إن في هذه الدنيا مصائب ورزايا ومحنا وبلايا, آلام تضيق بها النفوس.. إن في الدنيا مزعجات ومتاعب قاهرة تورث الخوف والجزع, وتصيب الإنسان بمشاكل نفسية مؤلمة وإن شر ما منيت به النفوس يأس يميت القلوب وقنوط تظلم به الدنيا, تلك هي حال الدنيا تضحك وتبكي وتجمع وتشتت, شدة ورخاء سراء وضراء, دار غرور لمن اغتر بها وهي عبرة لمن يريد أن يعتبر, إنها دار صدق لمن صدقها وميدان عمل لمن عمل فيها, تتنوع فيها الابتلاءات وألوان الفتن.. هي دنيا ابتلى أهلها بالمتضادات والمتباينات, قال تعالى (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الانبياء:35).. والمؤمن من يحسن العمل فيها ويجيد التعامل مع روايتها بالصبر ولا استكبار وحسن الايمان والاحتساب على رب العرش العظيم.. ولكن إذا أشدت الحروب واستحكمت الأزمات وترادفت الضوائق فلا مخرج منها إلا بالإيمان بالله والتوكل عليه وحسن الصبر والثقة بالله, ذلك هو النور العاصم من التخبط وهو الدرع الواقي من اليأس والقنوط, إن من أمن بالله وعرف حقيقة دنياه وطن نفسه على احتمال المكاره وواجه المحن مهما ثقلت وحسن ظنه بربه وأمل فيه جميل العواقب وكريم العوائد كل ذلك بقلب لا تشوبه ريبة ونفسٍ لا تزعزعها كربة مستيقنا أن بوادر الصفو والفرج لابد أنها آتية, قال تعالى: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (آل عمران: من الآية186), إن أثقال الحياة وشواغلها لا يطيق حملها الضعاف المهازيل لا ينهض بأعبائها إلا الصابرون أولو العزم من الناس أصحاب ألهمم العالية, فكم من محنة في طيها منح ورحمات.. وكم من ابتلاء فيه اجر مضاعف يريد رب الرحمة الرحمن الرحيم أن ينجي عبده من كرب عظيم.. ومن محن ومشكلات لا احمال احتمال للعبد لها. إن المؤمن الصابر المحتسب الواثق بربه لا يفقد صفاء العقيدة ونور الإيمان لا تنفذ اليه المحبطات.. وإن هو فقد من صافيات الدنيا ما فقد, أما الإنسان الجزوع فإن له من سوء الطبع ما ينفره من الصبر ويضٌيق عليه مسالك الفرج إذا نزلت به نازلة أو حلت به كارثة ضاقت عليه الأرض بما رحبت وتعجل في الخروج بما لا يضره ولا ينفعه, إن من فقد الثقة بربه اضطربت نفسه وساء ظنه وكثرت همومه وعجز عن تحمل الشدائد فلا ينظر إلا إلى مستقبل أسود ولا يترقب إلا الأمل المظلم, إن المؤمن لا تبطره نعمة ولا تجزعه شدة قال صلى الله عليه واله وسلم(إن أمر المؤمن كله له خير إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ولا يكون ذلك إلا للمؤمن).. وفي الحياة للمؤمن مشاهدات ومعايش عديدة ينبغي عليه أن يكون متفكراً متدبراً.. إن العقل والمنطق السليم والشرع قبل ذلك كله يفرض على المجتمع المسلم إذا كان يعيش في ظل أزمة يفرض عليه مجموعة من الأمور.. أولا: الثقة بفرج الله والحذر من اليأس والقنوط: ففي فترات الأزمات ربما يتسلل إلى المجتمع المسلم أو إلى نفوس بعض أفراده شيء من الوهن واليأس ربما تختل في هذه النفوس الثقة بالله, لذا خاطب الله سبحانه وتعالى المؤمنين بقوله (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران:139) فجعل عدم الوهن وعدم الحزن شرطا في الإيمان, ولقد حدثنا القران الكريم عن لحظات عصيبة ربما يصل معها الأمر حتى بالمخلصين الصادقين لاستعجال نصر الله وفرجه,قال تعالى(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة:214).. كل هذه التوجيهات تؤكد على ضرورة الثقة بفرج الله ووعده للمؤمنين وخصوصا في فترات الأزمات ثانيا: الصبر :في فترة الأزمات: إذا لاذ الناس بالهلع والجزع والخوف فإن المسلم صادق اليقين يلوذ بالصبر, فالصبر وحده هو الذي يشع للمسلم النور الذي يعصمه من التخبط, والرجاء الذي يقيه من القنوط فالصبر فضيلة يحتاج إليها المسلم في دينه ودنياه ولابد أن يبني عليها رجاءه, بالصبر يوطن المسلم نفسه على احتمال المكاره والشدائد دون ضجر وتسرع وينتظر النتائج مهما تراءت بعيدة ويواجه الأعباء مهما ثقلت بقلب لم تعلق به ريبة وعقل لا تطيش به كربة وهذا كله مصداقا لقوله صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين ( الصبر ضياء).. ثالثاً:- التوحد ونبذ الفرقة والشقاق:- ففي فترة الأزمات على كل المخلصين أن يوحدوا جهودهم لخدمة الوطن والمجتمع, ولا ريب أن توحيد الصف واجتماع الكلمة هي دعامة أساسية لبقاء الأمة, ولئن كانت كلمة التوحيد باب الإسلام فإن توحيد الكلمة سر بقاء الأمة قوية مهابة, ولقد خاطب الله تعالى هذه الأمة