جمعية حماية المستهلك تدعو إلى تنظيم تجارة المبيدات الزراعية    جمعية حماية المستهلك تدعو إلى تنظيم تجارة المبيدات الزراعية    الأمسيات الرمضانية تتواصل في مديريات محافظة صنعاء    صحيفة صهيونية: المنظمة التي كانت تمثل اليهود الأمريكيين لم يعد لها أي تأثير في أمريكا    التحالف الصهيو-أمريكي يبدأ معركة التصفية الشاملة من غزة إلى مكة    قرار اسقاط رسوم ترمب يشعل معركة قضائية مطولة بأمريكا    السيد القائد يستعرض قصة موسى ويؤكد اهمية التحرك العملي وفق تعليمات الله    الفريق السامعي يدين العدوان الاسرائيلي المتواصل على لبنان    رئيس الإصلاح يهنئ خادم الحرمين وولي عهده بذكرى تأسيس المملكة ويشيد بدعمهما لليمن    استفادة 11 ألف أسرة من المطابخ والمخابز الخيرية بمديرية آزال بأمانة العاصمة    ذمار.. تدشين مشروع المطعم الخيري الرمضاني ل 2500 أسرة فقيرة    السعودية تندد بتصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل    مليشيا الحوثي تنهب مخصصات دار الحبيشي للأيتام في إب    هؤلاء الأطفال الجرحى سيقودون مقاومة مسلحة ضد الاحتلال اليمني إذا بقي على أرض الجنوب عند بلوغهم سن الشباب    احتلال وابتزاز.. سلطات اليمن تمارس أقذر أشكال العقاب الجماعي ضد الجنوب    توزيع سلال غذائية في سقطرى بدعم سعودي    بهدف قاتل.. أوساسونا يهزم ريال مدريد (2-1) في الليغا    صنعاء: لحظة حاسمة في شارع خولان .. وبشرى سارة لاهالي حي السنينة!    الحديدة.. حادث سير مروع يودي بحياة شخصين احتراقًا    ملتقى أبناء حزم العدين يكرم حافظات للقرآن وأوائل الحلقات في مخيمات النزوح بمأرب    نص المحاضرة الرمضانية الرابعة لقائد الثورة 1447ه    السعودية تدين تصريحات هاكابي وتصفها ب"سابقة خطيرة" من مسؤول أميركي    الصحة العالمية: أوقفوا استهداف المستشفيات في السودان فوراً    هيئة المواصفات تطلق حملة رمضانية لحماية المستهلك    الهيئة العامة للزكاة تطلق مشاريع إحسان بقيمة 26 مليار ريال    نبيل هائل يدشن سلسلة اللقاءات التشاورية مع موظفي المجموعة    انفجار عبوة ناسفة يستهدف طقماً عسكرياً في سيئون    فريمكس) التابعة لمجموعة هائل سعيد أنعم وشركاه تستحوذ على 60% من أسهم (جلف نيو كير) في السعودية    هدية مجلس العليمي وأتباعه للصائمين في الجنوب.. أزمة غاز تضرب كل بيت ووسيلة نقل    بموجة تدفق جديدة.. وصول 120 مهاجرا أفريقيا لسواحل محافظة شبوة    عدن.. قوة مشتركة تنفذ حملة مداهمات وتعتقل عناصر محسوبة على الانتقالي    استهداف طقم عسكري بعبوة ناسفة في وادي حضرموت    الارصاد: إستمرار تأثير الكتلة الهوائية الباردة على أجزاء واسعة من المرتفعات والهضاب والصحارى    مصادر: نقاش واسع حول استحداث محافظة جديدة جنوب اليمن    مركز الأمل يعلن تسجيل 1967 إصابة جديدة بالسرطان في تعز خلال 2025م    كلاسيكو السعودية.. الهلال يواجه الاتحاد    بشكل مفاجئ.. نيمار يعلن عن موعد اعتزاله كرة القدم    بنك الدواء يستقبل قرابة 300 حالة لمرضى القلب والضغط    عدن على صفيح ساخن... أين موقف ممثلي الجنوب أبوزرعة والصبيحي في مجلس القيادة؟    