المؤتمرات والندوات، أكانت طبية أم علمية أم ثقافية، التي تعقد في بلادنا ظاهرة جميلة تسمع عنها أو تشاهدها للوهلة الأولى فتنبهر وتندهش متفائلاً بمستقبل أفضل للبلاد والعباد، لكنك تصاب بالإحباط والخوف عندما تدرك حقيقة المؤتمرات والفعاليات التي تزداد بشكل كبير تزامناً مع احتفالات اليمن رسمياً بالأعياد الوطنية، فتلاحظ أن ما يقدم في هذه المؤتمرات عبارة عن مقالات وصفية لما خططت له من قبل هذه المؤسسة أو تلك وما أنجز مع تضخيم ذلك واستخدام كل الأساليب البلاغية من تشبيهات واستعارات، وكنايات، وتقدم هذه المقالات باسم دراسات مع أنها لم تحمل أي سمة من سمات الدراسات العلمية ولم تناقش أبرز الصعوبات والتحديات التي تحول دون تحسن الأداء وتطوره، ولا الحلول العملية المناسبة لذلك، وإن تم التطرق لذلك شكلياً، والأغرب من هذا وذاك أن يعلن في مؤتمر عن ورقة عمل لأشخاص يدرك الجميع أن مؤهلاتهم ليست جامعية وأنهم يفتقرون إلى أبجديات البحث العلمي، في حين حملة التخصصات وموظفي إدارات الدراسات والبحوث يغيبون عن هذه الدراسات، وتقتصر مهامهم على أرشفة التغطية الإعلامية للمؤتمر بالمقالات الوصفية وجمعها وتنظيرها لتصدرها إدارة المؤسسة في كتاب جامع لصور ومقالات الأحبة، وصرف مبالغ باهظة تكفي لطباعة عشرات الكتب وبكميات كبيرة. والأغرب من كل هذا وذاك أن يكون المؤتمر المنعقد ليس سوى تقليد سنوي القصد منه صرف عشرات أو مئات الملايين للهيكل الإداري للمؤسسة ومن يدخل تحت جناحه بحجة المؤتمر والمناسبة الوطنية وتزامناً مع احتفالات بلادنا لابد من فعاليات تمكن من تصفية الموازنة بما يمكننا وبمؤهلنا للاعتماد الإضافي. إنها أمثل الطرق لقتل طموح أي طامح وأنسب وسيلة لنزع روح المسؤولية بين الموظفين، والسلاح الفتاك لهدم أي تفكير لدى أي موظف بالعمل وفق العلم ومعايير البحث العلمي، ولا يوجد في مؤسساتنا الحكومية شيء اسمه البحث العلمي ولا اعتمادات له لا أساسية ولا إضافية، وإن وجدت لوحة للبحث العلمي بجامعة صنعاء أو وزارة التعليم العالي، فوضعها ليس إلا من قبيل الحياء وإعطاء صورة دعائية للوفود الأجنبية ممثلة المنظمات الدولية والدول المانحة، لطلب دعمها للبحث العلمي في اليمن، وإلا ما الذي تعنيه راديكالية المناهج التعليمية في الجامعات اليمنية واستمرارها في تعليم مناهج السبعينات والثمانينات من القرن العشرين، وتوقف آلاف من الأساتذة الجامعيين بعد رسالة الدكتوراه وعدم إصدار بحوث أو مؤلفات كل في تخصصه فلا يوجد مؤلفات عن أساتذة الجامعات اليمنية سوى 2% على الأكثر بعد الدكتوراه، وهذه أبرز الدلالات على تغييب البحث العلمي وتهميشه، والواقع ينطق بأكثر وأوضح ما تحدثت عنه وهو ما يفسر ركودنا دولة وشعباً.