إذا كان هذا الشقاء، و هذا البؤس، و هذه المُدي التي أخذت في الطعن بأقطار عربية بهدف تمزيقها و تقطيعها، و تحويلها إلى كانتونات صغيرة و ضعيفة و التطبيع مع الكيان الصهيوني لايزال مع نظامين عربيين أو ثلاثة ، فكيف سيكون الحال و الوضع، فيما لو أصبح للكيان اللقيط في كل عاصمة عربية سفارة،و في كل شارع وكر ، و في كل مؤسسة جاسوس ؟! إن الكيان اللقيط يدرك تماما أن وجوده في قلب الوطن العربي و الإسلامي وجودا طفيليا، أو كحمل خارج الرحم ليس له جذور ، و لا أدنى صلة أو رابطة، مما يجعله يعتمد في بقائه على تبني العداء الدائم ضد العرب و المسلمين، و إن تمسكن أو تظاهر بالصداقة و الود، ناهيكم عن أنه غارق حتى مشاشة رأسه بالطبع الخسيس الذي طُبعوا عليه، و تطبعوا به، فلا يرقبون في إنسان حقا مشروعا، و لا يدا سلفت، ديدنهم الغدر، و طبعهم الخيانة.
و مادامت قناعتهم أن بقاءهم في قلب هذا العالم العربي و الإسلامي لا يمكن أن يدوم إلا بتحويل دوله إلى مجرد كانتونات ضعيفة، و إلى دويلات و مشيخات، و إمارات صغيرة لا حول لها و لا طول.
و لا يجهل عربي و إن تغاضى البعض أن الصهيوني هو تجريد البلاد العربية من كل طاقاتها، و مقدراتها، و قوتها، و مسخ أجيالها، و المعطيات التي بين أيدينا حاضرة، و ماثلة للعيان، و سيجد؛ بل قد وجد من يعينه على مكره و كيده، و تنفيذ مخططاته بوهم شراء كرسي السلطة و التمكن فيه ؛ مع أن من ينبطح لعدوه مخلصا له يعطيه عدوه زمنا محدودا ليستبدله بجديد لا يكون له يد، و لا جميل، و لنا في اليمن عبرة على سبيل المثال بتعامل الحوثي مع من انبطحوا له، و كيف نبذهم بعد تمكنه نبذ النواة، بل و تمادى بالإساء إليهم.
و لقد بدأ هذا الكيان اليوم يعمل جهارا نهارا بمكره المعروف، و كيده المعهود منذ القدم في إثارة الفتن في أقطار عربية؛كخطوة غادرة ضمن سلسلة يمهد لها حتى يعيش في أمان في ظل اختلاف و فتن أنشأها بين الإخوة، الذي يجد بعضهم سهولة في مد يده للصهاينة،بينما يرى صعوبة بالغة في أن يمد يده بصدق مع إخوته ..!!
يعرف الصهاينة في تاريخ العرب قبل الإسلام أنه كان مجتمعا مفككا و مقطع الأوصال، و قبائل متناحرة، فهو اليوم لضمان بقائه ينبش في الأسباب القديمة لتوظيفها من جديد.
و إزاء هذا فعلى العرب و المسلمين بعث أسباب وحدتهم، و عوامل اتحادهم التي أتاهم بها رسولهم العظيم حين لم تعد قبائل العرب ممزقة، بل صارت أمة واحدة، بل صارت أمة علم، و رسالة و حضارة. توحدت القبائل، و تحرر العبيد، و خلع العرب الذين كانوا يتبعون الروم أو الفرس تبعيتهم، و حقق الجميع في أنفسهم ما أرسل به إليهم نبيهم الكريم، و رسولهم العظيم : (واعتصموا بحبل بالله جميعا ولا تفرقوا).
اليوم هناك من يعمل لإذكاء آفة الفرقة و الخلاف ، و داء التمزق بفعل الفاعل الخارجي، و ترهل المستهدفين، و مكر الصهاينة المتربصين، و عبر من ارتضى أن يكون أداة طيّعة بأيديهم.
إن معطيات المكر و العدوان ماثلة للعيان ، فلننظر: ماذا يُراد بليبيا من تمزيق؟ و ماذا يراد للسودان من تفكيك ؟ و ماذا يراد لليمن و للصومال من تقطيع؟
إن نعرات الجاهلية تجد ترويجا خارجيا، ببث ثقافات العصبيات النتنة، و ثقافة الكراهية الدنيئة التي تنفخ في الصدور، فتتسلط على النفوس حين تمضي بصاحبها للتحالف و الارتهان و لو مع الصهاينة و الشيطان. من المستفيد من نتائج هذا المكر و الكيد و العدوان؟ و من الخاسر؟ إن المستفيد حصرا هي الصهيونية، و على حساب وحدة العرب و اتحادهم و حاضرهم و مستقبلهم. يحدث هذا و الكيان الصهيوني لايزال التطبيع معه في بداية الطريق الموحش للعرب و المسلمين، فكيف لو تغلغل نفوذه في أنحاء العالم العربي و الإسلامي؟
إن أوجب الواجبات اليوم ، و إزاء هذه الظروف الملبدة بمخططات التمزيق يقظة الحكام و المحكومين، و يقظة السلطات و الشعوب، و تماسك الرؤساء و المرؤوسين على مبدأ واضح و جلي يقوم على معرفة العداء،و العدو المحيط، و إدراك أهمية الاصطفاف القومي الواسع ؛ عروبيا و إسلاميا و التلاحم لإسقاط كل مخطط يتهدد مقدرات الأمة، و أمنها و استقرار شعوبها.
و عليه فإنه لا بد من مواجهة أسباب التفكيك الماكر، و الكيد المتآمر سواء أتى من الخارج؛ أو جاءمن ضعفاء النفوس في الداخل ممن ظنوا أن شاس بن قيس،أو حيي بن أخطب،أقرب إليهم من بني جلدتهم.
و الخلاصة: إن الكيان الصهيوني لا يرى له وجود بين العرب و المسلمين إلا إذا مزق دولهم إلى دويلات، و إمارات، و مشيخات لا حول لها و لا طول، و هو لا يرى في التطبيع إلا وسيلة لأمنه من جهة؛و لتمزيق الأمة و إضعافها، و تفكيك دولها ليهيمن و يعربد على حساب العرب جميعا، و المسلمين كافة.