بقوله (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الانبياء:92) في فترة الأزمات لا يسمح بحدوث نزاعات وشقاق فإن الشقاق والنزاع يضعف الأمة القوية ويميت الأمم الضعيفة ولابد من التوحد وكما قيل (إن لم نتوحد على الحق تفرقنا على الباطل ) وقد قال تعالى: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: من الآية46) .. رابعا: التعاون : فعلى أفراد المجتمع المسلم أن يتعاونوا على الخير والصلاح وأن يمشي بعضهم في حاجة بعض وان يبتعدوا عن الأثرة وأن يسودهم جو من الإيثار, ولو تتبعنا سلوك المسلمين الأوائل في فترات الأزمات لرأينا قمم ساحقة وأمثلة رائعة, فهاهم الأنصار في الهجرة النبوية الشريفة يقاسمون المهاجرين أموالهم وديارهم,ولقد امتدح رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الاشعريين على سلوكهم في فترة ألازمة بالتعاون فقال (إن الاشعريين إذا أرملوا- أي كاد أن ينفد ما لديهم من زاد – في الغزو أو قل طعام عيالهم في المدينة جمعوا ما لديهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم بالسوية فأنا منهم وهم مني).. ومما يجب على المجتمع المسلم في أوقات الأزمات أيضا إشاعة جو من الأمن والأمان والسكينة والطمأنينة وان يبتعد عن كل ما من شانه خلخلة الصف المسلم وبث الرعب فيه لا بالقول ولا بالفعل, وان يسود التراحم بينهم فالرحمة هي الصفة التي يتهم المسلمون بأنها قد نزعت منهم, وإذا نزعت الرحمة من المسلمين ساد المجتمع الظلم والبطش, وإذا كانت الرحمة مطلوبة في كل الأوقات ومع كل الناس فهي في أوقات الشدة والأزمات أولى وأشد طلبا,فنحن بحاجة ماسة للرحمة خلقا وسلوكا عمليا ومع عامة الناس, كما أن ألازمات والشدائد توجب علينا أن نتحلى بخلق العفو وثقافة الصفح والمغفرة وذلك لما لهذا الخلق العظيم من آثار إيجابية في خلق جو من الألفة والمحبة وتقوية الروابط الاجتماعية بين أفراد المجتمع,قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء, وقال: ألا أنبئكم بما يرفع الله به الدرجات؟ قالوا نعم يا رسول الله :قال تحلم على من جهل عليك وتعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك).. إننا نعيش أيام عصيبة وليالٍ حالكة كأن التحديات لا حصر لها وأزمات فما أن يندمل جرح من جسد الأمة الإسلامية إلا وتصاب بجرح آخر قد يكون أعظم مما سبق, فنحن نعيش في عصر مترع بالأزمات والصراعات مع هذه الاحداث, والأزمات المتكالبة العظيمة كان لابد لنا من الرجوع إلى كتاب الله وعترته, وسنتة صلى الله عليه واله وسلم, قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه (إن المسلمين يعرضون عن القران فيعرض الله عنهم ثم يرجعون إلى القران فيرجع الله إليهم).. إن الصراعات والاختلافات سنة ربانية ماضية وهذا الصراع قد يكون بين أهل الحق والباطل وقد يكون صراع بين أهل الحق أنفسهم وقد يكون بين أهل الباطل أنفسهم نتيجة الاختلاف في المواقف والأطماع, ولهذا ينبغي على ألمؤمن أن لا يستغرب حدوث مثل هذه الصراعات والأزمات التي تحدث اليوم, وإن أفضل ما يعين المؤمن على الثبات والصبر ويقوي قلبه وقت المحن والفتن والأزمات الثقة بالله والتوكل عليه والأعمال الصالحة من دعاء وذكر وصلاة وصيام وصدقة فإن الأعمال الصالحة غذاء القلب ومادة قوته, فلقد كان نبينا صلى الله عليه واله وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ولقد أمر الله بالاستعانة بالصلاة في سائر الأحوال فقال تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة:153).. كما يجب علينا أن نحذر من الذنوب والمعاصي فهي سبب كل تلك الأزمات ولن يرفع الله عنا تلك ألازمات والأحداث إلا إذا انتصرنا على أنفسنا واقبلنا على طاعة الله قال تعالى(إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ) (الرعد: من الآية11).. ولنكن على يقين انه في الحروب والأزمات والكوارث والأحداث العصيبة يروج سوق الشائعات ونقل الأخبار الكاذبة والتي تتعلق بها الجماهير دون أن تتثبت من صحتها إن الإشاعة ونقل الأخبار بمجرد سماعها وعدم التثبت منها قد يترتب على ذلك عواقب وخيمة في المجتمع واضطراب في الأمن وزعزعة في النفس ووهن في العزيمة والإرادة وضعف في معنويات أفراد المجتمع.. ويبقى دوماً أمام الأنسان الأمل الذي هو نور من العزيز الحكيم الذي يعطي بلا حدود ويحيط الإنسان برحمته الواسعة فلهُ الحمد والمنه وله الثناء والشكر في كل وقت وحين.