قرعة بطولة أوسان الرمضانية تجمع شباب اليمن في مصر بمجموعتين قويتين ومواجهات مرتقبة في الافتتاح    من عدن.. رئيس الحكومة يحدد أولويات المرحلة ويطلق مسار التعافي الاقتصادي    المنتخب الوطني الأول يدشن معسكره الداخلي استعداد للجولة الأخيرة لتصفيات آسيا    فنانون عالميون يطالبون مهرجان برلين بموقف ضد جرائم "إسرائيل" في غزة    استعدادا لمواجهة لبنان.. استدعاء 30 لاعبا لقائمة المنتخب الوطني الأول للبدء بمعسكر داخلي    حركة سفر نشطة.. أكثر من 438 ألف مسافر عبر المنافذ المختلفة منذ مطلع فبراير    تسجيل أكثر من 14 ألف إصابة بمرض الملاريا في تعز خلال 2025    إرشادات صحية لمرضى السكري تضمن صيامًا آمنًا في رمضان    باحث في الآثار: تهريب نحو 23 ألف قطعة أثرية يمنية خلال سنوات الحرب    سوء فهم أم عجز أكاديمي خليجي؟    دوري أبطال آسيا الثاني: النصر السعودي يتقدم للدور ربع النهائي    تكدس سيارات المسافرين في منفذ الوديعة الحدودي    دوري ابطال اوروبا: كلوب بروج يقتنص تعادل مثير بمواجهة اتلتيكو مدريد    الثور مقطوع الذنب "الذيل".. والإخوان المسلمون    رمضان في اليمن.. موائد جماعية وروح تكافل متوارثة    المجلس العالي للدولة في السلطنة القعيطية يرفض إعفاء العلامة بن سميط ويؤكد ثقته بكفاءته وخدمته لأهالي شبام    آثار اليمن تُهرَّب عبر البحر... والمتاحف التي تعرضها تجني آلاف الدولارات    أفق لا يخص أحداً    التضامن مع حاشد شهادة على الوفاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عدن وتوسع الدولة العثمانية
نشر في 14 أكتوبر يوم 29 - 01 - 2013

قدر عدن في صراعات التاريخ أن يكون موقعها الجغرافي هو من يصنع مصيرها السياسي.
عبر الحقب الزمنية ظلت عدن هدفاً طرقه عبر البحار تسلك إليه الأطماع الاستعمارية التي لا تسقط من حساباتها المصالح الاقتصادية والهيمنة على أحد المنافذ البحرية الهامة قديماً وحديثاً، فكان هذا الموقع نقطة التقاء الطموحات كما كان من أسباب النزاع والصدام، وعلى امتداد نفوذها البحري عملت عدن على الحفاظ على منزلتها بالرغم من الأزمات العاصفة التي مرت بها، وكان لموقعها ما بين خليج عدن والبحر الأحمر والجزر المتصلة بأهمية اقترابها من باب المندب حتى البحر الأحمر، ما جعل كل من يقدم على صنع عملية سياسية في هذه المنطقة لا يغفل هذا المكان من إستراتيجية الشرق الأوسط، فهذا البحر يعد واحداً من أهم المجالات الحيوية في العالم، فمنه يكون ملتقى أكبر قارات في العالم وهي آسيا وأوروبا وأفريقيا.
كذلك يطل على أوسع المساحات المائية في العالم، البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود وبحر العرب وبحر قزوين والمحيط الهندي والخليج العربي.
هذا المد البحري الواسع لعدن عبر مياه البحار هو ما جعل كل دولة تسعى لتطوير نفوذها في المنطقة، تجعل من عدن أهم أهدافها للسيطرة عليها، ولم تكن الخلافة العثمانية التي أسست في عام 1281م تغفل عدن في مثل هذه الأمور وعبر البحر كان الصراع وانتقال التوازن الدولي، وأحداثاً مازالت تعيد قراءة تاريخ هذه المدينة حتى اليوم.
