اللواء البحسني: قرار إسقاط العضوية باطل ويهدد مسار الشراكة في المرحلة الانتقالية    السلام العادل يبدأ من الجنوب.. واستعادة الدولة مفتاح الاستقرار الإقليمي    الشرعية اليمنية تريد إعادة الجنوب إلى ما قبل 2015    الحكمة من ذكر الموت قبل التكليف بالصيام:    تكدس آلاف المسافرين في منفذ الوديعة مع استمرار اغلاق مطار صنعاء    دوري أبطال آسيا الثاني: النصر السعودي يتقدم للدور ربع النهائي    دوري ابطال اوروبا: كلوب بروج يقتنص تعادل مثير بمواجهة اتلتيكو مدريد    البريمييرليغ: وولفرهامبتون يخطف تعادلا قاتلا امام ارسنال    الفريق السامعي يطمئن على صحة الشيخ الهاشمي في أحد مستشفيات العاصمة صنعاء    تكدس سيارات المسافرين في منفذ الوديعة الحدودي    وكيلة الأمم المتحدة : غزة بلا سلام رغم التهدئة    تأهب عسكري إيراني وحظر للطيران جنوب البلاد غدا    محاولة التفاف سعودية - إسرائيلية للحظر اليمني على سفن الكيان    أمين العاصمة يدّشن توزيع وجبات الإفطار الرمضانية لرجال المرور    تدشين مشروع توزيع السلة الغذائية الرمضانية لأسر الشهداء والمفقودين بمحافظة صنعاء    تدشين ثلاثة مطابخ خيرية رمضانية في بني الحارث    مرايا الوحي : السلسلة الثالثة (المحاضرة الرمضانية - 1) للسيد القائد    اللواء يحيى الرزامي يهنئ قائد الثورة والرئيس المشاط بحلول رمضان    رمضان في اليمن.. موائد جماعية وروح تكافل متوارثة    الثور مقطوع الذنب "الذيل".. والإخوان المسلمون    كيف تحافظ على نشاطك خلال ساعات الصيام؟ خطوات عملية    القائم بأعمال رئيس الوزراء يناقش مع محافظ صنعاء سير تنفيذ الخطة السنوية للمحافظة    مثقفون يمنيون يناشدون سلطات صنعاء وعدن بتوفير منحة علاجية للناشط المدني نبيل الحسام    الأرصاد: طقس بارد إلى شديد البرودة على المرتفعات وصقيع محدود على أجزاء منها    تقرير أممي صادم: أكثر من ثلث نازحي اليمن يواجهون الجوع والمخيمات الأكثر تضرراً    تسويق أكثر من 16 طناً من المنتجات المحلية    منتدى أمريكي: الولايات المتحدة تخوض حرباً سرية في اليمن تستهدف فيها المدنيين الأبرياء    نتائج دوري الأبطال.. ريال مدريد يتجاوز بنفيكا وسان جيرمان يفوز على موناكو    المجلس العالي للدولة في السلطنة القعيطية يرفض إعفاء العلامة بن سميط ويؤكد ثقته بكفاءته وخدمته لأهالي شبام    الصبيحي: المزايدة والفوضى لن تعيد الجنوب    (فريمكس) التابعة لمجموعة هائل سعيد أنعم