اتخذ قادة البيت الأبيض من "عقيدة مونرو" وسيلة للنفوذ والهيمنة، لا سيما في النصف الغربي من الكرة الأرضية الذي يرونه حديقة خلفية للولايات المتحدة، لا يحق لدوله أن يقيموا علاقات تعاون اقتصادي أو ان يستقدموا شركات لأي قوى عالمية غير أمريكا للاستثمار فيها، أو أي شكل من أشكال التواجد الأوروبي. وعلى الرغم من أن عقيدة مونرو هدفت في البداية إلى الدفاع عن دول أمريكا اللاتينية، إلا أنها تحولت إلى وسيلة للهيمنة والنفوذ الأمريكي عليها بعد أن أُلحقت بها بنود جديدة من قبل الرئيس روزفلت، وأيضًا ملحق ترامب الذي زاد الطين بلة باعتماده هذه العقيدة كوسيلة لاستخدام القوة تحت مبرر حماية الأمن القومي الأمريكي، مما جعله يشن عدوانًا سافرًا على فنزويلا ويختطف رئيسها وزوجته ويقتادهما مكبلين بالقيود إلى أحد السجون الأمريكية في نيويورك، إلى جانب تهديده باحتلال جزيرة غرينلاند في حال امتنع قادتها عن بيعها لأمريكا، وتهديد عدد من دول الأمريكيتين والعالم . 26 سبتمبر – خاص وعلى الرغم من اعلان الولايات المتحدة خلال فترة الرئيس باراك أوباما عام 2013م انتهاء حقبة " عقيدة مونرو" إلا ان الرئيس الأمريكي ترامب عاد لإحياء هذه العقيدة ليمارس من خلالها أساليب العربدة وانتهاك سيادة دول أمريكا اللاتينية والكثير من الدول المناهضة للهيمنة الامريكية تحت مزاعم حماية الامن القومي وخلال إدارة ترامب الأولى عام 2018 عاد الحديث عنها بشكل لافت اذا امتدح وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون عقيدة مونرو خلال زيارة قام بها إلى المكسيك، قائلاً إنها "ملائمة اليوم تماماً، مثلما كانت ملائمة يوم كُتبت"، كما أعلن مستشار ترامب للأمن القومي حينها، جون بولتون، أن العقيدة "على قيد الحياة وبخير"، في خطاب هدد فيه بالإطاحة بما وصفه بالديكتاتورية في كل من فنزويلا وكوبا. نهج التوسع بالقوة ووفق عقيدة مونروا اكد ترامب ان الولايات المتحدة ستواصل التوسع في النصف الغربي للكرة الأرضية معتمدة على ذلك النهج التي تم الإضافة عليها لتتحول الى وسيلة لانتهاك سيادة الدول والاستحواذ على خيراتها ونهبها تحت مبررات واهية وخلال الولاية الثانية للرئيس الأمريكي ترامب أعاد مجددا الحديث عن عقيدة مونروا حيث اكد خلال مؤتمر صحفي تحدث فيه عن تفاصيل عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته بعد عدوان على كراكاس حيث قال : " إن الولايات المتحدة "لن تنسى عقيدة مونرو بعد الآن"، في إشارة مباشرة إلى العقيدة التاريخية التي تقوم على اعتبار نصف الكرة الغربي مجالًا حيويًا خاصًا بالولايات المتحدة. ولفت ترامب إلى أن هذه العملية "تبرهن على أن الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي لن يُثار حولها أي شكوك في المستقبل". وأضاف أن العملية تتماشى إلى حد كبير مع "عقيدة مونرو"، المسمّاة باسم الرئيس الخامس للولايات المتحدة، جيمس مونرو، والتي أعاد ترامب تسميتها ب"عقيدة دونرو". البداية لنهج الاستحواذ على الرغم من أن مبدأ مونرو كان رمزيًا أكثر منه قوة قابلة للتنفيذ، لأن واشنطن لم تكن تمتلك حين إعلان الرئيس الأمريكي مونرو هذا المبدأ القوة العسكرية، فإنه شكّل نقطة البداية للنهج الأمريكي الاستحواذي في النصف الغربي من الكرة الأرضية. وتُعتبر عقيدة مونرو من أهم مرتكزات السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه دول أمريكا اللاتينية، وتقوم على مبدأ اعتبار قارة أمريكا الجنوبية حديقة خلفية للولايات المتحدة، ولا تسمح لأي قوة خارجية عالمية مهما كانت بأن يكون لها موطئ قدم في هذه المنطقة الاستراتيجية للأمن القومي الأمريكي. المبادئ الأربعة لعقيدة مونرو مثّلت عقيدة مونرو حجر الزاوية في السياسة الخارجية الأمريكية على مدى القرنين الماضيين. أصل التسمية يعود إلى الرئيس الأمريكي الخامس جيمس مونرو (1817-1825)، الذي تبنّى سياسة معارضة للاستعمار الأوروبي في نصف الكرة الغربي. في رسالته السنوية التي وجهها إلى الكونغرس في الثاني من ديسمبر/كانون الأول عام 1823، تحدث مونرو عن أربعة مبادئ رئيسية: 1. عدم تدخل الولايات المتحدة في الشؤون الداخلية للقوى الأوروبية أو في أي حروب تنشب بينها. 