مجلس الأمن ينهي مهام ولاية بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة نهاية مارس المقبل    مُوَشَّحُ الأَلَمْ    زيارة قبر نبي الله هود في حضرموت: موسم سنوي للتجمع الديني والاجتماعي    معرض استهلاكي في محافظة البيضاء قبل حلول شهر رمضان المبارك    توقعات بارتفاع الذهب إلى 6000 دولار في 2026    فاجعة كروية.. مصرع 7 من مشجعي فريق باوك اليوناني    في الميزان: خطاب 94 وحوار الرياض    جريح بنيران جيش العدو السعودي في صعدة    بن حبريش يعلن وقف التقطعات ويتبنى موقفًا يمنيًا رافضًا لأي ترتيبات جنوبية    اليوم الجولة الأخيرة لأبطال أوروبا.. 18 مباراة في ليلة حسم التأهل لثمن النهائي    اليوم نصف نهائي البطولة الشاطئية للكرة الطائرة على كأس الرئيس الشهيد بالحديدة    د/ مطهر الدرويش: الحصار يفاقم الحالات المستعصية ويقلّص استيراد الأدوية بنسبة 60%    تجاهل قضية الجنوب وإرادة قضيته.. مخططات يمنية مشبوهة لن تمر    وفاة 42 شخصاً في أمريكا جراء العاصفة    مجلس الشرق الأوسط: بإمكان اليمن تجاوز هذه المرحلة الصعبة    مدير عام جمارك عفار يكرم عدد من عمال المركز    رمضان تحت القصف الناعم: حين تتحول الشاشة إلى سلاحٍ ضد الوعي    حملة إلكترونية تُعيد قضية التربوي زكريا قاسم إلى الواجهة بعد 8سنوات من الإخفاء القسري    لجنة التحقيق تستمع إلى شهادات أكثر من 30 من ضحايا الانتهاكات الحقوقية في سقطرى    شركة ماس للإنتاج الفني والإعلاني تشكو اعتداءً على لوحاتها الإعلانية في عدن    الإرياني: مليشيا الحوثي تواصل تهديد الملاحة الدولية لخدمة الأجندة الإيرانية    مسيرات شعبية لقوات التعبئة في إب دعماً لفلسطين    وفاة قيادي رفيع في ألوية العمالقة    تحضيرات لعقد مؤتمر لتوجيه البحث العلمي نحو توطين الصناعات    شرطة تعز تضبط متهماً بالاعتداء على طالبة وسط المدينة    الرئيس المشاط يعزّي في وفاة الشيخ حسن حمود غثاية    الذهب والفضة بالقرب من مستويات مرتفعة قياسية    فرنسا تدعو إلى تنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة    الخلافات الكردية تؤجل جلسة البرلمان العراقي لانتخاب رئيس الجمهورية    تدشين وصول منحة المشتقات النفطية السعودية لتشغيل محطات الكهرباء بعدن    الأرصاد: أجواء باردة إلى باردة نسبيًا وتوقعات بتلاشي موجات الغبار خلال الساعات القادمة    توكل كرمان تضع محمد مرسي فوق مقام النبوة مزاحما لرسول الله محمد وصمت علماء الإصلاح يثير الاستغراب    نقابة المعلمين: أكثر من 3 ملايين طفل خارج مقاعد الدراسة في مناطق المليشيات    تعز.. طفل يقتل توأمه في ماوية    قراءة تحليلة لنص أحمد سيف حاشد "القات.. تآكل الروح"    لسنا كما كنّا..عنواننا الأخير..!!    حصار متواصل على ميناء الحديدة.. كيف تساهم آلية (UNVIM) الأممية في تجويع اليمنيين؟    عرفنا أبين وشباب الجيل ينجحان في البقاء بدوري الدرجة الثانية في ختام منافسات البطولة    الصين ترفض اتهامات أمريكا لها بشأن "كوفيد-19"    أكثر من 35 شركة نفطية وتجارية يمتلكها رشاد العليمي.. هل ورثها من أبيه؟    "فيديو وصور" أجسام مضيئة تثير دهشة اليمنيين ومختصون يفسرون الظاهرة    رئيس الوزراء يوجه بتنفيذ آليات رقابة صارمة على منحة المشتقات الخاصة بالكهرباء    هدم أقدم ملعب كرة قدم في العالم    صنعاء: انطلاق معرض الفن التشكيلي بعنوان "شهيد القرآن"    اليمنية تدشن رحلاتها الجوية من مطاري المخا وسقطرى مطلع فبراير القادم    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد "شرار مسقط الرأس"    يوفنتوس يقسو على نابولي بثلاثية نظيفة في تورينو    اليونايتد يطيح بارسنال ويقتحم مربع الكبار    الدوري الايطالي: قمة الأولمبيكو تنتهي بالتعادل بين روما وميلان    الصماد أنموذج العطاء والولاء    مرض الفشل الكلوي (38)    الأشخاص الأكثر عرضة للخرف    وحدة الصف روحها المبدأ والتضحية    علماء اليمن من صعدة: الدفاع عن القرآن ونصرة فلسطين واجب ديني وأخلاقي جامع    ارتفاع مخيف للاصابات بمرض الحصبة خلال عام.. وابين تتصدر المحافظات اليمنية    فقه الكهف: استراتيجية الثبات وصناعة اليقين في زمن المتغيرات    كيف يتفنّن الطغاة في صناعة المبررات لجرائمهم؟    احصائية مخيفة للسرطان في محافظة تعز    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سعيد الشهري وجْه )القاعدة( الصاعد...ونموذج الإرهاب القادم من السجون
نشر في لحج نيوز يوم 20 - 06 - 2010

سعيد الشهري، صاحب الرقم 372 في معتقل غوانتانامو، والرقم 31 على لائحة المطلوبين ال 85 لأجهزة الأمن السعودية، هو اليوم الرجل الثاني في تنظيم «القاعدة» بعد أسامة بن لادن، إضافة إلى كونه الزوج الثالث ل «السيدة الأولى» في التنظيم وفاء الشهري المعروفة ب «أم هاجر الأزدي".
والشهري الذي تم تكريسه نائباً لزعيم «القاعدة» في اليمن أو «قاعدة الجهاد في جزيرة العرب» عبر تسجيلات صوتية ومواقف «رسمية» له، هو إلى ذلك، واحد من 11 سعودياً خرجوا من معتقل غوانتانامو إلى صفوف «القاعدة» وواحد ممن خضعوا لبرنامج المناصحة من دون أن يتخلوا عن عقيدتهم القتالية. كل ذلك يجعل من الشهري رقماً صعباً في معادلات مكافحة الإرهاب التي تتسابق مع قدرة «القاعدة» على انتاج وتشكيل وجوه جديدة لها. لكن في الوقت الذي ارتبط اسم الشهري اخيراً بعدد من الأحداث المتلاحقة بدءاً من إعلانه عن فرع يمني للتنظيم، مروراً باتهامه بالضلوع في تفجير موكب السفير البريطاني في صنعاء اواسط نيسان (أبريل) الماضي، ووصولاً إلى دفاعه العلني المتلفز عن هيلة القصير وتبنيه لها، يبقى ان أهمية الشهري تكمن في كونه يفتح ملفاً أوسع منه ومن تلك الأحداث المباشرة التي ارتبط بها. إنه نموذج عن شريحة من خريجي معتقل غوانتانامو الذين عادوا إلى صفوف «طالبان» و «القاعدة»، سواء كانوا أعضاء ناشطين في التنظيمين قبل دخولهم المعتقل، أو تم تجنيدهم فيه فخرجوا جاهزين للانتقام من سنوات قضوها معزولين خلف القضبان في تلك الجزيرة الكوبية. والنتيجة في الحالين واحدة، وهي ان المعتقلات والسجون وبرامج التأهيل لا تعطي بالضرورة النتائج المرجوة منها، بل تكون في أحيان كثيرة بيئة حاضنة وخصبة لإنتاج مجرمين جدد يتبوؤون مناصب قيادية.
وبهذا، يشكل الشهري «أيقونة» لمجموعات أثارت وتثير مخاوف أجهزة الأمن، وأولتها وزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون) أهمية قصوى لتهديدها الأمن القومي وجهود مكافحة الإرهاب، لا سيما أن صعودها يتزامن مع «وعد» قطعه الرئيس الأميركي باراك اوباما إبّان انتخابه بإغلاق غوانتانامو نهائياً، ثم قراره نزع صفة «مقاتل عدو» عن المتهمين بالإرهاب.