وشركاه تستحوذ على 60% من أسهم (جلف نيو كير) في السعودية    آثار اليمن تُهرَّب عبر البحر... والمتاحف التي تعرضها تجني آلاف الدولارات    فلكي يمني: الأربعاء غرة رمضان وفق الحسابات الفلكية    أفق لا يخص أحداً    قائد لواء يمني يستولي على ثمانين مليون ريال سعودي في مأرب ويهربها الى صنعاء    تعز تختنق عطشًا قبيل رمضان.. أسعار صهاريج المياه تقفز إلى 100 ألف ريال    الارصاد يحذر المزارعين من اثار الصقيع ويتوقع اجواء شديدة البرودة على المرتفعات    النعمان: انضمام اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي"أمر طبيعي" لكنه مرهون بتسوية شاملة    حكم جائر بالمليارات على موظف صغير في مطار عدن مقارنة بإهداء العليمي للحوثيين أربع طائرات    بسيناريو مجنون" جيرونا يقتل أحلام برشلونة.. ويبقي ريال مدريد في الصدارة    تكريم مدربي الدورة التنشيطية لكمال الاجسام    احتجاجات الضالع في الميزان الأوروبي.. اختبار لمصداقية النظام الدولي    هلال رمضان بين الحساب الفلكي والرؤية الشرعية: قراءة في معطيات "الثلاثاء"    ذلك المساء... حين أعاد الله تعريفي لنفسي..!!    دمعة الرئيس المشاط    "عمر" يفقد ساقيه ويقاتل من أجل حياة طبيعية في غزة    تفاصيل إحباط تهريب أكبر شحنات الكبتاجون في سواحل الصبيحة    الارصاد يتوقع صقيعاً على مناطق محدودة من المرتفعات وعوالق ترابية على الصحارى والسواحل    مرض الفشل الكلوي (41)    عبدالكريم الشهاري ينال الماجستير بامتياز من جامعة الرازي عن دور رأس المال الفكري في تطوير شركات الأدوية    القائم بأعمال الأمين العام لهيئة رئاسة المجلس الانتقالي يلتقي نقيب الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين    تعز.. معلمون يشكون من استمرار الاستقطاعات من مرتباتهم رغم إحالتهم إلى التقاعد دون صرف مستحقاتهم    السامعي يعزي رئيس المجلس السياسي الاعلى بوفاة والدته    إطلاق حملة تكريم ودعم أسر شهداء عملية المستقبل الواعد    التضامن مع حاشد شهادة على الوفاء    الجمعية اليمنية لمرضى الثلاسيميا تحذر من نفاد الأدوية الأساسية للمرضى    ارسنال يهزم سندرلاند3-0 وتشيلسي يفوز علي ولفرهامبتون 3-1 في الدوري الانجليزي    إب.. فريق "صقور بعدان" يتوج ببطولة كأس "بعدان" ال 18 بحضور جماهيري واسع    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محمد مستجاب : الإنسان و أشياؤه
نشر في حشد يوم 27 - 07 - 2011