2. اعتراف الولايات المتحدة بالمستعمرات الأوروبية الموجودة آنذاك في نصف الكرة الغربي وعدم التدخل فيها. 3. لا يحق للقوى الغربية استعمار أي مناطق جديدة في نصف الكرة الغربي مستقبلًا. 4. أي محاولة تقوم بها دولة أوروبية للسيطرة على أي دولة في نصف الكرة الغربي أو قمعها ستُعتبر عملًا عدائيًا ضد الولايات المتحدة. وقال مونرو في إعلانه إن "العالم القديم" و"العالم الجديد" لهما نظم مختلفة ويجب أن يظلا محيطين منفصلين. الدوافع في تلك الفترة كانت غالبية بلدان أمريكا اللاتينية قد نالت بالفعل استقلالها عن إسبانيا أو البرتغال، كما اعترفت أمريكا بخمس جمهوريات جديدة هي الأرجنتين وتشيلي وكولومبيا والمكسيك وبيرو. لكن الولايات المتحدة كانت تخشى أن تحاول القوى الأوروبية إعادة استعمار دول المنطقة. كما كانت متخوفة من تطلعات روسيا التوسعية في الساحل الشمالي الغربي لأمريكا الشمالية، لا سيما بعد أن تمكن القيصر الروسي ألكسندر الأول من بسط هيمنته على مناطق شمال غرب المحيط الأطلسي (ألاسكا) ومنع السفن الأجنبية من الاقتراب من ذلك الساحل عام 1821. العصا الغليظة في عام 1904، تحدث الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت عن حق الولايات المتحدة في التدخل لمواجهة الدول الأوروبية الدائنة التي هددت بالتدخل العسكري لتحصيل ديونها من بلدان في أمريكا اللاتينية. لكنه ذهب إلى أبعد من ذلك، حيث قال في رسالته إلى الكونغرس في العام نفسه إن "الممارسات الخاطئة المتكررة ربما تستوجب في نهاية المطاف تدخل دولة متحضرة في نصف الكرة الغربي"، مضيفًا أن "التزام الولايات المتحدة بعقيدة مونرو ربما يضطرها أن تقوم – على مضض – بدور الشرطة الدولية في الحالات السافرة التي تحدث فيها مثل هذه الممارسات". عُرف ذلك ب"لازمة روزفلت" وسياسة "العصا الغليظة"، التي تعني امتلاك القوة العسكرية والاستعداد لاستخدامها لفرض الهيمنة الأمريكية. ملحق ترامب لعقيدة مونرو جاء في وثيقة استراتيجية الأمن القومي التي أصدرها البيت الأبيض أن "أمن الحدود هو العنصر الأساسي للأمن القومي"، وتشير ضمنيًا إلى جهود الصين لبسط نفوذها في المنطقة القريبة من أمريكا. وتقول الوثيقة: "يجب أن تكون الولايات المتحدة المهيمنة في نصف الكرة الغربي كشرط لأمننا وازدهارنا — شرط يسمح لنا بأن نؤكد حضورنا بثقة حيث ومتى نحتاج في المنطقة". وتضيف: "يجب أن تكون شروط تحالفاتنا، وشروط تقديم أي نوع من المساعدات، مرتبطة بالحد من النفوذ الخارجي المعادي من السيطرة على المنشآت العسكرية والموانئ والبنى التحتية الحيوية إلى شراء الأصول الاستراتيجية بمعناها الواسع". قرنان من التسلط الأمريكي بدأ التوسع الأمريكي بعد أن اشترى الرئيس الأمريكي جفرسون أراضي لويزيانا من نابليون فقد أدى هذا التملك الى مضاعفة مساحة أمريكا في القارة الأمريكية الشمالية ووفر الشروط الآمنة للملاحة في المسيسبي، وفتح الشهية لاجتياح الغرب الأقصى للقارة الأمريكية الشمالية وفي هذا السياق نشرت مجلة "نيوزويك" مؤخرا خريطة توضح التوسع الإقليمي للولايات المتحدة عبر أكثر من قرنين من الزمن، لتسلط الضوء على النمو المستمر للسياسة الأمريكية في مجال الأراضي، في وقت يواصل فيه الرئيس دونالد ترامب الضغط من أجل الاستحواذ على جزيرة غرينلاند. تاريخ التوسع الأمريكي يظهر التاريخ أن توسع الولايات المتحدة كان دائمًا مدفوعًا بالاستيطان الداخلي والسيطرة على السواحل والمناطق الإستراتيجية. وقد