هل تكفي المنحة السعودية لإنهاء معاناة كهرباء عدن والجنوب؟ كيف تحولت الكهرباء في عدن من خدمة أساسية إلى أزمة مزمنة؟ لماذا يتكرر انهيار الكهرباء في عدن كل صيف رغم الدعم والمنح؟ ألا يستحق أبناء عدن كهرباء مستقرة بعد سنوات من المعاناة؟ أين تكمن المشكلة الحقيقية: الوقود أم غياب الحلول الجذرية؟ سنوات بلا كهرباء… هل تنتهي معاناة أبناء عدن أخيراً؟ الأمناء / تقرير - غازي العلوي : لم يكن التحسن الذي شهدته خدمة الكهرباء في العاصمة عدن خلال الأيام الماضية حدثاً عادياً بالنسبة لأبناء المدينة، بل جاء محمّلاً بذاكرة ثقيلة من المعاناة الممتدة لسنوات طويلة، تحوّلت خلالها الكهرباء من خدمة أساسية إلى كابوس يومي يلاحق المواطنين في عدن وبقية محافظات الجنوب.
هذا التحسن، الذي جاء نتيجة التدخل السعودي وتوفير وقود لمحطات التوليد عبر المنحة المعلنة مؤخراً، أعاد التيار الكهربائي إلى المنازل لساعات تجاوزت 12 ساعة يومياً، بعد أن كانت لا تزيد عن 4 ساعات في أحسن الأحوال، عقب الانهيار شبه الكامل للمنظومة خلال العامين الماضيين بسبب العجز الحكومي المستمر عن توفير الوقود.
معاناة متراكمة لا تُمحى بسهولة
لسنوات طويلة، عاش أبناء عدن ولحج وأبين والضالع على وقع الانقطاعات المتواصلة للكهرباء، خصوصاً خلال مواسم الصيف اللاهبة، حيث تتحول المنازل إلى أفران مغلقة، وتتعطل المستشفيات، وتتوقف المصالح، وتتضاعف معاناة كبار السن والأطفال والمرضى.
وخلال الأعوام الماضية، لم تكن أزمة الكهرباء أزمة تقنية فحسب، بل أصبحت رمزاً لفشل الإدارة، وغياب الحلول الاستراتيجية، وترك المواطن وحيداً في مواجهة حرارة تتجاوز أحياناً 45 درجة مئوية، دون بدائل حقيقية سوى المولدات الخاصة التي أنهكت كاهل الأسر بتكاليف باهظة لا يستطيع كثيرون تحمّلها.
المنحة السعودية.. بارقة أمل مؤقتة
عودة التيار الكهربائي لساعات أطول هذه الأيام جاءت عقب وصول كميات من وقود الديزل والمازوت من المنحة السعودية، التي وُقّعت عبر اتفاقية بين البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ووزارة الكهرباء والطاقة، لتشغيل أكثر من 70 محطة كهرباء في المحافظات المحررة، بكمية بلغت 339 مليون لتر، وبتكلفة تقدّر بنحو 81.2 مليون دولار.
وقد قوبل هذا التدخل بارتياح شعبي واسع في عدن، انعكس في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبّر المواطنون عن أملهم في أن لا يكون هذا التحسن عابراً، كما حدث في مرات سابقة، سرعان ما تبخرت مع أول موجة حر.
الصيف.. الامتحان الذي يخشاه الجميع
ورغم هذا التحسن، يُجمع أبناء عدن على أن فصل الصيف القادم هو الامتحان الحقيقي، وأن ما يحدث الآن لا يمكن اعتباره حلاً للأزمة، بل مجرد هدنة مؤقتة في فصل شتاء ينخفض فيه الطلب على الكهرباء إلى نحو النصف مقارنة بالصيف.
فالمدينة، بحسب الأرقام الرسمية، تحتاج صيفاً إلى نحو 700 ميجاوات، في حين لا يتجاوز حجم التوليد الحالي 400 ميجاوات، يُضاف إليها نهاراً نحو 90 ميجاوات من محطة الطاقة الشمسية، ما يعني وجود عجز كبير حتى في حال توفّر الوقود بشكل كامل.
أزمة أعمق من الوقود
تكشف أزمة كهرباء عدن، ومعها باقي محافظات الجنوب، أن المشكلة لا تتعلق فقط بتوفير الوقود، بل بغياب رؤية شاملة لإصلاح القطاع. فلا توجد مشاريع استراتيجية لإضافة قدرات توليد جديدة، ولا خطط جادة للانتقال إلى مصادر طاقة أقل كلفة وأكثر استدامة، مثل الغاز أو الطاقة المتجددة.
ويُعد استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري الباهظ (الديزل والمازوت والنفط الخام) من أكبر المعضلات، حيث تصل تكلفة إنتاج الكيلو وات الواحد إلى ما بين 200 و300 ريال، ما يجعل أي حديث عن تحصيل الفواتير من المواطنين أمراً بالغ الصعوبة في ظل الأوضاع المعيشية المتدهورة.
شبكة متهالكة وفاقد هائل
إلى جانب ذلك، تعاني كهرباء عدن من فاقد فني وتجاري يصل إلى نحو 45%، نتيجة تهالك الشبكة، والربط العشوائي الذي انتشر خلال سنوات الانهيار، وهو ما يلتهم جزءاً كبيراً من الطاقة المنتجة ويقوض أي تحسن حقيقي في الخدمة.
ويرى مختصون أن معالجة الفاقد، وتحديث الشبكة، وتنظيم الاستهلاك، تمثل خطوات لا تقل أهمية عن توفير الوقود، إذا ما أُريد الخروج من دوامة الأزمات المتكررة.
ذاكرة مثقلة بالمعاناة وبينما يُقدّر أبناء عدن والجنوب التدخلات الداعمة التي خففت عنهم مؤقتاً، إلا أن ذاكرتهم المثقلة بالمعاناة تجعلهم أكثر حذراً في التفاؤل. فالتحسن الحالي، وإن كان مهماً، لا يمحو سنوات من الألم، ولا يُعفي الحكومة من مسؤوليتها في إيجاد حلول جذرية تضمن حق المواطن في خدمة كهرباء مستقرة، بعيداً عن منطق المسكنات المؤقتة التي تتكرر مع كل صيف ثم تتلاشى.