ظللت الأحقاب الطويلة - الأولى - من عمري المديد - رعاكم الله - أحظى بلقب (قلب أمي), ولاسيما في لحظات عنفوان استرحامها الساخن, ضاربة صدرها بكف يدها, كلما حاق بي أذى السقوط بين الطوب والحصا والأعشاب وجذوع النخيل, لتصرخ: يا قلبي, وهو تعبير يعلو - حتى على أفخم الألقاب, استطعنا استغلال ما يثمره من تدليل, بالذات نحن طائفة الذكور الذين وفدوا إلى الدنيا بعد عدد من البنات, هذا التدليل الذي أود أن يقوم واحد من الباحثين في علم الاجتماع بدراسة نتائجه المعهودة - والمنتشرة - في بلادنا, ليصل إلى تحديد ارتفاع نسبة الذين أفلحوا - من أمثالنا - في الحياة بعد ذلك, ولم أكن أدرك أن ريتشارد الأول ملك إنجلترا - قبلنا بثمانية قرون - حظي بلقب قلب الأسد, إنه رمز للشجاعة أو القدرة على الهجوم المباغت, فيما وصفه المؤرخون القريبون منه, دون تحديد لموقع مولده بالنسبة لأخواته البنات.
إلا أنّ القلب الأعظم ظل هذا العضو الكامن داخل القفص الصدري في الإنسان - مع إضافة عدد كبير من الحيوانات أيضا, ليتدفق الدم النقي من بطيناته وأذيناته - بعد تحليلات معملية دقيقة - ليصب حرارته ذات الشجن في العلاقات وقصائد الشعر والنثر والإحساس بالوجود, حتى أن المخ - أقصد العقل - الكامن في أعلى الجمجمة - يضطرب ويتراجع تاركًا أمورا - كثيرة ومعقدة - تحت سطوة الوجدان المتفاعل ملتهبًا خارج المنطق, ليظهر هذا الإبداع في الفن والأدب والمناجزات الرياضية, واختراق المناطق الغامضة في المغامرات والرحلات, ليستيقظ العقل بين وقت وآخر ليمارس الإمعان والتحليل وترتيب حيثيات المقدمات والأسباب والنتائج في المعامل وشئون التربية والتدريب والتعليم وصناعة الورق والقماش والتلفزيونات وكيمياء الدهانات والألوان, استقبالا لما يجيش به القلب, هذا - القلب - الذي بدأ - في عصرنا الحديث - يضطرب تحت ضغوط الصواريخ والطوربيدات والدبابات والسموم والمداهمات, دون أن يعترف القلب أن معظم ما حاق به من أخطار وكوارث تولدت من الانقلابات التي جاءت حروف تكويناتها من حمق القلب.. يا قلبي..!!