وكان الشهري الذي يعرف أيضاً ب «أبو سفيان الأزدي» أو «أبو أسماء» نسبة الى ابنته التي ولدت من زواج أول له أثناء غيابه، اعتقل أواسط عام 2002 على الحدود الأفغانية الباكستانية ونقل إلى قندهار ثم غوانتانامو. وبحسب محاضر جلسات المحاكمات العسكرية في «القاعدة» الاميركية في غوانتانامو، وتقارير «اللجنة الإدارية لمراجعة الأدلة» كان الشهري يصر على أنه عامل إغاثة توجه إلى منظمة الهلال الاحمر في أفغانستان بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) ليقدم العون وينقل المساعدات للمدنيين.
وعن رحلاته إلى باكستان وإيران التي علمت بها أجهزة الأمن، وواجهته بها، قال إنها كانت بغرض شراء السجاد والتحف لمتجر المفروشات الذي تملكه عائلته في الرياض. وتمسك الشهري طوال فترة اعتقاله التي امتدت حتى نهاية 2007 بهذه الرواية، نائياً بنفسه عن أي تأييد لأسامة بن لادن لا بل كان يصفه بأنه «ضد الإسلام ولا يفيد قضايا المسلمين».
لكن ملف الشهري لدى اجهزة الامن الاميركية لم يبدُ بالنقاء الذي زعمه. ففي 23 أيلول 2001 غادر الشهري السعودية للمرة الثانية وتوجه الى البحرين حاملاً مبلغ ألف و900 دولار أعطاه لشابين متوجهين للقتال في أفغانستان ثم أحضر مبلغاً مشابهاً وأعطاه لشابين آخرين وهكذا خطا خطواته الأولى في تسهيل مهمة سفر «المجاهدين». بعد فترة وجيزة انتقل الى مدينة مشهد الإيرانية، القريبة من الحدود الافغانية وراح يعمل من هناك «وكيل سفر» لمقاتلي طالبان و «القاعدة»، ودليلاً لهم خلال رحلتهم حتى عبورهم عند نقطة «الطيبات». وبحسب تقرير لجنة «البحث عن إجابات ل 11 ايلول» (NEFA)، فإن أجهزة الامن الاميركية كانت جمعت معلومات تفيد بأن الشهري اكتسب خبرة قتالية وتلقى تدريبات في «معسكر الليبي» شمال كابول، نسبة إلى «أبو يحيى الليبي» الذي قالت مصادر أمنية باكستانية انه قتل مطلع 2009 بعملية أميركية باكستانية مشتركة. لكن الشهري عندما كان يواجه بتلك الاتهامات في غوانتانامو كان يصر على أنه «مجرد مسلم وليس إرهابياً» وأنه وقع في الأسر من طريق الخطأ.
ونظراً إلى أن معتقلي غوانتانامو لم يخضعوا لمحاكمات فعلية وتوجيه تهم جنائية واضحة، ينتج عنها عقوبات تتحدد مصائرهم في شكل قانوني. أخلي سبيل الشهري في 2007 وأعيد الى المملكة العربية السعودية على ان يخضع لبرنامج المناصحة. لكنه بعد فترة وجيزة تمكن من الهرب إلى اليمن حيث بنى فرعاً لإمارة أسامة بن لادن وأعلن نفسه نائباً له في جزيرة العرب. وهو على ما يبدو خلال تلك الفترة لم ينقطع انقطاعاً تاماً عن أبناء دعوته.
ففور خروجه الى اليمن، قام رفيقه يوسف الشهري، الخارج أيضاً من غوانتانامو، بتزويجه بأخته وفاء، المعروفة بأنها أول سعودية تنضم رسمياً الى تنظيم «القاعدة».
وهي بعد طلاقها من زواج أول وإنجابها ولداً تزوجت ب «القاعدي» عبدالرحمن الغامدي الذي قتل في مواجهات الطائف في 2004 وأنجبت منه طفلاً آخر. وبعد زواجها الثالث من سعيد الشهري، حملت ابنيها ووافته الى اليمن، وراحت تنشط من هناك فتبث رسائل الكترونية عبر المواقع الجهادية تحضّ فيها النساء على الانضمام إلى «شباب الجهاد» وتقديم الدعم لهم. وثمة معلومات تفيد بأنها هي من عرفت زوجها بهيلة القصير (أم الرباب) ووافقت على زواجه بها لتسهيل تحركاتها ومهماتها.