يقول الدكتور محمد عبداللطيف البحراوي في كتابه (فتح العثمانيين عدن وانتقال التوازن الدولي من البر إلى البحر) الصادر في عام 1979م عن دار التراث في القاهرة، حول موقع عدن ومكانته في حسابات التاريخ والسياسة وما ينتج عن ذلك من تعاقب الصراعات الدولية على هذه المدينة ومركزيتها في العلاقات بين الشرق والغرب: (وعدن واقعة في الركن الجنوبي الغربي للجزيرة العربية، وهي شبه جزيرة من صخور بركانية يبلغ ارتفاعها في المتوسط حوالي 1776م قدماً فوق سطح البحر، وطولها حوالي خمسة أميال من الشرق إلى الغرب، وثلاثة أميال من الشاطئ الشمالي إلى رأس عدن وهي أقصى نقطة في الجنوب وتتصل شبه جزيرة عدن بالجزيرة العربية بواسطة رقبة من أرض رملية منخفضة نسبياً، وقد بنيت مدينة عدن على الشاطئ الشرقي لشبه الجزيرة في موضع يحتمل أنه فوهة بركان خامل تحيط به صخور شاهقة تكون حاجزاً طبيعياً عجيباً، ولذا تبدو المدينة بين آكام آخذة بعضها برقاب بعض من جميع الجهات، إلا من جهة البحر.
ورأس عدن الداخلة في البحر عبارة عن بركان قديم ترتفع رأسه إلى 335 متراً فوق سطح البحر، قال عنها أبو محمد الحسن بن أحمد الهمداني: (عدن جنوبية تهامية وهو أقدم أسواق العرب وهي ساحل يحيط به جبل لم يكن فيه طريق فقطع في الجبل باب بزبر الحديد فصار لها طريق إلى البر).
وحول عدن بنيت عدة قلاع على نتوءات عالية حادة من الحجر، وتبعد شبه جزيرة عدن عن مدخل البحر الأحمر إلى الشرق بحوالي مائة ميل.
ويوجد ميناءأن أحدهما خارجي يواجه المدينة وتحميه جزيرة صغيرة مقابلة هي جزيرة صيرة، وميناء داخلي يسمى خليج عدن ويسميه العرب بندر، واتساعه من الشمال إلى الجنوب حوالي ستة كيلو مترات ومن الشرق إلى الغرب ثلاثة عشر كيلو متراً ويبلغ عمق المياه فيه حوالي تسعة كيلو مترات، وهذا الخليج محفوف بالأحجار السوداء والصخور المشققة ويرى أعظمها على شكل أهرام، ويستطيع الملاحون رؤية عدن على بعد عشرين فرسخاً، وكل هذه المميزات جعلت عدن مورد حط وإقلاع لمراكب الهند وغيرها.
ويتضح من هذا العرض أن مميزات عدن فريدة في نوعها، لم تتوفر لأي نقطة أخرى على هذا الساحل الجنوبي للجزيرة العربية، مما جعلها مدار نشاط دولي طوال القرن السادس عشر).
فتحت عدن في عهد الخلافة العثمانية عام 1538م في فترات حكم السلطان سليمان القانوني الذي حكم من عام 1520م حتى عام 1566م، غير إن هذا الحدث ما كان وليد الصدفة، بل مر عبر صراعات دولية لم تترك عدن خارج إطار مصالحها، فكان هذا التسابق من أجل السيطرة على منافذ وممرات البحر الأحمر.
تلك حقبة شهدت فيها الدولة العثمانية حروباً واسعة في أوروبا وفارس وشمال أفريقيا وأيضاً في ميدان البحر الأحمر، وكانت الدولة العثمانية قد توسع نفوذها في الشرق بعد هزيمة المماليك في معركة مرج دابق في عام 1516م وكان لمعركة موهاكس عام 1526م التي انتصرت فيها هذه الدولة على المجر من أسباب المد الذي جعلها تبحث عن طرق توسع في مناطق عدة.
عام 1534م احتلت بغداد وتبريز وبذلك تكون خطوطها نحو الشرق قد أخذت في التوغل، ونظراً لسطوة الخلافة العثمانية وتوسع مصالحها مع الغرب عقدت اتفاقية مع فرنسا في عام 1535م أعطيت فيها امتيازات في الإمبراطورية العثمانية وكانت فرنسا هي أول دولة يتاح لها مثل هذا المجال وفي عام 1570م تم احتلال قبرس من قبل البحرية العثمانية، وفي عام 1571م جرت معركة ليبانت التي هزم فيها الأسطول العثماني، وبين 1577م - 1585م حروب الإيرانيين والعثمانيين.
وبين كل هذه الأحداث وقفت الدولة العثمانية عاجزة على بوابة المحيط الهندي غير قادرة على الإقدام على أي عمل حاسم.