وقد استحوذت النجوم - في السماء - على لقب: قلب العقرب لواحد منها أحمر اللون ذي وميض سريع يرصده علماء الفلك بدقة أكثر منا, كما أن نباتًا معمرًا - أي ذا عمر طويل - موطنه اليابان حصل على لقب (قلب مريم), نوع من نباتات الحدائق, زهوره قلبية الشكل, تتدلى في حنان قرمزي أحمر, له قدرة فائقة على جذب العيون نظرًا, والأنوف شمّا, رائحته زكية, لكني لا أعرف لماذا أطلق عليه (قلب مريم) بالذات, أما القلب المقدس فهو ما أطلق على كنيسة - مسيحية بالطبع حتى لا تختلط مع لفظ الكنيست اليهودي - أقيمت في باريس فوق ربوة مونمارتر على الطراز البيزنطي بعد الحرب الفرنسية البروسية, ولها قبة ضخمة خلفها برج شامخ.

وقد صبّ القلب - في لغته ومشاعره - أنواعًا من القوالب, دعك الآن من قوالب الطين التي استأثرت بفن المباني في مباراة تاريخية بينها وبين الأحجار, كما أرجو ألا نقف طويلاً أمام القوالب التي تستخدم في عمليات صناعية متعددة, مثل صب المعادن وقطع الألواح وسحب الأسلاك وصناعة العملات المعدنية والميداليات والحلي, إنما الذي يهمني الآن - ومع الأسف لاستبعاد العملات النقدية وما يحلّ بي - وبك - نتيجة لذلك - هو القوالب الفنية في الموسيقى الشرقية بالتحديد, وتشمل الألحان العربية والفارسية والتركية والشامية, (والهندية مع اختلاف قوالبها), حيث تتألق في مقامات راست وحجاز وسيكا ونهاوند وصبا, تمامًا كما قام الشعر العربي بالتعبير في قوالبه التي أطلق عليها علماء اللغة العربية: البحور, من الطويل والمديد والوافر والكامل إلى البسيط والرجز والمنسرح, على أي حال فإن هذه القوالب الشعرية الثابتة - والموروثة - حملت على أكتافها, وفي وجدانها - كل نظم الإبداع العربي الرئيسي, وتجارب الأفراد والجماعات والأمم, أكثر من أي فن آخر, أقصد ليس منفردًا عن الموسيقى والنثر والرسم والقصّ والحكايات, لكنه تحمل في تقلباته وأهوائه ومراوحته الدائمة للمشاعر, كل ما نسعى إلى فهمه وإدراكه والوعي به في تاريخنا العربي, حتى لو جاء العصر الحديث بتياراته المناوئة والضاغطة علينا بمصطلحاتها ذات القولبة العلمية والفنية الجارفة, أو الانقلابات العسكرية والسياسية, أو المقالب الذكية الشريرة التي تبدو جميلة بعض الوقت في الحياة أو على شاشة التلفزيون, حتى أن الأجيال التي وفدت إلى الدنيا في الثلاثين عامًا الأخيرة لم تجرب أنواعًا من المعرفة الخاصة, والتي في أجمل حالاتها: الوصول إلى قلب النخيل, هذه الأشجار الشامخة العالية في الوديان والصحراوات, حيث كنا نعالج الأرق بما في هذا القلب من (جُمّار) - رجاء ضم الجيم وتشديد الميم كي تنطق هذه الشرائح البيضاء ذات الطعم الخفي حلاوة ومضغًا, إنها متعة قصوى دون أي تقليب على النار, ودون أي تقلّب في المذاق, ودون أن يترك في القلب أي قُلاب: والقلاب داء يستقر في القلب ويؤذيه, مع مراعاة أن ذلك غير القُلّب, تلك الصفة التي تطلق على الكائن كثير التقلّب, والذي لا يستقر على حال. إنها ليست صفة حيوية فقط, إنها سياسية أيضًا يتحمل الإنسان المساءلة أو المسئولية عنها, حتى أن الفأس التي تقلِّب بها الأرض للزراعة فقدت لقب (المِقْلب) بكسر الميم وتسكين القاف, كي لا تقع في مأزق التقلبات القائمة سياسيًا وجويًا وسلوكيًا, وكادت تقع في قاع القليب - بفتح القاف وكسر اللام - إنه البئر الضاغط بعمقه المظلم على الذاكرة, والتي تدعونا الآن ألاّ نقوم بتقليب أمورنا اكتفاء بسلوان قصائد وأغاني وأفلام وحكايات الأمور القلبية, ذات الهمس الدافئ والذي - في رفق ورقة - يضيء القلب, ويتيح لنا استقبال الصباح.

كلمات لها معنى

* إني أعتذر عن كل ما يبدر مني, دون التنازل عن الفتك بك عما قد يبدر منك.
* تصور أننا نواجه الآن كارثتين: الأولى سببها الجهل, والأخرى: سببها العلم.
* أجمل ما فيك قدرتك الفائقة على الابتعاد عن الوقوع في المشاكل, غير أن هذا الابتعاد تمارسه سيرًا بظهرك إلى الخلف, لتقع دون أي مشاكل.
* عندما ظهرت أزرار الأجراس فوق الأبواب, فقدت كفوف الأيدي حرارة الاستئذان تمهيدًا للقاء.
* شجاعة السباع تتقلص بسرعة غريبة أمام عقربة تتثنى في دلال رافعة ذنبها.
* الليل يعسعس هادئًا رقيقًا في حواس المخلوقات, نادرًا ما يكتب الشاعر قصيدة في النهار.
* بعد أن نجحت - خلال الجزء الماضي من العمر - في مساواة التعامل بين أنجالي الذكور مع الإناث, بدأت أحاول إقناعهم بضرورة مساواتي معهم.
الدم


