حذّرنا مرارًا وتكرارًا بأن السعودية نهجها الثابت يتمثل في أنها تُبطن ما لا تُظهر، وتقول ما لا تفعل، وخاصة عندما يتعلق الأمر باليمن، كسياسة قديمة لا تتغير ولا تتبدل. ولكن مع الأسف الشديد، أولئك الذين يُحسنون الظن بها تقرّبًا منها لترضي عنهم ولكي يحظوا بما تمنّ عليهم به من فتات، يدافعون عنها بشراسة ويعتبرونها المنقذ، غير معتبرين بما يجري الآن في الرياض بخصوص ما يُسمّى القضية الجنوبية، من حوار جمع كل المتناقضات، ظاهره فيه الرحمة وباطنه كله عذاب. ما تقوم به السعودية وتفرضه على المتحاورين أشد وأنكى مما قام به العميل عيدروس الزبيدي، وتسبّب في إيجاد خلاف قوي بين قطبي الشر في التحالف المعادي للشعب اليمني، حيث كل طرف منهما يريد تقسيم اليمن بالطريقة التي يريدها رغمًا عن إرادة شعبه. وقد تغلّبت السعودية على الإمارات لتنفرد بتحقيق هدفها المرسوم منذ أمد بعيد، وليس وليد الأمس أو اليوم، فقد بدأت خطتها لتقسيم اليمن بما عُرف بالستة الأقاليم وجعلتها منطلقًا لتحقيق هدفها الخبيث. ومع أن كل شيء قد أصبح واضحًا وضوح الشمس في رابعة النهار، إلا أن ما تقوم به يحظى بمباركة من قبل من يعتبرون أنفسهم مثقفين وسياسيين يمنيين يحملون شهادات عليا في مختلف التخصصات العلمية والأيديولوجيات السياسية، ويرفعون الشعارات البراقة، ولكنهم في الحقيقة يفتقرون إلى كيفية التعامل الصحيح مع القضايا الوطنية. واضعين مصالحهم الخاصة فوق مصلحة الوطن، ولا يهمهم ما يترتب على ذلك من نتائج تُسيء إليهم أولًا، ويتضرر منها الشعب اليمني كله، وذلك بخلاف موقف الذين وقفوا في وجه تحالف العدوان للعام الحادي عشر على التوالي دفاعًا عن الوطن وسيادته وحريته واستقلاله، وانتصروا عليه لأنهم مؤمنون بقضية وطنهم العادلة، وفضّلوا الشهادة في سبيلها على أن يتحولوا إلى عملاء وخونة ومرتزقة، ولم تُغرهم الوعود بدفع الأموال المدنّسة لهم من الخارج رغم حاجتهم إليها في ظل ما يشهده اليمن من عدوان وحصار طال أمده وزادت قسوته، فتأثر منه حتى الأطفال الرضّع. ومن العجيب والغريب أن السعودية، بعد أن أُتيحت لها الفرصة للتغلب الظاهري على حليفتها الإمارات، دعت الأطراف، بما فيهم من وقفوا ضدها وناصروا أبو ظبي، للقدوم إلى الرياض تحت يافطة إجراء حوار يفضي إلى حل شامل، على زعمها، لحل أزمة اليمن. وقد روّج لذلك المدعو المرتزق رشاد العليمي حسب ما كان يُملى عليه في خطاباته التي كانت تُسلّم له مكتوبة، زاعمًا بأن راية الجمهورية اليمنية سيستظل المتحاورون بها، وتحتها يتم مناقشة كل القضايا، بما فيها قضية الجنوب التي أصبحت معقدة، وهي لم تكن في الأصل كذلك. فكانت المفاجأة أن السعودية اختارت شخصيات جنوبية مستبعدة من بينهم المحسوبين على الشمال، وأولهم المدعو العليمي نفسه، وافتتحت اجتماع الحوار بنشيد