بقلم: العميد القاضي د حسن حسين الرصابي مؤلف كتاب "الشرق الأوسط الجديد بأجندة صهيونية"/ لم تكن التحذيرات التي أطلقناها منذ نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عبر التقارير الاستراتيجية المرفوعة لوزارة الدفاع ودائرة التوجيه المعنوي، محض استشراف نظري، بل كانت قراءة دقيقة لمخطط "الأجندة الصهيونية" التي تهدف إلى إعادة صياغة المنطقة. واليوم، ونحن نرى تسارع الأحداث في جنوباليمن والقرن الأفريقي، نجد أن ما حذرنا منه في كتابنا "الشرق الأوسط الجديد بأجندة صهيونية" قد انتقل من أروقة التخطيط السري إلى العلن. تصريحات الزبيدي: "صك طاعة" للكيان الصهيوني إن التصريحات المتكررة لرئيس المجلس الانتقالي، عيدروس الزبيدي، حول الاستعداد للتطبيع الكامل مع الكيان الصهيوني مقابل دعم "استقلال الجنوب"، تمثل ذروة الخطر المحدق بالسيادة اليمنية والعربية. هذا التوجه ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو محاولة لرهن الجغرافيا اليمنية الاستراتيجية (باب المندب، خليج عدن، جزيرة سقطرى) للمشروع الصهيوني-الأمريكي، ليكون الجنوباليمني "خنجراً مسموماً" في خاصرة الأمة. استنساخ نموذج "صوماليلاند": المخطط الإماراتي-الإسرائيلي ما يحدث اليوم في "جمهورية أرض الصومال" (صوماليلاند) من محاولات إسرائيلية لإيجاد موطئ قدم رسمي هناك، هو "النموذج الأصلي" الذي تسعى إسرائيل والإمارات لتطبيقه في جنوباليمن. الهدف هو خلق كيانات هشة، فاقدة للسيادة الحقيقية، ومستعدة لبيع جغرافيتها وقرارها مقابل اعتراف دولي "وهمي". إن اعتراف إسرائيل ب "صوماليلاند" هو بمثابة الضوء الأخضر لبدء سيناريو مشابه في المحافظاتالجنوبيةاليمنية. استهداف البحر الأحمر والجزر الاستراتيجية إن الهيمنة على البحر الأحمر والجزر اليمنية (ميون وسقطرى) هي الهدف المركزي للكيان الإسرائيلي. وبعد الحصار البحري الخانق الذي فرضته "القوات المسلحة اليمنية" على الملاحة الإسرائيلية تضامناً مع غزة، باتت تل أبيب ترى في السيطرة على الجنوباليمني ضرورة قصوى لكسر هذا الحصار وتأمين ممرات بديلة، وتحويل الجزر اليمنية إلى قواعد رصد وتجسس متقدمة. ناقوس الخطر: موقف القوى الوطنية لقد جاء بيان السيد عبد الملك الحوثي الأخير، والذي اعتبر فيه أي تواجد صهيوني في "أرض الصومال" أو أي نقطة قريبة هدفاً مشروعاً، ليضع النقاط على الحروف. إن المعركة اليوم هي معركة "وجود" وليست مجرد صراع سياسي محلي. إن أي تمكين للكيان الصهيوني في الجنوب هو تهديد مباشر ليس لليمن فحسب، بل لكل الدول المشاطئة للبحر الأحمر. خاتمة: إننا اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة، فإما أن تصحو دول حوض البحر الأحمر وتدرك حجم المؤامرة التي تستهدف أمنها القومي، أو أن تترك المجال لتنفيذ "أجندة الشرق الأوسط الجديد" التي ستجعل من البحر الأحمر "بحيرة إسرائيلية". لقد أدينا واجبنا بالتحذير الفكري والاستراتيجي، واليوم الكرة في ملعب القوى الوطنية والشعوب الحية للتصدي لهذا الخطر الوجودي.