بدأت هذه العملية بعد الاستقلال عام 1776، وصولًا إلى منتصف القرن التاسع عشر، مع عمليات شراء وضم مناطق متعددة. شراء ألاسكا (1867) أنهى شراء ألاسكا محاولة روسيا لإقامة وجود لها على ساحل المحيط الهادئ، وساعد في ترسيخ النفوذ الأمريكي في آسيا والمحيط الهادئ. بعد استكشاف روسي محدود منذ القرن الثامن عشر، وبسبب قلة السكان والقيود المالية، عرضت روسيا الأرض للبيع. وافق وزير الخارجية ويليام سيوارد على شراء ألاسكا مقابل 7.2 مليون دولار (ما يعادل حوالي 157.7 مليون دولار حاليًا). وواجهت الصفقة انتقادات وسخرية، لكن اكتشاف الذهب في يوكون عام 1896 وأهميتها الاستراتيجية خلال الحرب العالمية الثانية أكسبتها قيمة كبيرة، قبل أن تصبح ولاية أمريكية كاملة في 3 يناير 1959. ضم فلوريدا (1819) بعد عودة بريطانيا شرق وغرب فلوريدا إلى إسبانيا، استغل الرئيس جيمس ماديسون انتفاضة المهاجرين الأمريكيين للسيطرة على الأراضي الواقعة بين نهري المسيسيبي وبيرديدو، بدعوى ضمها لصفقة لويزيانا. أدى ضغط وزير الخارجية جون كوينسي آدامز إلى توقيع معاهدة "أونيس-آدامز"، التي نقلت شرق فلوريدا إلى الولايات المتحدة وحددت الحدود الغربية لصفقة لويزيانا، مقابل 5 ملايين دولار تسدد لإسبانيا. صفقة لويزيانا (1803) اشترت الولايات المتحدة حوالي 530 مليون فدان من فرنسا مقابل 15 مليون دولار (حوالي 430.3 مليون دولار اليوم). عرض نابليون الإقليم للبيع بعد خسائر عسكرية في الكاريبي وحرب وشيكة مع بريطانيا؛ ورغم الشكوك الدستورية، أقر الرئيس توماس جيفرسون الصفقة، مؤكدًا قدرة الحكومة الفيدرالية على توسيع الحدود. عمليات شراء وضم أخرى عملية شراء غادسدن عام 1854 أضافت نحو 29,670 ميلًا مربعًا من المكسيك، لتسهيل خط سكة حديد عابر للقارات جنوبيًا. ضم تكساس تم في 1845 بعد استقلالها عن المكسيك، مع ضمان حقها في أراضيها العامة وديونها، وإمكانية تقسيمها إلى ولايات مستقبلية. أما هاواي، فقد أُطيح في 1893 بملكتها ليليوكالاني، وبقيت إقليماً أمريكيًا حتى أصبحت الولاية الخمسين عام 1959. إقليم أوريغون كانت أوريغون محورًا دبلوماسيًا معقدًا، طالبت بها كل من إسبانيا وبريطانياوروسيا والولايات المتحدة. بعد تنازلات إسبانيا واحتجاجات أمريكية على نفوذ روسيا، حُل النزاع أخيرًا بمعاهدة أوريغون 1846، ما ضمن السيطرة الأمريكية على المنطقة. عزلة دولية يرى إيوان مورغان، الأستاذ الفخري بمعهد الأمريكتين بجامعة لندن، أن محاولات ترامب للسيطرة على غرينلاند تمثل "صفقة عقارية شخصية لإشباع غروره، أكثر منها خطوة جيوسياسية أو اقتصادية". وأضاف: "هذه المبادرة المتهورة قد تقسم أهم تحالف للولايات المتحدة، الذي حافظ على السلام في أوروبا الغربية وشمال الأطلسي لأكثر من 75 عامًا". بينما كان التوسع الأمريكي تاريخيًا مدفوعًا بالاستيطان والسيطرة الاستراتيجية، يختلف طموح ترامب تجاه غرينلاند عن سابقاته؛ فهو يفتح بابًا جديدًا لتوسيع الحدود الأمريكية في اتجاهات لم تُستغل سابقًا، في خطوة قد تحمل تداعيات دولية وجيوسياسية هائلة. فيما يرى كثير من المحللين السياسيين أن إحياء إدارة ترامب لعقيدة مونرو قد يتسبب بفرض عزلة دولية على الولايات المتحدة في ظل سعي دول العالم إلى التعددية وتعزيز التعاون الإقليمي. ويؤكدون أن إصرار البيت الأبيض على استخدام أسلوب القوة وفرض الهيمنة على دول أمريكا اللاتينية سيقوض سمعتها وادعاءها دعم النظام العالمي القائم على احترام الأنظمة والقانون الدولي. ويرى خبراء اقتصاديون أن هناك مخاطر اقتصادية محتملة، فالتوجه الأمريكي نحو فرض القوة للاستحواذ على جزيرة غرينلاند ونهب النفط الفنزويلي قد يؤدي إلى تعطيل العلاقات التجارية مع شركاء رئيسيين في أمريكا اللاتينية، التي تسعى دول عديدة فيها للانفكاك والتحرر من الهيمنة الأمريكية.