محمد المخلافي رواية (الأديب) للكاتب اليمني حميد عقبي، المقيم في فرنسا، تنتمي إلى شكل النوفيلا القصيرة جدا، إذ لا تتجاوز 54 صفحة من القطع المتوسط. صدرت عن دار رؤى للطباعة والنشر في كركوك – العراق عام 2026، وتضم أحد عشر فصل. كتبت بأسلوب مباشر واقتصادي يمكن قراءته في جلسة واحدة. قرأت الرواية كاملة وأنا على الباص، في طريقي من مقيل صديقي الشاعر عبدالمجيد التركي، من منطقة هبرة بصنعاء إلى جولة عشرين (الخط الدائري). لم أحتاج إلى وقت خاص أو عزلة للقراءة. النص يمكن قراءته وسط الطريق، بين التوقفات والضجيج، من دون أن يفقد تماسكه. لكن قصر النص لا يعني خفته، بل على العكس، فالرواية تحمل كثافة دلالية واضحة، وتشتغل على فكرة واحدة بإصرار يكاد يكون مزعجا أحيانا، لكنها فكرة تستحق هذا الإصرار. تتناول الرواية تجربة كاتب عجوز فقد السيطرة على جسده، ولم يعد قادرا على ما كان يفعله في شبابه. غير أن النص لا يتوقف عند ضعف الجسد بوصفه حالة إنسانية طبيعية، بل يستخدمه كمدخل لوضع (الأديب) نفسه تحت المجهر، وتفكيك صورة ثقافية ظلت لسنوات طويلة محاطة بهالة من التبجيل والتقديس. في مرحلة مبكرة من الرواية، يعرف الأديب بنفسه قائلا: (أقترب من الثمانين عامًا. آه، نسيت أن أخبركم من أنا. سهل جدًا أن تعثروا على كتبي، فهي موجودة بسهولة على المكتبات الرقمية التي يؤسسها هواة. (الفصل الأول) تبدو هذه العبارة للوهلة الأولى تعريف عابرا، لكنها تحمل شعورا واضحا بفقدان السيطرة: على الجسد، على الزمن، وعلى القيمة. وجود الأديب لم يعد مرتبطا بحيوية النص، بل بحضوره الرمزي، بأرشيف رقمي يمكن لأي هاوٍ الوصول إليه. يعود عقبي عبر ذاكرة الأديب إلى حفلات التكريم، الجوائز، والتنقل بين العواصم العربية. غير أن هذا الاسترجاع لا يُبنى بوصفه حنينا، بل بوصفه كشف تدريجي للفارق بين ما ظن الأديب أنه إنجاز شخصي، وبين الدور الحقيقي الذي لعبته السلطات والمؤسسات في صناعة هذه الصورة. هنا، لا تُقرأ الذاكرة باعتبارها ماضيًا مجيدا، بل باعتبارها سجل وظيفة أُديت بالكامل. شخصية (إيبكري سهيف) هي صورة مكثفة لذلك (الأديب الريادي) الذي صنعته المؤسسات الثقافية العربية، أكثر مما صنع نفسه. وهو لا يظهر بوصفه ضحية منسية، بل على العكس، يصر أحيانا، وبنبرة تقترب من الهزل، على تعداد إنجازاته، أوسمته، وأسفاره. هذا التكرار لا يبدو استعراضا بقدر ما هو آلية دفاع فالشخصية التي اعتادت الاعتراف الرسمي لا تستطيع تخيل ذاتها خارج دائرة التصفيق. اللافت أن الرواية لا تهاجم الأديب مباشرة، ولا تسخر منه من الخارج، بل تتركه يتحدث. وهذا خيار ذكي فالتباهي المتواصل، والعودة القهرية إلى ذكريات الجوائز والمؤتمرات، يكشف هشاشة فكرة (الريادة) عندما تنفصل عن الزمن، وعندما تختفي الحاجة العملية لها. الأديب هنا لا يسقط لأنه قال شيئ خاطئا، بل لأنه أدّى الدور المطلوب منه بالكامل. سقوطه لا يبدو مأساوي بقدر ما هو روتيني، أشبه بإغلاق ملف انتهت مهمته. وهذه نقطة مربكة، لأنها تحرم القارئ من التعاطف السهل، وتضعه أمام حقيقة أكثر قسوة. لكن الرواية لا تتوقف عند نقد الشخصية الفردية. (إيبكري سهيف) ليس حالة استثنائية، بل واحد من سلسلة طويلة من الشخصيات التي صُنعت لملء فراغات رمزية محددة معارضون مقبولون، حداثيون بلا مخاطرة، وروّاد بلا تلاميذ حقيقيين. وعندما تنتهي المرحلة، تُترك هذه الشخصيات تواجه مصيرها وحيدة، بلا جمهور حقيقي ولا ذكرى فاعلة. بهذا التحليل الهادئ، يزيل عقبي الهالة البطولية عن صورة (الريادي)، ويعيدها إلى حجمها الطبيعي: شخص استفاد من النظام، واستُخدم فيه، وصدق قواعد اللعبة حتى نهايتها. النقد هنا لا يقدم بوصفه محاكمة أخلاقية، ولا اتهاما مباشرا، بل بوصفه تفكيكا للبنية التي أنتجت هذه الشخصية، وشرح لكيف تتحول الريادة من فعل إبداعي إلى وظيفة رمزية. في هذا السياق، تبرز شخصية أنابيلا بوصفها حضور كاشفا لا يشارك الأديب أوهامه ولا يعاديه. هي تسمع وتدون وترافق الجسد