حامل اللوعة والشوق والجراثيم والحمق والسكر والبولينا هو هذا السحر اللأرجواني الغامض, المنساب في العروق ناراً وعشقاً وهدوءاً وصدقاً ورغبة, وخادماً أمينا يحمل لكل أعضاء الجسد القوت والشراب, يتدفق من القلب في نبضات هي منبع بحور الشعر, ومصدر آهة الألم الكبرى, وطاقة السعي والدأب والعناد والاسترخاء والاسترحام والأشواق, ومع ذلك فكثيرون يمكنهم الحياة دون أن يكون لديهم ذرة من الدم: المتطفلون والمتنطعون والغشاشون والجواسيس والخباصون والناكرون للجميل, وهؤلاء يختلفون عن ذوي الدم البارد مثل الحلاقين والضفادع وخدم الحانات وقاذفي القنابل والأسماك وكتبة النصوص الأدبية الرديئة أو المذكرات الشخصية التي تنال من شخصيات نظيفة, وحرّاس ثلاجات الموتى, وفاقدي الاتجاه الهائمين في محطات السكك الحديدية والمطارات والأمم المتحدة والبرك والمستنقعات والمتلاعبين فيما لا يصح التلاعب فيه, ويقابلهم ذوو الدم الحار الذين يلتهبون في المواقف حمقاً, أو كرامة, أو جهلاً, أو اختناقاً, ويقعون في منطقة الغرق بين ما يريدون وما يستطيعون, ونماذجهم من الكثرة والخطورة حتى أني أخشى أن أكون منهم مالكاً لدم صعيدي مصري عربي - ثلاث تركيبات مرعبة ومعقدة من الدم الأهوج الحار!!

والدم في أجمل حالاته هو إشارة الطبيعة للأنثى منبهاً أنها وصلت إلى المنطقة الحرجة في تكويناتها, ثم.. وحين تتورد خدودها خفراً وحياء, وحين - فوق كل ذلك - يسيل الدم هادراً مدفئاً مولودها الصارخ خارج إطار سجن التسعة شهور الأولى مضمخاً بكل حنان الدنيا, وكأنه لم يكن وراء كل النار الدموية التي صنعت التاريخ والمواقع والتقدم والمشانق والفلسفة والطب والحروب والأوبئة, ولذا فإن الناس يتعاملون في لغة الدم متناقضين: بينك وبيني دم, أي ثأر لا علاج له إلا بالقتل, وبيني وبينك دم, أي علاقة قرابة وثيقة, في حين أن لغة الدم تعني سقوط لغة الدبلوماسية, وهي لغة عالمية مفهومة ومشروحة دروسها في فلسطين والصومال ودويلات يوغوسلافيا, وغير ذلك من دروس يلعق التاريخ في دمها دون أن يصل أحد إلى مرحلة الاتعاظ.

والدم أول المحرمات شرعاً قبل الميتة ولحم الخنزير, لكنه يظل أشهى ما يتغذى عليه الحقد, وأثمن ما تسبح فيه الجراثيم, وأخطر ما يمكن الطعن به في نقاء أصل صاحبه, ودم الغزال أجمل ما يمكن به وصف كعب فتاة كاعب, والتي تتأود صابغة بالحناء قدميها, ودم التمساح استخدم فترة لإصلاح أمور العشق بعد عوائق الزواج, وتأكل بعض الجماعات التي تعيش على الفطرة الكبد الدافئة الطازجة بديلا عن عادة مذمومة ومحرمة كانوا يتوسلون بها للحصول على الشجاعة المبكرة من شرب الدم. وقد ظلت دورة الدم في الجسم غامضة حتى كشف عنها ابن النفيس المصري (ت 1288 م), لكن الغربيين يسقطونه من تاريخ التشريح ليحل مكانه مايكل سرفتوس الإسباني الذي مات محترقا على الخازوق عام 1553 م حتى لا تنسكب منه قطرة دم واحدة, ويردفون عليه وليم هارفي المتوفى عام 1657م.

والعدو الأكبر للدم: الكذب والغرام والخداع, يضطرب بسببهما اضطرابا كبيراً, ونقص أو ارتفاع السكر, وازدياد البولينا, والمفاجآت غير المتوقعة في الأموال والإنجاب والخيانة والسكاكين والطعن من الخلف - بالكلام أو بالحراب - وتفسده السيولة الشديدة أو الكثافة الشديدة, لكنه يعود إلى طبيعته حينما يهدأ على وقع ابتسامة متألقة, أو نص أدبي ساحر, أو منظر غروب الشمس تسعى لآخر خطوط الأفق, أو مستقبلة في الصباح أول خطوط الأمل.



