بقراءة متأنية للتاريخ يتضح أن الحروب الكبرى لم تكن تبدأ من اليابسة كما قد يوحي المشهد التقليدي للصراعات، بل من البحر، حيث تتكثف المصالح وتتقاطع طرق التجارة والطاقة والغذاء، وحيث تتحول السيطرة على الملاحة إلى أداة حاسمة في كسر إرادة الخصوم. في الحربين العالميتين الأولى والثانية لم يكن البحر مجرد مسرح ثانوي للعمليات العسكرية، بل كان القلب النابض للصراع الدولي، لأن من يفرض سيطرته على البحار يفرض عملياً شروط البقاء على خصومه .. الحصار البحري، وحرب الغواصات، وتأمين خطوط الإمداد، كانت كلها عوامل دفعت الصراع من مستوى التنافس السياسي إلى مستوى الحرب الشاملة، وأسهمت في توسيع نطاق المواجهة وتحويلها إلى حرب عالمية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. هذا المعنى التاريخي يعود اليوم بقوة، وإن اختلفت الأدوات والسياقات، فالعالم المعاصر، رغم ما يملكه من تكنولوجيا واتصالات، لا يزال رهينة للممرات البحرية ذاتها التي حكمت مسارات الصراع في القرن العشرين. ما جرى في البحر الأحمر والبحر العربي لا يمكن فهمه بوصفه سلسلة أحداث طارئة أو معزولة، بل يجب قراءته ضمن إطار صراع عالمي متصاعد على التحكم في شرايين التجارة الدولية. البحر الأحمر، بوصفه حلقة الوصل بين الشرق والغرب عبر باب المندب وقناة السويس، يمثل أحد أعصاب الاقتصاد العالمي، وأي اضطراب في أمنه الملاحي ينعكس فوراً على أوروبا والولاياتالمتحدة قبل غيرهما. لهذا جاء التصعيد العسكري فيه سريعاً وحاداً، لأن المساس بأمن الملاحة هنا لا يعني مجرد تعطيل حركة سفن، بل يعني تهديداً مباشراً لمنظومة اقتصادية كاملة تقوم على انسياب السلع والطاقة دون عوائق. التجربة التاريخية تؤكد أن القوى الكبرى تتعامل مع البحار بوصفها خطوطاً حمراء، وهذا ما يفسر حجم الردود العسكرية والسياسية التي رافقت التطورات في البحر الأحمر، فالمشهد يعيد إلى الأذهان كيف تحولت حرب الغواصات في الحربين العالميتين إلى سبب مباشر في دخول قوى جديدة إلى الصراع وتوسيع دائرته. اليوم تتكرر القاعدة نفسها، لكن في عالم أكثر ترابطاً وهشاشة، حيث أي اختلال في ممر بحري واحد يمكن أن يولد سلسلة أزمات تمتد من أسواق الطاقة إلى الأمن الغذائي. أما البحر العربي، فقد انتقل هو الآخر من كونه ممراً تقليدياً للتجارة إلى كونه ساحة تماس استراتيجي غير معلن بين مشاريع دولية وإقليمية متنافسة. هنا تتقاطع مصالح الولاياتالمتحدة وبريطانيا مع صعود الدور الصيني، إضافة إلى أدوار إقليمية تسعى لتثبيت حضورها في معادلة الأمن البحري. هذا البحر لم يعد مجرد فضاء جغرافي، بل أصبح جزءاً من معركة أوسع بين مشروع الهيمنة الغربية ومحاولات كسر هذه الهيمنة أو تقليصها. في هذا السياق، تصبح أي حادثة بحرية قابلة للتضخيم السياسي والعسكري، وأي اشتباك محدود مرشحاً للتحول إلى أزمة دولية، لأن خلفه شبكة معقدة من التحالفات والحسابات الاستراتيجية. ولا يقف المشهد عند حدود البحر الأحمر والبحر العربي، فمؤشرات التوتر البحري تمتد إلى مناطق أخرى تشكل بدورها نقاط اشتعال محتملة. في البحر الأسود، بلغ الصراع الروسي الغربي مستوى جعل الملاحة نفسها أداة من أدوات الضغط المتبادل، حيث تُستخدم الموانئ والممرات البحرية كورقة تفاوض وكوسيلة خنق اقتصادي. وفي بحر الصين الجنوبي تتجمع أخطر عناصر الصدام البحري العالمي، بسبب التداخل الحاد بين مصالح الصينوالولاياتالمتحدة وحلفائها، وبسبب الأهمية الحيوية لهذا البحر الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة العالم. أما البحر الكاريبي، الذي بدا لسنوات بعيدا عن مركز الصراع، فيعود تدريجياً إلى الواجهة مع تصاعد التوتر بين الولاياتالمتحدة وفنزويلا، في ظل احتمالات دعم روسي أو صيني يعيد لهذا الحوض البحري ثقله الجيوسياسي القديم. القاسم المشترك بين كل هذه الساحات البحرية هو أن الصراع لم يعد يدور حول نزاعات محلية أو حدود بين دول متجاورة، بل حول من يمتلك القدرة على التحكم في شرايين العالم الاقتصادية. البحار تحولت إلى ميادين اختبار للقوة والنفوذ، وإلى ساحات صراع غير مباشر على شكل النظام الدولي القادم. وكما كانت الحروب البحرية في القرن العشرين مقدمة لانفجار حربين عالميتين، فإن تصاعد الاشتباك في الممرات البحرية اليوم يحمل إنذارات خطيرة بأن العالم يقف مجدداً على حافة مرحلة شديدة الاضطراب، حيث يمكن لمواجهة بحرية محدودة، أو حتى لحادث محسوب خطأ، أن يتدحرج سريعاً إلى صراع واسع يعيد رسم ملامح النظام الدولي، ويحدد من يملك زمام السيطرة على مستقبل العالم في العقود القادمة.