لم تكن مسألة الاستيلاء على عدن من الأمور السهلة، وكثيراً ما تحطم أمامها كبار القادة في البحار على رأس أساطيل كبرى وقوية، لأن التحصين الجغرافي لها يجعل الدفاع عنها أمراً ميسوراً وسهلاً لمن يحكم هذه المنطقة الهامة.
وقد عملت أيدي الإنسان في زيادة أهمية عدن كميناء معد بشكل جيد، فوجود الفرضة ودار البندر ودار الطائي ودار الطويلة جعل منها ميناء له قيمة كبرى في تلك الحقبة وأدى مهمته على أعلى المستويات.
ويقول الدكتور محمد عبداللطيف البحراوي عن دور عدن في التنافس الدولي ومكانة موقعها في إدارة هذا الصراع: (ولم تكن أهمية عدن قاصرة على قدرتها على الدفاع عن نفسها ضد الأخطار الخارجية فحسب، ولكنها بحكم موقعها كانت تستطيع النجاة نسبياً من ذلك الصراع الرهيب الذي ملأ تاريخ اليمن بين الأئمة أنفسهم، وبينهم وبين القوى الأخرى التي تداولت اليمن، وكانت عدن في أطوار كثيرة آخر ما تسلم به القوة المغلوبة، وآخر ما تستولي عليه القوة الغالبة ولذلك كان حظها من التخريب والتدمير شيئاً لا يذكر، بجانب ما أصاب زميلاتها من مدن اليمن وموانيه الأخرى.
وعند كلامنا على الساحل العربي من باب المندب حتى مدخل الخليج الفارسي من الناحية الجغرافية لم نجد ميناء واحداً تجمعت له صفات عدن ومزاياها، ومع أن الساحل العماني حوى بعض الخلجان الصغيرة، إلا إنها كانت كما قلنا مأوى للصوص البحر، ومحطاً لغارات القبائل البدوية، وكان الارتكاز عليها بالنسبة للعثمانيين في أعمالهم في المحيط الهندي خروجاً مبالغاً فيه من مجال الدولة الحيوي، وبعداً خطيراً جداً من مركز حياتها، ولم يكن من المعقول إقدام العثمانيين على اختيار قاعدة رئيسية على الساحل العماني، أو على ساحل الخليج الفارسي في وقت كانت علاقاتهم بفارس عدائية على الدوام، وكان الموقف في العراق أو على حدود الدولتين موقفاً مائعاً يملؤه مد وجزر من الطرفين، ويتبادل المتحاربون فيه المدن تبادلاً يطفح خراباً وتدميراً جعل الخليج الفارسي طريقاً شبه مقفول من الشمال إلى الجنوب.
كان نشوب الحروب بين مسلمي عدن وغيرها من مسلمي الشاطئ الغربي للبحر الأحمر ومعهم العثمانيون في بعض الموانئ من جانب، وبين الأحباش يشجعهم البرتغاليون ويمدون لهم يد العون من جانب آخر، من أهم الأسباب لفتح العثمانيين عدن.
ولا شك في أن عدن كانت ولازالت هي مفتاح ذلك البحر، والحصن القائم على حراسته، والبرج الذي يستطاع منه مراقبة الأحداث التي تجري على مسرح الحياة حينئذ، وهي نفسها الأحداث التي كانت تجري على صفحات الماء، فكما قلنا آنفاً أن اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح قد نقل الصراع والتوازن الدوليين من البر إلى البحر).
في عام 1547م تعرض النفوذ العثماني في اليمن إلى هزة قوية كادت أن تسقط حضورهم فيها، ففي اليمن الأعلى شن الإمام شرف الدين وأولاده المطهر وشمس الدين وعز الدين عدة هجمات عنيفة، بينما سادت الفرقة والفتن بين صفوف القوات العثمانية في زبيد.
عندما مر أسطول برتغالي بقيادة دي بايودي من أمام عدن تحالف معه علي بن سليمان في نوفمبر عام 1547م وكان الغرض من هذا التحالف أن يقف الأسطول البرتغالي أمام عدن من أجل حمايتها من البحر حتى يتفرغ علي بن سليمان لقتال العثمانيين في البر.