ومنذ أن أصبح الشهري الوجه الصاعد ل «القاعدة»، استعر النقاش في الولايات المتحدة بين من وجد في سيرته دليلاً قاطعاً على ضرورة إبقاء معتقل غوانتانامو وعدم إعادة نزلائه إلى بلدانهم، ومن رأى فيه «ضحية» للاعتقال التعسفي الذي طبقته الإدارة الاميركية السابقة بحق أشخاص أبرياء فحولتهم إلى مجرمين متعطشين للعمل ضدها.
والسؤال الذي يطرحه مؤيدو هذا الرأي هو أن إدارة الرئيس السابق جورج بوش التي اعتقلت «الشهري» هي نفسها من أطلق سراحه... من دون أي محاكمة. فماذا لو كان فعلاً مجرد تاجر سجاد بريء قضى 4 سنوات ظلماً في غوانتانامو في أسوأ فتراته؟ ألن يخرج متحمساً للانتقام؟
وأكثر من ذلك، في حال كان مذنباً لدى دخوله وتعامل فعلاً مع «طالبان» و «القاعدة»، لماذا لم تؤثر فترة اعتقاله ومن ثم «مناصحته» في إعادة تأهيله وإبعاده عن عقيدته القتالية؟ يتزامن هذا النقاش مع كشف مسؤول في «البنتاغون» عن أن 20 في المئة من المفرج عنهم من غوانتانامو عادوا إلى نشاطهم السابق، وهو رقم يصعب مهمة إغلاق المعتقل من جهة، ويفتح الباب على نقاشات أكثر تشعباً من جهة أخرى. فالرقم اعلاه أورده مستشار الشؤون الارهابية في إدارة أوباما جون برينان، في رسالة موجهة إلى رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي في شباط (فبراير) الماضي. وميز برينان بين من «تأكدت عودتهم» إلى العمل الارهابي ونسبتهم 9.6 ومن «يشتبه بعودتهم» ونسبتهم 10.4.
لكن هذا الرقم يتناقض مع إحصاءات سابقة كشف عنها مسؤولون آخرون في «البنتاغون» عمن ثبت تورطهم بأعمال إرهابية بعد الإفراج عنهم وارتفعت نسبتهم من 11 في المئة إلى 16 في المئة بين كانون الثاني (يناير) ونيسان 2009. وبالمقارنة مع الأرقام التي كانت رشحت في حزيران (يونيو) 2008 والأرقام الأخيرة، مع احتساب هامش الخطأ يبدو أن العدد قفز مرتين أي من 37 في 2008 إلى 74 في 2009.
ولا شك في أن تضارب الارقام والمصادر التي تصدر عنها في الإدارة الاميركية هو أحد أوجه الانقسام بين الديموقراطيين والجمهوريين في خوض الحرب على الارهاب. فإدارة أوباما الحالية التي تطمح الى تصحيح أخطاء إدارة بوش عبر إغلاق المعتقل وتحسين علاقاتها مع المسلمين، تقلل من شأن تلك الإحصاءات بالقول إن نسبة العودة إلى العمل الاجرامي عموماً (خصوصاً القتل والسرقة بشقيها السطو والنشل) داخل الولايات المتحدة تصل إلى 50 في المئة، وبالتالي فإن 20 في المئة للإرهابيين ليس رقماً سيئاً «خصوصاً أن البعض لم يثبت تورطه بعد». ومسألة السجون ليست جديدة بل لطالما شكلت مصدر قلق للسلطات الأمنية الى درجة حددتها «الاستراتيجية الحكومية لمكافحة الإرهاب في بريطانيا» في 2006 بأنها تأتي بعد المساجد مباشرة في ترتيب الأماكن الأساسية للتجنيد، تليها المؤسسات التعليمية خصوصاً في المرحلة الجامعية.
