إن حب الوطن ليس شعاراً يُرفع، ولا كلماتٍ تُنمق، بل هو "فطرة" صاغها الخالق في أعماق النفس البشرية، وجعلها قرينة لحب الروح؛ ففي محكم التنزيل اقترن حب الأرض بحب النفس في قوله عز وجل: ((وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اقْتُلُوا أَنْفُسكُمْ أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَاركُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيل مِنْهُمْ)). ومن هذا المنطلق، يبرز التساؤل الوجودي والأخلاقي المرير: كيف يطاوع المرء نفسه أن يبيع وطنه؟ وكيف يرتضي لنفسه أن يكون خنجراً في خاصرة الأرض التي أظلته سماءُها وأطعمته خيراتُها؟ بيع الأوطان.. رِدّة عن الأخلاق إن من يبيع وطنه مقابل ثمنٍ بخس، أو منصبٍ زائل، إنما يرتكب "رِدّة أخلاقية" كاملة الأركان. فالوطن هو "العِرض الأكبر"، والسمسرة عليه هي ذروة الهوان. إن الخائن الذي يضع يده في يد عدو بلده للنيل منها، لا يبيع تراباً وصخوراً، بل يبيع دماء الشهداء، وتاريخ الآباء، ومستقبل الأبناء. والعدو الذي يستقوي به الخائن اليوم، هو أول من سيحتقره غداً؛ فمن خان أصله لا يُؤتمن على عهد، ومن باع داره لا يُرجى منه خير. التجسس والتعاون مع العدو.. طعنة في قلب العقيدة شرعاً وقانوناً، يُعد التجسس لصالح العدو خيانة عظمى وفساداً في الأرض يستوجب أشد العقوبات. كيف يرتضي من نشأ في رحاب الإسلام، وتشرّب قيم الوفاء، أن يكون عيناً لعدوٍ متربص؟ إن كل معلومة يسربها الخائن هي "رصاصة" موجهة لصدر أخيه، وكل إحداثية يقدمها هي "دمار" يلحق بمنشآت بلده. إن التجسس هو سقوط مدوٍ للضمير، حيث يُقايض الخائن أمن الملايين بلذة عابرة أو دراهم معدودة، ناسياً أن عين الله لا تنام، وأن لعنة التاريخ ستلاحقه في كل محفل. القبول بالاحتلال.. سحقٌ للكرامة الإنسانية إن الرضا بالاحتلال والترحيب بساطير الغزاة هو تخلٍّ طوعي عن الكرامة التي كرم الله بها بني آدم. السيادة الوطنية ليست ترفاً، بل هي سياج الحرية، والقبول بانتهاكها هو "موت معنوي". فكيف ينام قرير العين من يرى القرار الوطني يُصادر، والسيادة تُداس؟ إن من يبرر للمحتل تواجده تحت أي مبرر، إنما يحكم على نفسه بالعبودية، ويورث الأجيال ذلاً لا يمحوه اعتذار. مسؤولية التحصين والوعي بصفتنا في السلك القضائي وفي ميدان التوجيه الديني، نؤكد أن حماية الوطن تبدأ من تحصين الوعي. إن مسؤولية العلماء والقضاة والمثقفين هي فضح هذه المسالك الدنيئة وتبيين عواقبها الوخيمة في الدنيا والآخرة. فالوطن ليس "فندقاً" نغادره حين تسوء الخدمة، بل هو "الروح" التي إذا فارقت الجسد انتهى الإنسان. ختاماً: سيبقى اليمن - كما وصفناه دائماً - هو الأغلى والأسمى، شامخاً بجباله، عزيزاً برجاله. أما من اختار طريق الخيانة والتجسس، فسيجد نفسه غريباً منبوذاً، لا الأرض تقبله ولا السماء تظله، وسيبقى اليمن مقبرة للغزاة ومطهرة للأوفياء. إن الغربال الوطني كفيلٌ بعزل الزبد، ليبقى في الأرض ما ينفع الناس من صمود وتضحية ووفاء.