بقلم: العميد الركن د. حسن حسين الرصابي/ يطل علينا الثلاثون من نوفمبر مجدداً، لا ليكون مجرد ذكرى عابرة في روزنامة الأيام، بل ليكون "محطة وقود" ثورية نجدد فيها العهد، ونشحذ بها الهمم. إن هذا اليوم الأغر الذي توج نضالات الآباء والأجداد بطرد آخر جندي من إمبراطورية "التي لا تغيب عنها الشمس"، يعود اليوم واليمن يسطر ملحمة تاريخية أعظم، مُعيداً تشكيل موازين القوى، وكاسراً شوكة طواغيت العصر الحديث. لقد كان خروج المستعمر البريطاني في العام 1967م إعلاناً صريحاً بأن الأرض اليمنية تلفظ الخبث، وأن الإرادة الشعبية إذا التحمت بالحق لا يمكن لقوة في الأرض أن تقهرها. واليوم، ونحن نعيش ذكرى الاستقلال المجيد، نجد أن التاريخ يعيد صياغة نفسه، ولكن بصورة أكثر شموخاً؛ فاليمن الذي طرد الجبروت البريطاني بالأمس بالرشاش المتوسط والبي 10 والشميزر و ببنادق بدائية وإرادة فولاذية، يقف اليوم نداً قوياً أمام التحالف الأنجلو-صهيوني الأمريكي، متمترساً بقوة الحق، وبقدرات عسكرية فرضت معادلاتها في البحر والجو والبر. إن دلالات 30 نوفمبر لم تعد محصورة في طرد جندي أجنبي وحسب، بل امتدت لتشمل مفهوم "الاستقلال الشامل"؛ استقلال القرار، واستقلال الثروة، واستقلال الموقف. وهذا ما تجسد فعلياً في الموقف اليمني المساند لغزة وفلسطين، حيث أثبتت قواتنا المسلحة وقواتنا الصاروخية أن السيادة على باب المندب والبحرين الأحمر والعربي هي سيادة يمنية خالصة، وليست هبة من قوانين دولية صاغها المستعمرون لحماية مصالحهم. لقد حول اليمنيون ذكرى الاستقلال من "احتفال بروتوكولي" إلى "فعل عسكري وسياسي" ملموس، أحال بوارج الأعداء إلى أهداف مشروعة، وأغلق شريان الحياة عن الكيان الصهيوني، في سابقة لم تجرؤ عليها جيوش جرارة. وعلى الضفة الأخرى، يجب أن نعي أن المستعمر قد غيّر جلده، فإذا كان بالأمس يرتدي القبعة البريطانية، فهو اليوم يحاول العودة عبر "الوكلاء الإقليميين". أولئك الذين استمرأوا التبعية، وارتضوا أن يكونوا قفازات ناعمة لأيادٍ صهيونية خشنة، يحاولون اليوم تمزيق النسيج اليمني تحت شعارات زائفة، خدمةً لأجندة المستعمر الجديد الذي يرى في وحدة اليمن وقوته تهديداً وجودياً لمشروعه في المنطقة. إن الوفاء لشهداء ثورة 14 أكتوبر و30 نوفمبر يقتضي منا اليوم الوعي بطبيعة المعركة؛ فهي معركة ضد "الاستعمار المقنّع" الذي يتدثر برداء الأخوة والجوار، بينما هو ينفذ حرفياً ما عجزت بريطانيا عن تحقيقه بالمدفع. لذا، فإن معركتنا اليوم هي امتداد طبيعي لمعركة الآباء، وهدفنا هو تطهير كل شبر من الأرض اليمنية، ليس فقط من الجندي الأجنبي، بل ومن أدواته الرخيصة التي تقتات على الخيانة. في ذكرى الاستقلال، نؤكد للعالم أجمع، أن اليمن الذي مرغ أنف الإمبراطورية البريطانية في وحل الهزيمة، هو اليوم أشد بأساً وأقوى شكيمة، وأكثر قدرة على تأديب كل من تسول له نفسه المساس بكرامته أو سيادته. وكما أشرقت شمس الحرية في 30 نوفمبر 67، فإنها تشرق اليوم بانتصارات يمنية تجاوزت الحدود، نصرة للمستضعفين، وإعلاءً لكلمة الحق، وكسراً لهيمنة الاستكبار العالمي. عاش اليمن حراً، أبياً، مستقلاً.. ولا نامت أعين الجبناء والعملاء.