فالسجون وما توفره من بيئة مغلقة منقطعة عن العالم الخارجي ومنتظمة في روتين نظام داخلي جماعي، تعيد الأفراد البالغين إلى مرحلة جنينية آمنة، يحجز كل منهم حيزه فيها فيعيش على إيقاع وقعات الطعام والتريض وبعض النشاطات القليلة المتاحة. وبسرعة يتكون مجتمع موازٍ للسجناء تشتد أواصره بطبيعة الحال، لأن السجن في تعريفه يقتل الفردية ويقمع الهوية الجنسية ويقطع الروابط الاجتماعية من خارج أسواره. فكيف إذا كان السجن على جزيرة نائية في غوانتانامو، خارج اي تصور مكاني أو مناخي للمعتقلين وعائلاتهم؟
ولا يأتي من عدم اهتمام الحكومات الاوروبية ببيئة السجون وما تنتجه من «خارجين عن القانون» وصفوا بأنهم إرهابيون، يحدث أنهم اليوم إسلاميون متطرفون. فقد اختبرت تلك الانظمة نماذج مشابهة من «النضال المسلح» إذا صح التشبيه، خصوصاً في إرلندا الشمالية واسبانيا مع حركة «إيتا». وحتى في أميركا تشكلت حركة «المسلمين السود» المتطرفة أواسط الاربعينات داخل السجون وعبرها على امتداد الولايات، ما فرض على تلك الحكومات وضع خطط لمكافحة الارهاب وبرامج تأهيل تشبه إلى حد بعيد الاستراتيجيات التي تعتمد اليوم، ولكن مع اختلاف الازمنة والظروف وتعريف الارهابي نفسه.
وأحد أبرز الامثلة الحديثة في بريطانيا عن «الارهابيين الاسلاميين»، ريتشارد ريد المعروف ب «صاحب الحذاء المفخخ» الذي اعتنق التشدد في السجن، وحاول تفجير طائرة أميركية في رحلة داخلية قبيل عيد الميلاد في 2001. ونتج عن محاولته تلك إجراءات أمنية مشددة في المطارات تقضي بخلع المسافرين أحذيتهم لتفتيشها. ويضاف إلى ريد البريطاني والشهري السعودي لائحة طويلة من المعتقلين السابقين من جنسيات وخلفيات مختلفة عادوا الى نشاطاتهم «الجهادية» بعد الإفراج عنهم. وعلى اختلاف سياقاتهم لكن هؤلاء غالباً ما كانوا يودعون السجن أنفاراً أو من عناصر في الصفوف الوسطى فيخرجون بمناصب قيادية أو زعامة محلية ومسؤوليات ميدانية.
ويمكن ذكر عبدالله صالح العجمي الذي أعيد من غوانتانامو الى الكويت في 2005، ونفذ عملية انتحارية في الموصل (شمال العراق) في 2008 أوقعت عدداً كبيراً من الضحايا وأحدثت أضراراً مادية جسيمة، تم تصويرها وبث مقاطع منها على الشبكة العنكبوتية كمادة ترويجية.
وإبراهيم بن شكران الذي سلم للمغرب في 2004، فأعيد اعتقاله في 2007 لتزعمه فروع «القاعدة» في المغرب العربي وكان من ضمن مهامه تجنيد المقاتلين وإرسالهم الى العراق. والأفغاني عبدالله محسود (الصورة)، الذي أطلق سراحه من غوانتانامو في 2004 فصار قائداً ميدانياً في المنطقة القبلية، وكان مسؤولاً عن عدد من العمليات بينها تفجير فندق «ماريوت» في إسلام آباد واختطاف مهندسين صينيين، إلى أن فجر نفسه قبل أن يقع في أيدي الشرطة الباكستانية في 2007.
هؤلاء عينة من لائحة ليس المجال للتوسع فيها، لكن لا بد من التمييز في هذا السياق بين من تحتضنه المجموعات المتطرفة داخل السجن وتجنده للعمل لحسابها وبين من يدخل معتنقاً تلك الأفكار وله خبرة في العمل الميداني فيكمل لدى خروجه ما كان بدأه من نشاط قبل فترة السجن. وبهذا يصبح الاحتجاز بمثابة وقت مقتطع يستغله السجين في التشبع أكثر من أيديولوجيته، وترسيخ افكاره ونوعاً من «إعداد العدة» المعنوية والذهنية لجهاد تطبيقي فور الخروج.
