يده لا تفارق بندقيته يتحسسها بيديه بين الحين والآخر ويتأملها بحنو بالغ.. قعد على أطراف أرضه وأطال النظر إلى الأرض امتدت يده والتقط ذرات تراب متكورة صلدة بفعل الجفاف ويقربها إلى قرب عينيه ثم يلقيها على الأرض – جفاف لا مطر ( يتبرم بينه وبين نفسه ) ( مواصلاً) إذا استمر هذا الحال فلن نجد « العيش» الذي يقوم بأولادنا ويسد رمقنا كان تبرم « مقبل» في محله فالأرض عطشى والجفاف كان قد ضرب المنطقة بوباله ومعظم الفلاحين قد نزحوا إلى المدن .. أو في أحسن الأحوال قد هاجر الرجال إلى المدينة بحثاً عن عمل ليعولوا أولادهم لم يبق إلا القليل من الرجال في القرية وبدأت فكرة ترك القرية تلح على « مقبل» الذي كان رأيه في هذه المسألة واضحاً لقد رفضها من قبل حينما كان الخروج إلى المدينة يساوي اعتلاء المناصب وإيجاد فرصة عمل مناسب ولكنه رفض ليس لأنه قديس أو مصلح اجتماعي بل أنه يصعب عليه أن يظلم أو يكذب أو يتسلط ولهذا فهو فضل «المحراث « على المكتب وفضل الأرض على البلاط والسجاد.. لم يكن همه غير زراعة أرضه . الأرض ضمأى والمطر لم يلامسها منذ حين والحاجة تدفعه دفعاً إلى المدينة.. المدينة امرأة حسنة الهندام متعددة البسمات واسعة « ومقبل» لم يخبرها ولم يفهم دهاليزها والطرق المفضية إلى قلبها . شبح يذرع تلك الشوارع الفسيحة التي اكتظت بالسيارات لم يستطع « مقبل» أن يتخلص من نوبة الانبهار، المعتوه أحس أن المدينة ابتلعته قزمته وهو الذي قزم بهجماته دوريات القوات البريطانية على طول وديان وجبال البلاد كان بشموخ تلك الجبال التي احتضنته وهو يتوارى فيها خشية أن يمسك به قراصنة التاريخ.. وها هو اليوم يسير في شوارع المدينة التي تنكرت له وأنكرته كل هذه الأبهة والترف وذلك الشخص الذي مرقت سيارته الفارهة وهو يتربع في جلسته المفتعلة المتكبرة كل هؤلاء مدينون لهذا الشبح ولأمثاله.. انا وغيري برصاصاتنا صنعنا هذا الترف المدني ولكنها اليوم تنكرنا لم تعد تعرفنا!! المدينة تتوشى « بالنيون» والأضواء المتلألئة تتوزع على الشوارع واجواء تغتسل بهذا البريق اللامع من ادرانها التي طفت وتطفو عليها كل يوم.. أو ربما هي تخفي خلف هذا المسوحات والتزويق قبحاً لا تريد أحداً أن يراه « مقبل « شبح ما زال يسير يجوب الشوارع كأفاق متشرد جاء يحمل بين جوانحه « متاعب كفاح» وتجربة نضال خاضها، وشيء من التاريخ، واعتداد جميل.. المدينة مشغولة باحتفالاتها وابتهاجها السيارات تمرق والمباني تشتعل بألوان شتى تشع من قناديل « النيون» كل هذا احتفاء بيوم الاستقلال.. ومقبل دون مأوى.. دون عمل.. دون غذاء ترتعد أوصاله مثلما كان يرتعد « البرن» وهو يلعلع ضد قوات المستعمر.. *مجلة الجيش – نوفمبر 1991م – العدد 304