كلمات لها معنى

* رأيتها في المنام - اللهم اجعله خيرًا - تجري وتصرخ, أسرعت خلفها لأنقذها, لم أكن أعلم أنها تستغيث باحثة عمن ينقذني.
* متعة اختزان النقود تعلو عليها لذة تبديد هذه النقود ذاتها.
* نعم توقفت عن الكتابة إليك يا حبيبتي, فقد اكتشفت أن كثرة الشرح تفسد الانشراح.
* لم أقل هذه لكني استوليت عليها: لا يعوقك عن صعود الجبل ارتفاعه, بل حصاة صغيرة في حذائك.
* الشجاع يواجه خطرًا واحدًا, أما الجبان فهو أكثر حظًا لأنه يواجه خطرين: أحدهما خارجه والثاني بداخله.

الجلد


الجلد هو الكساء الحيوي الخارجي للجسد, وموطن نقل الإحساس من الخارج إلى الداخل, وعليه مسئولية جمالية وأخلاقية تنظم الكثير من علاقات التفاهم والتواجد والتواصل والرفض والاستحسان. وذو الجلد البارد لا يختلف كثيرا عن ذوي الدم البارد وذوي الإيقاع البطيء وذوي الفهم المتعثر والذين تضمهم صفة إنسانية واحدة: البلادة, والجلد الحي موصل جيد للمشاعر, فإذا عولج بالجير الحي وثمار القرظ يصبح الجلد قابلا لنقل الماء وحفظ اللبن.

وبعض علماء الأحياء يعتبرون الجلد عضواً كاليد واللسان والبنكرياس, وفي فصيلة الحماريات يتلقى الجلد كل أنواع العقاب باليد (صفعا) وبا لعصا (ضربا) وبالقدم (ركلا) وبالسيخ المحمى (كياً), كما يقوم الجلد بإخفاء المشاعر أمام الآباء والرؤساء والأزواج والأطفال, وكلما تهذب الجلد ازدادت درجة شفافيته الحلوة حتى يكاد في بعض الحالات الغامضة أن يعجز عن حجز لون الدم خلفه, وفي حالات أرقى يمكنك أن ترى العظام. جرب هذا مع يد جميلة مرفوعة في مسار الضوء, على ألا تكون يد زوجتك.

وفي أقوال السلف: (ما حك جلدك مثل ظفرك), والمعنى واضح على الرغم من سخفه وهبوطه, إذ إن حك الجلد بالظفر عادة يكشف عن الوسط الذي جاء منه الحكاك. والجلاد كل من يوقع عقابا على الجلد في الزمن الغابر, أما الجلاد العصري فهو تاجر الجلود في معناه المحدود, وفي المعنى الشامل ينسحب الجلاد على النظم السياسية والمصارف ودور التربية والمسلسلات التلفزيونية.

والفراء هو الجلد الأشعر, ولا قيمة له في الإنسان والحمار والبغل والحصان, وتبدأ قيمة الجلد الأشعر (قبل أن يصبح فراء) في وبر الجمل وصوف الغنم, فإذا أصبح الجلد الأشعر فراء فهو شيء نادر وثمين, مثل جلود أنواع من الثعالب والسنجاب والسمور والمنك, (وقد توقف فهمي عند حدود الثعالب والسنجاب دون السمور والمنك), وكثير من الروايات البوليسية المبكرة - أي التي قرأناها مبكرا - كانت تقوم على تهريب الفراء, هذا النوع من الجلود ولو كان ثمينا, فلم أكن أتصور أن تحدث مخاطر ومؤامرات ومغامرات من أجل هذه الجلود, مع أن الجلود - بجميع أنواعها - لا تزال هي العملة السائدة في بلاد الإسكيمو وألاسكا, جلود الدببة والذئاب القطبية على وجه الخصوص.