وطني لم يكن معروفًا من قبل، وهو ما ألجم الذين وقفوا له، حيث لم تتحرك لهم شفة لترديده لأنهم لأول مرة يسمعونه، فأُصيبوا بالذهول، كونهم يعرفون أن نشيد الدولة الشطرية في الجنوب سابقًا، التي يطالبون باستعادتها، هو نفسه النشيد الوطني الذي اعتُمد نشيدًا وطنيًا وسلامًا جمهوريًا للجمهورية اليمنية في 22 مايو عام 1990م. فهل السعودية هي من اختارت هذا النشيد لإرباك مشهد الحوار وفرض أجندتها عليه، الهادفة إلى تحقيق بطريقتها الخاصة ما كانت تسعى الإمارات إلى تحقيقه عبر دعمها لعميلها عيدروس الزبيدي، الذي لم يُحسن التعامل مع تعليمات أسياده في أبو ظبي، فأوقعهم في ورطة مع السعودية ودفع الثمن غاليًا، حيث كان مصيره الهروب من عدن إلى خارجها، وتم تجريده من كل مناصبه السياسية التي كان تحالف العدوان قد منحها إياه، وصدّق نفسه بأنه قد أصبح رئيسًا وقائدًا أعلى للقوات المسلحة في جنوب الوطن اليمني، فذهبت كل طموحاته سريعًا مع أدراج الرياح، مثلما هو حال رشاد العليمي الذي صدّق هو الآخر نفسه بأنه رئيس. وهذا ما سيحدث فعلًا لكل من يفكر أن يسلك سلوك عيدروس، سواء كان محسوبًا على السعودية أو على الإمارات، وذلك لسبب بسيط، وهو أن كل من يتلاعب بقضية اليمن سيواجه حتمًا صخرة إرادة الشعب الوطنية التي لن تسمح لأي عميل أو خائن أن يخترقها مهما كانت القوى الداعمة له. لقد كان أكبر خطأ يرتكبه المرحوم علي سالم البيض في حياته الكفاحية والسياسية، واعترف به في أكثر من مناسبة وندم عليه، هو إعلان الانفصال يوم 21 مايو عام 1991م، فشوّه بذلك تاريخه النضالي، وتسبّب في القضاء على الجيش الجنوبي سابقًا، الذي كان يُعد إلى ما قبل أحداث 13 يناير المؤسفة عام 1986م من أقوى الجيوش في المنطقة تسليحًا وتدريبًا وشجاعة، وهو ما يجب أن يستفيد من هذا الخطأ كل من يحاول أن يكرره، لا سيما بعد أن أثبتت الأحداث أن الهدف الأساس من حرب صيف 1994م، التي يتحمل مسؤوليتها شريكا إعادة تحقيق الوحدة، كان هو القضاء على ما تبقى من ذلك الجيش وتفكيكه والتخلص من عناصره. وهذا ما حدث بالفعل بعد انتهاء الحرب، بدليل أنه تم تسريح الضباط والجنود قسرًا وإبعادهم عن وظائفهم، ولم يتبقَّ منهم إلا من كان مواليًا وموافقًا على النظام الفردي الذي أنتجته الحرب بصلاحيات مطلقة. وقد تغيّرت تركيبة الجيش بعد ذلك من جيش وطني يدافع عن الوطن وسيادته واستقلاله وحماية مكاسبه المتحققة، إلى جيش لحماية النظام والأسرة الحاكمة. ولا نريد أن يتكرر هذا السيناريو اليوم في الجزء الجنوبي من الوطن خدمةً للمتدخلين من الخارج، لا سيما السعودية والإمارات، فيقضون على الألوية العسكرية الرسمية ويشكّلون بديلًا لها من القوى المتطرفة جيشًا لتحقيق أجنداتهم المرسومة سلفًا، تجعل اليمنيين يتقاتلون فيما بينهم، والمتدخلين يتفرجون.