والواقع أن المجموعات المقاتلة والمنخرطة في العمل النضالي عموماً تولي أهمية قصوى للفترة التي يقضيها أعضاؤها خلف القضبان، حتى أن لقب أسير سابق أو محرر يعد مفخرة لحامله ويمنحه أسبقية على بقية رفاقه. فتلك «معمودية نار» تختبر فيها النوايا وصدق الانتماء للمجموعة والقدرة على تحمل الشدائد والتضحية من أجل «القضية». والإسلاميون لا يشذون عن هذه «القاعدة»، بل شكّل السجن جزءاً رئيساً من أدبياتهم ونتاجهم الفكري وحملاتهم الدعووية، بدءاً بابن تيمية مروراً بسيد قطب وصولاً إلى الظواهري (في مؤلفه فرسان تحت راية النبي) والمقدسي. فكرس كل من هؤلاء جزءاً كبيراً من كتاباته للإشادة بالسجون بصفتها المكان الأنسب لشحذ العزائم، وتحمل الشدائد والتفرغ للصلاة حتى اعتبرها المقدسي «نوعاً من الجهاد». وكتب المقدسي «أوراق من دفتر سجين» و «رب السجن أحب إلي مما يدعوني اليه» وغيرها من الرسائل والاشعار التي يصف فيها عذابات السجن. ويشكل شعره «سجون عطرة» بمثابة نشيد افتتاحي لكثير من المواقع الجهادية وخلفية لأفلام ترويجية تبثها تلك المواقع.
واعتبر المقدسي أن السجن أفضل مكان لجني ثمار الإيمان لأنه يمنح فرصة الاختلاء بالذات وتكريسها للصلاة وإطاعة الله، وتقوية العزيمة في سبيل الجهاد. ويبدو أن عمر، ابنه، الذي قتل الاسبوع الماضي في العراق أكثر من تأثر به. فبعدما قضى نحو 7 سنوات في السجن كتب لوالده في إحدى رسائله يقول «ازددت إصراراً أكثر عندما دخلت السجن (...) والسجون في بلدنا العراق أصبحت أكبر جامعة لطلب العلم لأن الأساتذة يلتقون فيها من أنحاء العالم كافة. وأشكرك كثيراً يا أبي على هذا الأمر الذي اخترته لي وأنا لست نادماً على شيء».
وإلى ذلك، خصصت «وثيقة مانشستر» فصلاً كاملاً للسجون والتعليمات في حال الاعتقال وماذا على المعتقل أن يتوقع وكيف يجب أن يتصرف. ويشدد الدرس الثامن عشر على بناء شبكة امان داخل السجن، واستغلال الزيارات والرسائل للتواصل مع العالم الخارجي والاهم من هذا وذاك إقناع السجان بأنه نجح في إقناعهم بالتخلي عن عقيدتهم القتالية. وفي تطبيق واضح للدرس، استطاع الشهري التصرف طيلة سنواته في غوانتانامو بصفته تاجر بريء، يبعث الرسائل لأهله يمدح فيها طيبة سجانيه، ويقول إنه تعلم الإنكليزية بفضلهم، ونجح عمر المقدسي في إخفاء هويته الحقيقية وهوية والده وجعل الجميع يعتقد أنه عراقي.
أما بن لادن، فلا يترك فرصة إلا ويأتي على ذكر المجاهدين الاسرى وفي كل تسجيلاته يدعو إلى فك أسرهم، ويشيد ببطولاتهم في تحمل الصعاب وذلك منذ اعتقال الشيخ عمر عبدالرحمن لدوره في تفجير مركز التجارة العالمي في 1993. وشكل معتقلو غوانتانامو هدفاً مباشراً لابن لادن، فيتوجه اليهم في شكل مباشر ويسميهم بأسمائهم ويبرئ البعض منهم من اي علاقة بتنظيم «القاعدة»، ويثني على جهود البعض الآخر. وتشكل المقتطفات المتعلقة بالسجون خصوصاً بعد فضيحة ابو غريب، مادة رئيسة في المواقع الجهادية وذريعة مباشرة للحض على محاربة السجانين وبلدانهم من خلفهم.
ومن شأن ذلك إشعار المعتقل بأنه لم يذهب طي النسيان، وأن تضحياته موضع تقدير واعتزاز وهي خطوة في الترقي الهيكلي. لذا لا يعود مستغرباً أن يتبوأ الشهري المنصب الثاني في قيادة «القاعدة» كما لا تستغرب عودته إلى التنظيم أصلاً. فهو إضافة إلى كونه ناشطاً سابقاً، و «أسيراً محرراً» أثبت جدارته في الامتثال للتعاليم كافة، وقدرته على التواصل بنجاح مع مجموعات جديدة تستقطبها «القاعدة»، ألا وهي النساء.
وبهذا يصبح افتراض أن غوانتانامو يشذ عن غيره من السجون والمعتقلات في غير محله. فالشهري واحد من 20 في المئة عادوا إلى الإرهاب وهي نسبة فعلاً أقل من ال 50 في المئة للعود الجنائي، لكن أضرارها أكبر بكثير.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.