ويمتاز الجلد الإنساني بقدرته الفائقة على أن يكون رَمْزًا للهوية والفصيلة, بل وإن جلد أطراف الأصابع أصبح أول ما يتم تصويره وحفظه بصفته بصمتك الخاصة التي لا مماثل لها, وهو ما يهم السلطات وهي تتعقبك, لأنك نَادِرًا ما تستطيع تشويه أطراف أصابعك, لَكِنَّك تستطيع تغيير كل ملامح صورتك بسهولة بطريقة جراحية بسيطة), ليس فقط بصمة أصابع اليدين أو القدمين, بل وبصمة الشفاه أيضا (قرأت ذلك من زمن لا أعرف أين).

وكلما كان الجلد متماسكا أصبح صاحبه صبورا, أي قادرا على التحمل, أي شديد الجلد- بفتح الجيم واللام - أو متجلدا, يمكنك أن تتحمل الأعاصير بصلابة باردة, وذوو الجلد الرقيق هم الشعراء وعازفو البيانو واليتامى والكلاب المدللة, أما ذوو الجلد السميك أو الثخين فهم السياسيون والحلاقون وخدم المطاعم والجاموس وضباط المباحث والقنافذ والأفيال, ولم يتم تصنيف جلود الجواسيس والمرتشين وكتاب القصة حتى الآن.

والتجليد هو فن تَغْشَيْةِ الكتب بالجلد, ومنها جاء إضفاء اسم المجلد على الكتاب الكبير, أما إذا قلت: هذا الرجل من بني جلدتنا فأنت تعني أنه من عشيرتكم وقبيلتكم, أما إذا قلت هذا الرجل جلدة فقط فهي تعني أنه بخيل جدا لا يمكن استقطار جيبه, أما الجلدة الخالصة - بفتح الجيم هذه المرة - فهو أن تجلد في دار حاكم أو في قراءة مقال صحفي ساذج.


كلمات لها معنى

* لها عينان عينا الغزال, فماذا عن ساقيها ؟؟
* إن الفساد استشرى بعد أن نجح الكثيرون في الزواج من الحبيبة الأولى.
* لن تسمع أبدًا عن قرحة في القلب, لأنه يتولى علاج الجراح بنفسه سرًا.
* كان وجهها قد ازداد اطمئنانًا ورونقًا, فقرأنا الفاتحة على روحها.
* كثير من الكتّاب فقدوا رشاقة الأسلوب, لأنهم لا يخاطبونك, بل يخاطبون شخصًا غامضًا يهتم بصياغة الكمبيالات.
* كان باحثًا أدبيًا وناقدًا أريبًا, ما ترك نصًا أدبيا يسير أمامه إلا وقاده إلى بيت صاحبه, وفي آخر مرة قاده النص الأدبي إلى عدة بيوت متنافرة, ولا يزال كلاهما في الشارع.
* حتى السماء أصابها التهتك, آخر تفسير لثقب الأوزون.
الصدر


