشعبها منذ عام 1967 إلى عام 1990م , ولكن العيب كل العيب أن يصّر هؤلاء وخاصة من يتولى منهم مسئولية قيادية في الحراك الجنوبي على جعل حضرموت جزءاً من اليمن الجنوبي . وهو بهذا يصرّ ويقرّ بالمظلمة التاريخية التي نزلت بحضرموت منذ عام 1967 ويرفض الاعتراف والإقرار بهوية حضرموت التاريخية والحضارية المعروفة منذ خمسة آلاف عام وقبل أن تظهر إلى الوجود هوية الجنوب العربي بآلاف السنين ولابد لهؤلاء الحضارمة ومن معهم من جنوبيين من قادة ومناصرين في الحراك الجنوبي من الاعتراف بخطيئة اليمن الديمقراطية في حق حضرموت وانتهاكها لحقوق الإنسان الحضرمي طيلة ربع قرن من حكم اليمن الديمقراطية الشعبية والذي فرض بقوة الحديد والنار على حضرموت ودون اختيار حر وإرادة شعبية من أبناء حضرموت في الوطن والمهجر وهذا هو المدخل الطبيعي والسليم لتصحيح العلاقة النفسية والتاريخية المأزومة بين حضرموت والجنوب وحتى يكون الجوار بينهما مثمراً ومفيداً لكليهما .
أما السابع من يوليو 1994م والذي يعتبره قادة ومناصرو ومؤيدو وكتاب ومؤرخو الحراك الجنوبي يوماً للنكبة على الجنوب وما تم فيه من احتلال صنعاء لأراضي الجنوب فهذا شأنهم. ولعلهم بذلك وبدون وعي منهم يؤكدون أن حضرموت ليست من الجنوب الذي يطالبون به لان احتلال الجنوب تم في 7 يوليو بينما احتلال حضرموت تم في 4 يوليو .
أما إذا أرادوا الصدق مع النفس والواقع وكانوا يسعون حقاً للأنصاف والتوثيق الصحيح والسليم للحقائق والأحداث وكما وقعت فعليهم أن يؤكدوا على أن يوم الرابع من يوليو 1994م كان مقدمة وبداية لسقوط عدن في السابع من يوليو 1994م أن لم نقل أن نهاية دولة اليمن الديمقراطية كان فعلياً في الرابع من يوليو 1994م بانسحاب قيادة وزعامة وجيش اليمن الديمقراطية من حضرموت وخروجها الى سلطنة عمان.
وهكذا التاريخ يكتب بأمانة وصدق حتى تعلم الأجيال القادمة حقيقة ما جرى. ولا ضير لدينا في أن يشار إلى يومي الرابع والسابع من يوليو كنكبتين حلتا بكل من حضرموت والجنوب. ولاشك أن ما بين هذين اليومين أي الرابع والسابع من يوليو وما قبلهما سقطت مدناً ومناطق أخرى في حضرموت وفي الجنوب , ولكننا نرى أن الأوثق والأهم هو أن يوثق لحالتين وهما يوم سقوط المكلا وانسحاب قيادة وزعامة وقوات اليمن الديمقراطية , ثم يوم سقوط عدن باعتبارها آنذاك عاصمة اليمن الديمقراطية الشعبية .
وخلاصة القول … إنه لا خير ولا جدوى من لي الحقائق وطمسها , ولا فائدة ترتجى مما يحاوله كتاب ومؤرخو وقادة وعناصر الحراك الجنوبي من إخفاء الحقائق الموثقة والمعروفة لدى الجميع فيما حدث في الرابع من يوليو 1994 , ولعل هناك معلومات أخرى لم نذكرها في هذا السياق , ومن ذلك ما قيل عن دور طيب قام به السيد عبدالله محفوظ الحداد رحمة الله عليه بإقناع علي سالم البيض بضرورة مغادرة المكلا ومن معه حتى يجنب أهل المكلا الموت والأذى المحتمل بعد أن تأكد احتلال اليمنيين لمنطقة فوه .
وبكل المقاييس والمعاني فأن يوم الرابع من يوليو 1994 هو يوم شؤم على الحضارمة , تماماً كيوم السابع عشر من سبتمبر 1967 وهو يوم لنكبة ثانية حلّت بالحضارمة خلال نصف قرن مضى وكما كانت النكبة الأولى في السابع عشر من سبتمبر وما تلاه في الثاني من أكتوبر عام 1967 من احتلال لأراضي حضرموت من قبل القوات العسكرية التي تطلق على نفسها مسمى الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل وبمساندة نفر من قادة وعساكر جيش البادية الحضرمي الذي أسسه وشكله العسكريون البريطانيون في حضرموت في زمن ما عرف بالحماية البريطانية على حضرموت .
وعلى ما تقدم فأن الرابع من يوليو 1994 وليس السابع من يوليو 1994 هو اليوم المحفور بقوة في ذاكرة ووجدان وعقل الإنسان الحضرمي لأنه اليوم الذي بدأت به النكبة الثانية لشعب حضرموت .
ونسأل الله عز وجل أن يزيل عنا آثار هذه النكبة الثانية , وأن يلطف بنا من بقايا آثار النكبة الأولى وأن يحرر أرضنا الحضرمية الغالية علينا جميعاً من براثن الاحتلال اليمني , وأن يعيد إلينا سيادتنا وكرامتنا وعزتنا واستقلالنا الذي ننشده لشعبنا الحضرمي اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وإدارياً وأمنياً وتنموياً حتى ينعم شعبنا الحضرمي وتنعم أجيالنا القادمة بالخير والعدل والأمن والكرامة والعزة والنمو والازدهار بعون الله تعالى .
د . عبد الله سعيد باحاج
السفيل – وادي العين – حضرموت
الرابع من يوليو 2013


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.