ومن باب التأكيد على عنصرية الغرب وعلى رأسه القوة العظمى التي تمثله اليوم (أمريكا) لابد علينا من أن نستشهد هُنا بمثال آخر يؤيد ماسبق وأشرنا إليه من قبل في مقالات سابقة مماثلة، بطله هذه المرة هو "وودرو ولسون" الرئيس الأمريكي ال28 للولايات المتحدةالأمريكية، الذي يحلو لأدبيات الليبرالية الأمريكية وصفه ب"نبي الحريات العامة وحقوق الإنسان". وقد عمل الرئيس ولسون هذا كل ما بوسعه لإعادة الولاياتالمتحدةالأمريكية عقوداً إلى الوراء عن طريق فرض الفصل العنصري في أجهزة الدولة والبيروقراطية والجيش، وذلك في أعقاب توليه منصب الرئيس في عام 1913م . ورغم أن أمريكا خلال فترة رئاسته انخرطت في الحرب العالمية الأولى، وكانت حينها في أمس الحاجة إلى الجنود من كل عرق ولون، إلا أن الرئيس ولسون لم يخف مقته الشديد للملونين على نحو كانت روائحه العنصرية تزكم الأنوف، لدرجة أن الولاياتالمتحدةالأمريكية تحولت في عهده إلى جهاز ضخم مسعور لا هم لمؤسساته سوى "وصم الملونين بدمغة جذام تعسفية" ،إلى جانب تصنيفهم في خانة حاملي العدوى الجسدية والأخلاقية، وانعدام الأهلية للدخول في المجتمع الأمريكي الذي تسوده العنصرية المقيتة التي فرضها الرجل الأبيض القادم من أوروبا . وهناك أمثلة أخرى مُشابهة في العقود الحديثة تدعم اليقين بوحشية وعنصرية وفجور أمريكا كقوة عالمية غاشمة ورمز للإستكبار والعنجهية في العالم، وتشمل تلك الأمثلة رؤساء أمريكان يعدون مجرمي حرب كجورج بوش الأب وبيل كلينتون وجورج بوش الإبن وباراك أوباما ودونالد ترامب وحتى الرئيس الحالي جون بايدن . وجميع هؤلاء الرؤساء الأمريكان سواء كانوا من الحزب الجمهوري أو الديمقراطي مدانون بإرتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية في بلدان كأفغانستان والعراق وسوريا واليمن وليبيا وغيرها، ولهم ضلوع مباشر في عمليات التطهير العرقي وجرائم الحرب المختلفة والإنتهاك المتعمد لحقوق الإنسان في أكثر من بلد في العالم . وفيما يتعلق بدولة الإحتلال الإسرائيلي تحديداً، وفي كل مرة يقدم فيها كيان العدو الصهيوني الغاصب على ارتكاب جرائم وحشية بحق المدنيين العزل في مناطق فلسطينالمحتلة كتلك التي يرتكبها حالياً في قطاع غزة، لا تتحرج واشنطن ودبلوماسيتها المنافقة في استغفال العقول ضمن مساعيها الحثيثة لحماية الإحتلال الصهيوني وشرعنة مايقوم به من فظائع وحمايته من أي مساءلة أو محاسبة . ولا تكتفي أمريكا بذلك فقط، بل إنها تلجأ أيضاً إلى تغطية تلك الإنتهاكات الإسرائيلية الأكثر جلاءً وفظاعة وتوحشاً في مجلس الأمن الدولي والكونغرس والمحافل الدولية المختلفة، في الوقت الذي تواصل فيه تزويد الكيان الصهيوني الغاصب بآلة حروب الإبادة الإسرائيلية الجماعية للشعب الفلسطيني بالأسلحة والذخائر والأموال الأمريكية . بل وتتبنى واشنطن في كل مرة الرواية الإسرائيلية لتبرير الإعتداءات على الشعب الفلسطيني المظلوم وتجود على تل أبيب بمليارات الدولارات لدعم جرائمها ومساندتها ودعمها بكل الوسائل المتاحة، وتنافي في نفس الوقت بذلك مزاعمها الباطلة والكاذبة بإحترام حقوق الإنسان وتجافيها جملة وتفصيلا . ومنذ قيام الولاياتالمتحدةالأمريكية، هذه الإمبراطورية الإستعمارية الغاشمة قبل حوالي250 عاما، وهي في حروب مستمرة على العديد من دول وشعوب العالم وفي انشغال دائم بإحتلال هذه الدولة أو تلك وسرقة خيراتها والتدخل في شؤونها مما يجعلها بذلك تبدو أسوأ امبراطورية وحضارة قامت عبر التاريخ، وعرفت بإنحطاطها وفقدانها لكل المثل والقيم الإنسانية السامية التي تتشدق بها زوراً وبهتانا. ومن المعلوم أن الولاياتالمتحدةالأمريكية هي صاحبة تلك الحضارة الإمبريالية الهجينة وقد جاءت من رحم الحضارة الغربية في أوروبا ووليد لها ويمكن اعتبار أمريكا هذه حصيلة أزمة عاشتها الحضارة الغربية والتي أسفرت في النهاية عن ميلاد ما عرف لاحقاً بإسم الولاياتالمتحدةالأمريكية، هذا الكيان العالمي السياسي والإقتصادي الذي قام على فلسفة مادية وأرتكز على فكرة الدولة في خدمة الفرد وهو كيان هجين لايؤمن بالموروثات الحضارية والثقافية للشعوب بل ويرى أن القوة هي صانعة الحضارات وعنوان التفوق، ولهذا السبب يخضع كإدارة لإستراتيجية مجمع الصناعات العسكرية ويعمل في خدمته وتنفيذ برامجه في علاقاته مع العالم وبالتالي نجد أمريكا تعمل على خلق الحروب وإفتعال الصراعات الدولية على الخارطة الدولية. واللافت أن الولاياتالمتحدة حصلت بعد الحرب العالمية الثانية على عدة مميزات اتخذت منها عوامل قوة مكنتها من فرض حضورها على الخارطة العالمية ومن تلك العوامل إعتماد عملتها (الدولار) كعملة دولية واختيارها كحاضنة للمقرات الدولية والأمم المتحدة والكثير من المنظمات الدولية الفاعلة التي تستخدمها أمريكا كجزء من أسلحتها لتطويع إرادة الشعوب والتحكم بمصائرها، وتفرض على الشعوب والدول كل ما ترى فيه ضمانة لخدمة مصالحها في العالم ولو على حساب قضاياها العادلة، ولا تعمل لأحدٍ حساباً ولا وزنا في هذا العالم ...... يتبع .....