وبعقد هذه الاتفاقية أعلنت القوات البرتغالية وقوع عدن في أيديهم، فكان ذلك الفعل الذي أحدث حالة فزع شديدة على جانبي البحر الأحمر وبالذات في مصر، فجهز نائب مصر داوود باشا حملة عسكرية تم تعزيزها بقوة ثانية من المخا زودهم بها فرهار باشا الذي عين حاكماً على اليمن في عام 954ه واسترجع العثمانيون عدن في عام 955ه.
في تلك الفترة عادت عدن إلى حكم الخلافة العثمانية، وكان الموقف في الهند يستلزم إجراءات عاجلة وحاسمة، غير تسارع وتيرة التصادم بين العثمانيين والإمامة، وتوسع حدة التقاتل بينهما حتى عم البلاد الخراب ثم كان ازدياد النفوذ الأوروبي في الحبشة، وتصاعدت حالة الخطورة في البحر الأحمر، كل ذلك جعل وضع عدن في هذا الصراع لا يتجاوز كونها نقطة حماية لهذين الميدانين، وهي لم تكن قاعدة ارتكاز للانقضاض منها على البرتغاليين في الهند.
قبيل عقد صلح بين العثمانيين والإمامة كان نفوذ البرتغاليين في توسع دائم وبالذات في الخليج الفارسي، وفي عام 1550م كانت البحرية العثمانية قد احتلت ميناء القطيف، والهدف أن يتجاوزوا مياه دجلة والفرات والاتجاه نحو الجنوب للسيطرة على هذا الخليج، وكان التقدم العثماني في هذا الجانب مبعث خوف للبرتغاليين لذلك كلف فإن بايودي انطوان دي بالتوجه ومعه قوة تتكون من 1200 رجل على ظهر 20 سفينة حربية لأخذ القطيف، لذلك أرسلت الدولة العثمانية حملة بحرية عسكرية بقيادة بيري ريس عن طريق عدن لضرب هذا التحرك البرتغالي.
أبحر بيري في عام 1551م من منطقة السويس ومعه من القوات ستة عشر ألف رجل على ظهر 30 سفينة حتى وصل إلى عدن، وفيها تزود الأسطول بكل ما يحتاج إليه في تلك المهمة، كما تزودت القوة بآخرين من حامية عدن، تم تحرك الأسطول حتى وصل إلى مسقط وكان يقوم على حمايتها أسطول برتغالي، فهزمه بيري واستولى على مسقط.
هذه الصورة توضح لنا قدر القوة البحرية العثمانية المعتمدة على عدن كقاعدة ارتكاز في الحروب البحرية دون أن تستنزف شيئاً من مجهودها في الصراعات في داخل اليمن، حيث تمكنت من الوصول إلى هدفها وإحراز النصر المطلوب.
كان وصول القوات البرتغالية إلى المحيط الهندي قد شكل خطراً جسيماً من حيث احتمال حدوث تحالف بين البرتغال والشيعة في فارس وهو أشد ما كان يخشاه العثمانيون، وهو أهم الأسباب التي دعت هذه الدولة إلى الوصول إلى عدن وجعلها من نقاط تواجدهم والاتجاه نحو فارس عن طريق الخليج الفارسي، ومن ثم إغلاقه في وجه هؤلاء ومن ثم شن حملات على فارس عبر هذا الطريق البحري.
كانت عدن قبل دخول القوات إليها تحت حكم عامر بن داود الطاهري، وكان قد عانى من الحرب مع الإمام شرف الدين الكثير، كما أفزعه اشتداد نفوذ البرتغاليين في المحيط الهندي والبحر الأحمر وكذلك تهديدهم لعدن المستمر، فلما سمع بوصول الحملة العثمانية بقيادة سليمان باشا إلى كمران، أرسل إليه يطلب المساعدة ضد أمام اليمن ويعد كذلك بمساعدته ضد البرتغال، فلما وقف الأسطول أمام عدن فتح عامر بن داود باب عدن، وأمر أن تقام له الزينات ويقدم لهم الطعام والشراب.
وقد استأذن سليمان باشا حاكم عدن عامر بن داود في الدخول إلى المدينة مع عساكره لقضاء بعض الحاجات، ولكنه كان قد وضع خطة وأعد فرقة من 500 جندي، وأسر إليهم بالغدر بالمدينة واحتلالها، فكان سرعان ما دب عمل السلب والنهب فيها بينما قام سليمان باشا بقتل عامر بن داود وأربعة من خواصه وصلبهم على سارية سفينته، وبذلك ذهب زمن الدولة الطاهرية دون عودة، وبعد ذلك سار سليمان باشا صوب الهند ماراً بالمكلا والشحر، وهناك أسر أسطولاً برتغالياً يتكون من ست سفن، كما أسر معها 160 برتغالياً.
