لم يعد النقاش حول الوصاية على الجنوب ترفًا سياسيًا أو ادعاءً أيديولوجيًا. فالحالة التي يعيشها الجنوب اليوم ليست نتاج خطابات شعبوية، بل انعكاس لممارسات واقعية مورست خلال السنوات الأخيرة، وبلغت ذروتها خلال الأسابيع الماضية، حين تحولت أدوات التحالف والشراكة إلى أدوات ضغط عسكري وسياسي وإعلامي. فالاستهداف الذي طال المكلا وسيئون والضالع، إضافة إلى ضرب القوات المسلحة الجنوبية، لم يكن حادثًا معزولًا أو هفوة عسكرية يمكن طيّها بالاعتذار. بل جاء في سياق تحريضي واسع وممنهج شاركت فيه منصات إعلامية ودوائر سياسية روجت لفكرة "تأديب" الجنوب وإخضاعه عبر القوة. مشهد كهذا يجعل من القصف نتيجة منطقية لسلوك سياسي، لا مجرد فعل منفصل عن جذوره. وعلى نفس المسار، لم تتوقف الممارسات عند حدود الاستهداف الميداني، بل امتدت لتطال رموز الجنوب ومكانتهم المعنوية. فاستهداف منزل الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي في مسقط رأسه زُبيد بالضالع حمل دلالات سياسية مباشرة تتجاوز الرسالة العسكرية إلى محاولة كسر الإرادة السياسية عبر ضرب رموزها في عمق حاضنتها الاجتماعية. هذا النوع من الاستهداف لا يُقصد به مجرد الضغط التكتيكي، بل ضبط معادلة القرار من خلال التأثير على رمز الشرعية الشعبية والسياسية. ترافق ذلك مع حملة إعلامية ممنهجة عبر قنوات رسمية تتبع الجهة التي تقود التحالف، لعبت دورًا محوريًا في شيطنة الموقف الجنوبي، وتكييف الرأي العام لتقبل فكرة إخضاع الجنوب باعتبارها "ضرورة" وليست تجاوزًا. الإعلام هنا تحوّل من ناقل إلى مُشرعن للضغط، ومن مراقب إلى طرف في معادلة الهيمنة. وفي السياق ذاته، جرى إجبار الوفد الجنوبي المكلّف من قبل المجلس الانتقالي على الخروج عن مهمته السياسية نحو مسار آخر هدفه حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه. هذا السلوك لا يمكن اعتباره مجرد خلاف داخل شراكة سياسية، بل محاولة هندسة مستقبل الجنوب من خارج مؤسساته، والضغط على أدوات تمثيله السياسي المعترف بها شعبيًا. هذه الخطوة فجّرت استفزازًا شعبيًا واسعًا امتدّ من المهرة شرقًا حتى باب المندب غربًا، تُرجم عمليًا بخروج ثلاث مليونيات كبرى في عدن وحضرموت والمهرة استجابة لدعوة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي. وفي تلك المليونيات أعاد شعب الجنوب تثبيت التفويض الشعبي للرئيس، والتمسك بالمجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره الممثل الشرعي لقضيته الوطنية، ورفض أي محاولات لحل أو تفكيك المجلس تحت أي ذريعة أو ضغط. هذه التطورات تطرح سؤالًا جوهريًا حول مفهوم الشراكة ذاته: هل الشراكة تُدار بالحوار والاعتراف المتبادل بالحقوق والمصالح؟ أم تُدار بالتجريم والضغط العسكري والإعلامي والاعتقال؟ عندما تختار الأطراف الفاعلة الخيار الثاني، ينتقل المشهد تلقائيًا من نطاق التحالف إلى نطاق الوصاية، ومن التنسيق إلى الهيمنة. صحيح أن إطلاق الوفد الجنوبي خطوة ضرورية، لكنها لا تُعيد تعريف الأزمة ولا تعالج جذورها. فالمشكلة لم تكن في إجراء واحد أو حادثة واحدة، بل في بنية سلوك كاملة تتطلب كشفًا وتحقيقًا وتقييمًا سياسيًا وأخلاقيًا وقانونيًا مستقلًا. أي مقاربة جدية للوضع تستوجب النظر إلى ما سبق وما لحق من تحريض وصناعة رأي عام هدفه تجريد الجنوب من حقه الطبيعي في تحديد مستقبله. من هنا يصبح توصيف "الاحتلال" ليس مجرد استعارة خطابية، بل توصيفًا سياسيًا لواقع تُستخدم فيه القوة لإعادة هندسة القرار الوطني، ويُمنع فيه الجنوب من ممارسة حقه في تقرير مصيره وفق إرادته. الاحتلال اليوم لم يعد بحاجة إلى جيوش متمركزة على الأرض، بل يكفيه التحكم بالموانئ والمطارات وقرارات الحرب والسلم والإعلام. ورغم ذلك، أثبت الجنوب أنه ليس فراغًا ولا مجالًا للتجربة السياسية. فالتحركات الشعبية والسياسية الأخيرة تعكس أن مشروع "الاستقلال الثاني" لم يعد شعارًا تعبويًا، بل مسارًا وطنيًا مكتمل الأركان له جمهور وإرادة وحاضنة ومسار تاريخي متجذر. إن الأزمة الراهنة لا تحتاج إلى مزيد من التصعيد العسكري أو التحريض الإعلامي، بل تحتاج إلى مساءلة حقيقية للسلوكيات التي أنتجت هذا الواقع، وإلى مراجعة مفاهيم التحالف والشراكة بما يتناسب مع الحقائق الجديدة على الأرض. فالتاريخ أثبت أن الشعوب لا تُدار بالقوة، وأن حقوق الأمم لا تُختزل في غرف التسويات ولا في حسابات الأطراف الخارجية. الجنوب اليوم لا يبحث عن وصاية ولا يستجدي اعترافًا. الجنوب يعيد بناء دولته، ويرسم مستقبله، ويفتح صفحة جديدة من تاريخه بإرادته لا بإرادة أحد.