المنهك، لكنها لا تعيد إنتاج صورته القديمة. حين يتحدث عن خلود أعماله، تضع أمامه حقيقة بسيطة: الكتب كانت تشترى وتوزع، لا تقرأ. اهتمامها بمعادلة المثقف والسلطة لا يصدر عن إعجاب ولا عن ولاء، بل عن رغبة في الفهم، وهو ما يجعلها مريبة في نظر الأديب الذي عاش طويلا داخل منظومة الامتياز. أنابيلا تكسر المونولوغ الذي يكرر فيه الأديب أمجاده، ومن دون صدام أو سخرية تكشف المسافة بين ما كان يُحتفى به، وما بقي فعليًا بعد انتهاء الدور. تظهر ثيمة السلطة الثقافية في الرواية بوصفها نظاما كاملا، لا مجرد علاقة بين الحاكم والمثقف. نظام يُشكل اللغة، والذوق، وحتى صورة الكاتب عن نفسه. هذا الكاتب رجلا كان أو امراة يعرف متى يمدح ومتى يصمت، ويتقن الكلام الجميل، ويحصل على الجوائز لا لأن نصوصه قوية أو مقلقة، بل لأنها آمنة ومريحة للجميع. وهنا، ربما، تكمن المشكلة الأساسية. يصل النقد ذروته عندما يتحول الجسد إلى أداة كشف. سقوط الجسد في الرواية ليس تفصيلا بيولوجيا، بل علامة على انهيار الخطاب الثقافي نفسه. يقول النص في أحد أكثر مشاهده قسوة (كل أبخرة كريهة، وكل ظراط مقرف، وكل فقدان القدرة على الاحتمال، يعكس جسديًا هشاشة ما أنتجته السلطة: نصوص براقة من الخارج، وخطابات مزخرفة، ونجوم ثقافة محمية بالجوائز لكن محتواها فارغ.) (الفصل السادس) قد تكون هذه الفقرة صادمة، لكنها تؤدي وظيفتها بدقة. الجسد هنا يقول ما عجز الخطاب عن قوله. الامتيازات الرمزية، عندما تختبر بالحقيقة الجسدية، تنهار بسرعة. في الوقت نفسه، تفتح الرواية نافذة على المستقبل من خلال حضور الروبوتات، لا بوصفها أدوات محايدة، بل كمرايا أخلاقية. (الروبوت الذي يُكلّف بمهام قذرة أو روتينية يبدو أقل نفاقًا من الإنسان الذي صاغته السلطة الثقافية.) ,(الفصل العاشر) هذا التباين بين الإنسان المزخرف والآلة البسيطة يفضح مفارقة لافتة: الروبوت، ببرود أدائه ووضوح وظيفته، يبدو أكثر صدقًا من مثقف تشكل وعيه داخل منظومة امتيازات وجوائز. الإبداع البشري يتحول إلى وظيفة مؤقتة، بينما تكشف الآلة هشاشته دون ادعاء. من الصعب قراءة الرواية دون ربطها بالواقع الثقافي العربي اليوم وفرة في الفعاليات، تضخم في الاحتفاء، وقلة في الأسئلة الحقيقية. تكافأ الصياغة المتقنة، وتهمَّش الفكرة العميقة. النتيجة هشاشة بنيوية، ترهل لغوي، وكسل إبداعي يختبئ خلف ألقاب كبيرة. الرواية تقول ذلك بوضوح عندما تصبح الجائزة بديلا عن القيمة، والاحتفاء بديلًا عن النقد، يتحول الإبداع إلى وظيفة مؤقتة، ويصبح السقوط مسألة وقت لا أكثر. ما يميز شخصية إيبكري سهيف أيضًا هو استخدام السخرية السوداء والجسد كأدوات نقد حقيقية. الضحك هنا لا يخفف، بل يعرّي. يكشف العلاقة المعقدة بين السلطة والإبداع، وبين الامتيازات الرمزية وثمنها الفعلي. الجسد المنهك، واللغة التي تفقد بريقها، يضعان القارئ أمام فرق لا يمكن تجاهله: فرق بين قيمة تُمنح، وقيمة تصمد. في الفصل الأخير، يصل هذا المسار إلى نهايته المنطقية (لم أجد فكرة، ولا ذكرى، ولا حتى شعورًا بشيء.) (الفصل الحادي عشر) هذه العبارة لا تلخص فقط حالة الأديب، بل تحاكي هشاشة ثقافة كاملة بُنيت على الجوائز والظهور الرمزي. بأسلوب مباشر ومقتصد، يجعل عقبي السرد أداة لفهم العلاقة بين السلطة والثقافة، وبين القيمة الحقيقية والوظيفة المؤقتة. أما الإشارة الأخيرة إلى فوضى غير مفهومة في النهاية، فتضع القارئ أمام حيرة مفتوحة، هل هذه الفوضى ناتجة عن خلل في الروبوتات التي تعمل في المصحّة، أم أنها فوضى عالمية تشير إلى نهاية وشيكة؟ ومهما تكن أسبابها، يمكن فهمها بوصفها نتيجة أخطاء الواقع نفسه من القرف الثقافي، وضعف العدالة، إلى صعود التيارات العنصرية والنازية والفاشية. وربما يريد عقبي أن يقول لنا نعم، يجب أن نقلق مما يحدث الآن، لأن ما سيأتي سيكون أكثر كارثية. وهو لا يتحدث عن مستقبل بعيد، بل عن مستقبل قريب جدا، إذ تدور أحداث الرواية تقريبا في عام 2029، لا بعد قرن أو قرنين.