أما ما انعكس على عدن من تلك الصراعات وتصاعد التنافس بين الأقطاب الدولية على السيطرة على الطرق والمنافذ البحرية التي يعد الإمساك بها حتمية سياسية في خلق مراكز قوة تغلق الأبواب أمام القوى الأخرى الساعية لغرض تواجدها العسكري البحري في المنطقة، يشير الدكتور محمد عبداللطيف قائلاً: (وقد وضح فيما سبق أن ظهور البرتغاليين في المحيط الهندي قد قسم تاريخ عدن إلى قسمين، في أولهما كانت عدن في مهب أخطار متلاحقة من البر أو من الداخل فقط، وفي ثانيهما أضيف إلى هذه الأخطار خطر جديد هو تهديد عدن من البحر كذلك على أيدي هؤلاء الأجانب البرتغاليين.. وبذلك أصبح من الواضح أن القوة التي قدر لها أن توجد في عدن، وأن تتصدى للقوى الجديدة في المحيط الهندي، كان لزاماً عليها أن تنظر إلى الأمام وإلى الخلف، وأن تواجه خطرين متقابلين، أو على حد تعبير السياسيين المعاصرين أن تحارب في ميدانين، وهو الشيء الذي أصاب العثمانيين بعد فتحهم عدن.. فقد كان وجودهم في اليمن وفي عدن مرتعاً خصباً ووقوداً أشعلت فيه الإمامة حروبها، وأصبح جهاد الأئمة وإشهارهم السيف في وجه العثمانيين تقليداً أو سياسة متبعة، ومجالاً يثبت فيه كل منهم أحقيته في الإمامة وجدارته بها، وزاد النار اشتعالاً السياسة الخاصة التي جرى عليها الولاة العثمانيون في اليمن، وما عرف به أكثرهم من الشدة والغدر وسفك الدماء والجهل بالموقف جهلاً تاماً).
كانت الدولة العثمانية في عهد السلطان سليمان القانوني قد بلغت أقصى اتساعها، وأصبح لها هيبتها من شاطئ الأطلنطي حتى الهند، حيث أخذت قواتها البحرية تجوب البحار من جبل طارق حتى بومباي، والجزء الجنوبي الغربي من الجزيرة العربية من أكثر الأماكن التي عانت من عدم الاستقرار وغياب النظام.
كان العثمانيون يعتبرون أن آسيا هي مكانهم الأولى والمعقل الذين جاءوا منه، وأنهم سيعودون إليها في أي وقت، لكن قيام الإمبراطورية المغولية على يد جنكيز خان ما بين الأعوام 1188م - 1227م ووجود الفرس الذين أسست دولتهم الصفوية على يد الشاه إسماعيل الأول عام 1501م، كل ذلك أغلق في طريقهم هذا المسار، لذلك كان زحف القوات العثمانية عبر البحر الأحمر إلى عدن عملاً لابد منه حتى تصبح لديهم السيطرة على منافذ البحر في هذا المكان، أما عندما ظهر البرتغال وسدوا هذا المنفذ شعرت دولة الخلافة بأن ضربة أليمة أصابتها وعندما أغلقت منافذ آسيا في وجهها، وكانت محاولات التمدد في أوروبا قد أصابها الإنهاك وقفت تلك الدولة في عدن وغيرها من المواقع في حالة عجز عن رد ما فقد من ممالكها.
تلك حقبة من تاريخ الصراعات والعلاقات الدولية كان لعدن نصيب منها، تشكلت فيها مواقف دول وامتد نفوذها، وعلى عدن يكون الارتكاز للسيطرة على الممرات والبحار، وفي هذا تكون السياسة وكذلك التجارة محاور الأبعاد الكبرى لقهر طرف وتسيد آخر، وكل المراهنات على عدن لم تكن في حسابات تلك الأحداث سوى مراحل زمنية، ثم تذهب كما ذهب غيرها، وتبقى عدن على موعد مع قدر الجغرافيا والرهان السياسي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.