الصدر هو مقدمة الجسد, وبئر النفس, تتلوى داخله سراديب تعج بالرغبات والمثل والوساوس والجراثيم والورد, والبؤس والأضواء والدخان والعتمة, قد يوجد عقل فارغ لكن الصدر لا يفرغ أبدا, والصدر الأعظم نوعان: واحد كان رئيسا لوزراء الباب العالي بالدولة العثمانية, وواحد عند جين راسل فاتنة السينما الأمريكية في الخمسينيات, أما أطعم الصدور الحديثة وألذها في الديك الرومي والغزال والحمام والسمان والمها والنادر من القصائد العمودية, والأكثر ثقافة يضيف بعض المقدمات الموسيقية لأغاني أم كلثوم, وصدر الدين خان هو الممثل التنفيذي لسكرتير عام الأمم المتحدة, وصدر البيت القاعة الأمامية - بافتراض أن بالبيت قاعة خلفية, وصدر الصحيفة موضوعها الأصلي المفروش على الصفحة الأولى, وذات الصدر اسم لمرض أصيبت به عدة غادات سينمائيات في أدوار منسوخة من غادة الكاميليا, أما ذات الصدور فهي خفايا النفس التي لا يعلمها إلا الله, ويتغطى الصدر بالصديري, تلك القطعة من الملبس الأنيقة في الرجال, والتي تتألق بالألوان على صدور الإناث, وتتألق بالحديد المضاد للرصاص على صدور ذوي الشأن, وصدر القرآن الكريم سورة الفاتحة, وصدر الأمة الجيش, أما صدر الحكومة فهو الشرطة, وصدر القوم بطلهم, وهو غير رأس القوم الذي هو كبيرهم, وصدر السفينة: أقوى ما فيها, وصدر الطائرة أضعف ما فيها, وصدر الأم حصن الحنان, أما صدر الأب فهو قلعة الأمان, والصادر والوارد لغة في النظام الإداري الشرقي لقطاع عمل ينقل إليه ذوو الطموح الخامل والذكاء الرتيب, أما في الغرب فالصادر والوارد هو الجهاز العصبي للأداء الإداري الحديث, وهو أول قطاع استفاد من الكمبيوتر, وتأتي المصادرة تعبيرا عن معان ثورية معاصرة تستولي فيها العقول الفقيرة على القصور الثمينة لتشخبط بالشعارات على جدرانها, وهي غير المصادرة الجنائية التي كثيرا ما تضيع فيها شحنات المخدرات, وغير المصادرة الكلامية والتي أسبقك فيها للتعبير عما تقصده لأفسد عليك نواياك, وأيضا غير المصادرة النفسية التي أقطع فيها عليك الطريق لأصيبك بالإحباط والقهر, أما أقسى أنواع المصادرة فهي التي يحل فيها الجسد محل القصور والرياش - وفي التاريخ, غير المكتوب نماذج تحترق بسببها الصدور والعقول والسيقان, ولنا الصدارة في ذلك, وفي المأثور: أطعمهم حتى أصدرهم, أي أشبعهم لدرجة الخمول, ولذا سمي اليوم الرابع في عيد الأضحى: يوم الصدر (بفتح الدال) حيث يبلغ الشبع أوجه, وقيل إنه سمي بذلك لأن الناس يصدرون فيه عن مكة - أي ينصرفون إلى بلادهم, أما المصدر فهو أنواع: في اللغة صيغة اسمية مشتقة من الفعل وأشهرها المصدر الميمي والصناعي, وفي الحياة العامة: المصدر هو الشخص الغامض الذي يشار إليه في التصريحات التي تبدو مهمة بقولهم: صرح مصدر مطلع, وعلق مصدر موثوق به, وأشار مصدر سياسي, وفي حالات كثيرة لا يكون المصدر شخصا غامضا بل شخصا معروفا لا يحب أن يتحمل المسئولية, وغالبية ما ينسب لهذه المصادر من تصريحات تكون ساذجة لا يعول عليها كثيرا, ولعل المصدر الرسمي يكون مصدورا أو بصدره اختناق, أو بصدره لغط, أو بصدره بعض الأدران, والله عليم بذات الصدور.

كلمات لها معنى

* يتكلمون كثيرًا عن الكتب.. العوانس والأدباء.
* همس لها: اخرجي من قلبي, صرخت فيه: اطلع من نافوخي, ولذا لجأ للشاكوش.
إنه يمد يده بالإجابة قاصدًا أن يمدها بالسؤال, إنه أرعن.
كلمته عن نزوات أصدقائه معها, فوقع في هوة الأخلاق الفاضلة, ومات فيها.
كان جسدها قد تجاوز المساحة التي حددها فستانها.
كانت قادرة على أن تضغط على الرجل حتى يتحول إلى قصيدة مهشمة القوافي.
إنها مثل الجريمة, تظل أمتع ما يمكن مشاهدته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.